Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دلالات تعديلات قيادة الجيش السوداني في ظل تصاعد القتال

رأى فيها مراقبون لحظة إعادة تموضع استراتيجي وسط آمال بأن تحدث تحولاً كبيراً في العمليات لمصلحة القوات الحكومية 

يرى مراقبون أن التغييرات في الهيكل القيادي للجيش فرضتها أهمية النصر العسكري وعودة الجيش السوداني إلى المبادرة (أ ف ب)

ملخص

شهدت المؤسسة العسكرية السودانية تغييرات مهمة في هيكلها القيادي مع تصاعد المعارك بين الجيش وقوات "الدعم السريع"، لا سيما في إقليمي كردفان والنيل الأزرق، فما هي الأسباب الكامنة وراء ذلك؟

أجرى قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان تغييرات واسعة في الهيكل القيادي للمؤسسة العسكرية تمثلت في إعادة تشكيل هيئة الأركان، وإعادة ترتيب الرتب العسكرية، حيث تعد الأولى والأبرز منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات "الدعم السريع" قبل ثلاثة أعوام.

فما دلالات هذه التغييرات ودواعيها وأثرها على الواقع العسكري الراهن، خصوصاً أنها تأتي في ظل تصاعد العمليات العسكرية في إقليمي كردفان والنيل الأزرق؟

إعادة تموضع

يرى الباحث في الشؤون العسكرية والاستراتيجية العميد ركن، جمال الشهيد، إن "التغييرات التي شهدتها المؤسسة العسكرية السودانية لا ينبغي النظر إليها كإجراء تنظيمي عابر، بل كجزء من لحظة إعادة تموضع استراتيجي قد تكون الأكثر حسماً منذ اندلاع الحرب، فضلاً عن أنها تعكس انتقال الجيش من مرحلة امتصاص الصدمة وإدارة التوازنات، إلى مرحلة أكثر تقدماً تقوم على إعادة بناء الفعالية القتالية وفق معايير أكثر صرامة. فمع دخول الحرب عامها الرابع، لم يعد ممكناً الاستمرار بذات أدوات القيادة، في ظل بيئة عملياتية تتسم بالتعقيد والتغير المستمر".
وتابع، "من زاوية مهنية بحتة، تبرز هذه الخطوة كإعادة اعتبار واضحة لمعيار الكفاءة والانضباط بوصفه المرجعية الحاكمة للترقي والتكليف. إذ إن إعادة ترتيب الرتب في هذا التوقيت تحمل دلالة تتجاوز البعد الإداري، لتؤكد أن المؤسسة العسكرية بصدد إعادة ضبط إيقاعها الداخلي، بما يعزز تماسكها ويحد من أي قراءات تسعى لتصويرها ككيان يعاني اختلالات بنيوية".

وزاد الشهيد، "كما أن هذه التغييرات لا تنفصل عن متطلبات الميدان، إذ تسعى القيادة إلى تعزيز كفاءة القيادة والسيطرة، وتقليص الفجوات التي أفرزتها سنوات الاستنزاف. فالحروب الممتدة تفرض بطبيعتها إعادة تدوير الخبرات، وإسناد المسؤوليات لقيادات أكثر قدرة على التعامل مع بيئة قتال مركبة تتداخل فيها الأبعاد النظامية وغير النظامية".

واستطرد "على مستوى أعمق، يمكن فهم إعادة هيكلة هرم القيادة كإجراء وقائي واستباقي في آن واحد؛ فهو من جهة يغلق المساحات التي قد تنفذ منها حملات التشكيك والدعاية المضادة، ومن جهة أخرى يهيئ المسرح العملياتي لمرحلة أكثر حسماً، عبر توحيد القرار وتقليص مستويات التداخل في الصلاحيات".

تسريع العمليات

ولفت الباحث في الشؤون العسكرية والاستراتيجية إلى أن أثر هذه التعديلات يتجاوز في بعده الاستراتيجي الإطار العسكري المباشر، ليطال المجالين السياسي والإعلامي، بحيث تعزز من صورة المؤسسة العسكرية كفاعل منظم وقادر على إدارة الصراع بعقلانية، وهو ما ينعكس إيجاباً على تماسك الجبهة الداخلية، ويضعف من فاعلية الخطاب المعارض الذي يراهن على إبراز مظاهر الارتباك أو التآكل المؤسسي".

وواصل، "أما في ما يتعلق بمآلات الحرب، فمن المرجح أن تسهم هذه التعديلات في تسريع وتيرة العمليات وتحسين جودة القرار العسكري، بما يرفع من فرص تحقيق تقدم ميداني ملموس. غير أن الحسم العسكري يظل عملية تراكمية، تتطلب تضافر عناصر متعددة، من بينها استدامة الإمداد، وتكامل العمل الاستخباري، وحسن توظيف النجاحات المرحلية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبيّن أن "التجارب المقارنة تشير إلى أن الجيوش التي تنجح في إعادة تنظيم نفسها خلال الصراع تكون أكثر قدرة على فرض إيقاعها في مراحله اللاحقة. ومن هنا، فإن أهمية هذه التغييرات لا تكمن فقط في آثارها المباشرة، بل في كونها تؤسس لمرحلة جديدة تُدار فيها الحرب بعقلية أكثر تكاملاً ومرونة".

وخلص الشهيد إلى القول، إن "ما يجري داخل المؤسسة العسكرية السودانية اليوم يعكس انتقالاً مدروساً من إدارة الحرب كحالة طارئة، إلى إدارتها كعملية استراتيجية طويلة النفس، تُبنى فيها القرارات على التقييم المستمر وإعادة الضبط. وهي مقاربة، إذا ما اكتملت عناصرها، قد تمثل المدخل الحقيقي نحو إنهاء الصراع بشروط أكثر استقراراً واستدامة".

أهمية النصر

من جهته، أوضح المتخصص في الشؤون الأفريقية محمد تورشين أن "التغييرات العسكرية التي أجراها البرهان على قيادة الجيش ممثلة في هيئة الأركان تأتي في ظل التراجع المستمر الذي ظل يحدث للجيش بعد استعادته الخرطوم وقبلها سنار والجزيرة من قبضة قوات "الدعم السريع"، وبالتالي كانت الآمال عريضة من قبل المدنيين والمتابعين لمجريات الحرب في السودان بأن يتقدم الجيش ويستعيد سيطرته على الأقل على إقليم كردفان بولاياته الثلاثة، شمال وغرب وجنوب كردفان، لكن لم يتمكن الجيش من ذلك، بل ظل يتراجع مقابل تقدم نسبي لقوات "الدعم السريع" ومحاصرتها لكل من مدينتي الدلنج وكادوقلي بولاية جنوب كردفان، وكذلك محاصرة الأبيّض في يعض الأحيان باعتبارها العاصمة التاريخية لإقليم كردفان ومركز ثقل عسكري مهم".

وأضاف تورشين، "في تقديري أن هذه التغييرات فرضتها أهمية النصر العسكري وعودة الجيش السوداني إلى المبادرة، خصوصاً أن هناك آمالاً كبيرة على رئيس هيئة الأركان الجديد ياسر العطا بأن يحدث تحولاً كبيراً في العمليات لمصلحة الجيش لما يتمتع به من خبرات عسكرية، فضلاً عن مواقفه المتصلبة تجاه الدعم السريع، وهو ما يعكس رهان الجيش على الخيارات العسكرية أكثر من رهانه على خيارات التسوية والمفاوضات. وربما يأتي هذا التوجه في إطار استقلال التحولات الكبرى التي تحدث في منطقة الشرق الأوسط ممثلة في الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران وانشغال كثير من دول العالم بهذه الحرب".

ورأى أن "تحقيق الانتصارات العسكرية ليس مرتبطاً فقط بالتغييرات العسكرية، بقدر ما هو مرتبط بأشياء كثيرة، من أهمها العامل العسكري المتمثل في وجود كوادر عسكرية مدربة ولديها إمكانات وقدرات معتبرة في القتال، إضافة إلى توفر القدرات العسكرية والتقنية لا سيما أن الحرب في السودان أصبحت حرب هجين تُستخدَم فيها المواجهات المباشرة وكذلك التكنولوجيا العسكرية المتمثلة في الطائرات المسيرة وأنظمة التشويش والتجسس وما إلى ذلك".

وتوقع المتخصص في الشؤون الأفريقية أن تكون المواجهات المباشرة بين طرفي الحرب حاضرة خلال الفترة المقبلة، مما قد يؤدي إلى حدوث تحولات في مسار المشهد العسكري.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير