ملخص
اليورانيوم، المعدن ذو الطبيعة المزدوجة، بين كونه مادة مشعة ومعدناً ثقيلاً ساماً يستلزم قيوداً صارمة وقواعد معقدة للتعدين والتخصيب وإدارة البيئة، وكونه مادة نادرة الوجود في الطبيعة، قادراً على إنتاج الطاقة الكهربائية النظيفة والمستخدم في الطب النووي لعلاج السرطان، وتحلية المياه وتشخيص الأمراض، يقف اليوم لاعباً رئيساً في حرب إيران ويفرض نفسه محدداً محورياً لمصير الشرق الأوسط.
هذا المعدن الفضي الأبيض الثقيل القابل للطرق، المتشابك تعدينه بصورة معقدة مع روسيا والصين وفرنسا وكندا، والموجود في كندا وأستراليا ودول أفريقية، وكذلك إيران، وأيضاً كازاخستان، والذي يملي قواعد من نوع خاص لقواعد وتعاملات الجغرافيا السياسية، يطل برأسه بين حين وآخر، إما عبر كارثة مثل "ثري مايل آيلاند" (أميركا 1978) و"تشير نوبل" (1979 أوكرانيا قبل استقلالها عن الاتحاد السوفياتي) و"فوكوشيما" (2011 اليابان عقب زلزال مدمر) وغيرها، وحالياً في حرب إيران التي تبحث عن هدنة وتأمل في نهاية قريبة.
يبقى اليورانيوم منذ اكتشفه العالم الكيماوي الألماني مارتن هاينريش كلابروث عام 1789 حتى حرب إيران الدائرة حالياً، أكثر المعادن إثارة للخوف والهلع والحرب والسلام والأمل واليأس.
طبيعة مزدوجة
هذا المعدن ذو الطبيعة المزدوجة، بين كونه مادة مشعة ومعدناً ثقيلاً ساماً يستلزم قيوداً صارمة وقواعد معقدة للتعدين والتخصيب وإدارة البيئة، وكونه مادة نادرة الوجود في الطبيعة، قادراً على إنتاج الطاقة الكهربائية النظيفة، والمستخدم في الطب النووي لعلاج السرطان وتحلية المياه وتشخيص الأمراض، يقف اليوم لاعباً رئيساً في حرب إيران ويفرض نفسه محدداً محورياً لمصير الشرق الأوسط.
إنه المعدن، مثار شد وجذب بين فريقين، أحدهما يعتبره السبب الرئيس وراء تصاعد الحرب الحالية، وآخر يرى أن الأسباب الرئيسة تشمل إكمال مهمة كسر ما بقي من "حماس" و"حزب الله" و"الحوثيين" وغيرهم من وكلاء، وإسقاط النظام المعادي للغرب وإسرائيل، والساعي إلى هيمنة إقليمية تقوم على أيديولوجيا دينية وقوة نووية لا تكتمل من دون اليورانيوم.
رحلة إيران مع اليورانيوم عمرها أكثر من سبعة عقود، والغريب أن نقطة البداية والفضل الأول لمسار إيران على الطريق النووي يعود للولايات المتحدة نفسها، وتحديداً الرئيس الـ 34 دوايت أيزنهاور صاحب مبادرة "الذرة من أجل السلام"، وذلك بعد أعوام قليلة من الصدمة التي تلقاها العالم جراء "العصر النووي" وأهوال الحرب العالمية الثانية التي بلغت ذروتها بالقصف النووي لكل من هيروشيما وناغازاكي.
وسلطت هذه المأساة الضوء على حاجة دول العالم إلى معالجة القضايا النووية بصورة عاجلة، واتخاذ خطوات من شأنها أن تمنع تكرار هذه الكارثة الإنسانية والبيئية والسياسية والاقتصادية، وحتمية وضع قواعد وقيود تحول دون تحول "العصر النووي" إلى أداة قتل وإبادة وتدمير للبيئة وموارد البشرية في الحاضر والمستقبل.
الوكالة والمبادرة
خرجت "لجنة الطاقة الذرية" إلى النور بموجب قرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة للتعامل مع التحديات الناجمة عن اكتشاف الطاقة النووية، وفي عام 1953 ألقى أيزنهاور خطاباً أمام الأمم المتحدة أطلق فيه مبادرته التاريخية "الذرة من أجل السلام"، وكان هدفها المعلن تحويل الطاقة النووية من الاستخدامات العسكرية إلى السلمية مثل إنتاج الطاقة المستخدمة لأغراض مدنية والطب والزراعة وغيرها، وأدت المبادرة إلى إنشاء "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" عام 1957، إذ تعمل الوكالة مع الدول الأعضاء والشركاء "لتعزيز الاستخدام الآمن والسلمي والمأمون للتكنولوجيا النووية"، وتسترشد باتفاق موقع في العام نفسه 1957 تنص على أن تتعهد الوكالة بـ "ممارسة أنشطتها وفقاً لأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة لتعزيز السلام والتعاون الدولي، وبما يتماشى مع سياسات الأمم المتحدة الرامية إلى تحقيق نزع السلاح العالمي الخاضع للضمانات".
وفي ذلك العام أيضاً دشنت إيران خطوتها الأولى في مجال الطاقة النووية بفعل وفضل أميركا، وأبدى الشاه الأخير لإيران محمد رضا بهلوي الذي كان وثيق الصلة بالغرب، رغبة في إدخال إيران على خط الطاقة النووية، وهو ما جعل مبادرة أيزنهاور "الذرة من أجل السلام"، الموجهة للدول النامية الخيار الأمثل ونقطة البداية الأفضل.
إيران وحليفتها أميركا
وقّعت الدولتان اتفاق تعاون نووي قدمت واشنطن بموجبه لحليفتها إيران الدعم الفني ومفاعلاً بحثياً ويورانيوم عالي التخصيب، وفرصاً تعليمية لإيرانيين في أميركا في مجال الطاقة والتقنية النووية، وهو ما يدفع كثيرين إلى القول بأن أميركا مكنت إيران من امتلاك أسباب العداء المستشري على مدار نحو نصف قرن، والخطر الذي تعتبره أميركا وإسرائيل وغيرهما من الدول مميتاً.
تعامل العالم مع دخول إيران العصر النووي في ذلك الحين باعتباره مجالاً علمياً واقتصادياً حديثاً، ولم يشب هذا التوجه في حينها شكوك حول نيات عسكرية، ولا سيما وأن إيران كانت حليفاً قوياً لأميركا.
ومضى الشاه قدماً في توثيق أقدام بلاده في برنامجها النووي الذي تحول بعد عقود إلى أكثر البرامج النووية إثارة للجدل وتفجيراً للصراعات في العالم، وبعد عامين من توقيع الاتفاق أنشأ الشاه "مركز طهران للأبحاث النووية" في جامعة طهران، وبدأ مفاوضات مع حليفته أميركا لتزويد إيران بالتكنولوجيا والمواد النووية.
ثمار التعاون والتحالف
وتشير مقالة عنوانها "60 عاماً من "الذرة من أجل السلام" والبرنامج النووي لإيران" نشرتها "بروكينغز" (2013) إلى أن العلاقة الوثيقة بين إيران وأميركا والمفاوضات أثمرت في عام 1967عن تزويد أميركا لإيران بمفاعل نووي استقدمته من جمهورية شمال قبرص التركية بقدرة خمسة ميغاواط، ويورانيوم غالي التخصيب لتشغيله، ووقتها كان المفاعل قادراً على إنتاج نحو 600 غرام من البلوتونيوم سنوياً من الوقود المستهلك.
وبحسب "الوكالة الدولية للطاقة الذرية"، فإن البلوتونيوم هو أحد النواتج الجانبية لاستخدام مفاعلات البحوث، وعلى رغم أنه يُستخدم في القوى النووية والبحوث لكنه يُستخدم أيضاً لإنتاج الأسلحة النووية، ويمكن استخدامه لبدء تفاعل متسلسل داخل سلاح نووي، وعلى رغم أن كمية صغيرة فقط من البلوتونيوم ينتجها مفاعل بحوث واحد، فإنه مصدر قلق في ما يتعلق بضمانات السلام والسلامة، ويشار إلى أن "مفاعلات البحوث" هي مفاعلات نووية أصغر حجماً من مفاعلات الطاقة تصمم وتستخدم بصورة أساس كمصدر للنيوترونات وأغراض البحث والتطوير والتعليم والتدريب، وإنتاج النظائر المشعة للطب والصناعة، وتوجد غالباً في المعاهد الأكاديمية والمراكز البحثية.
أبو البرنامج النووي
اللافت إن العالم النووي الإيراني الراحل أكبر اعتماد والملقب بـ "أبو البرنامج النووي الإيراني"، كشف قبل أعوام عن أن هذا المفاعل القادم من جمهورية شمال قبرص التركية كان يُستخدم لاستخلاص البلوتونيوم كيماوياً، ويشار أيضاً إلى أن إيران نفسها أقرت في أوائل التسعينيات بأنها استخدمت المفاعل لإنتاج كميات صغيرة من البلوتونيوم ولكن لاستخدامها في مولدات الطاقة الكهروحرارية النظائرية المشعة، لا في الأسلحة النووية.
وظلت أميركا تساعد وتدعم طموح الشاه النووي، وشمل ذلك تقديم فرص التعليم لإيرانيين في أميركا تخصصوا في الهندسة والفيزياء النووية، وهو ما يعد عنصراً حاسماً أسهم في تطوير برنامج الطاقة النووية الإيراني ووصوله إلى ما هو عليه اليوم، وأسهم الرعيل الأول من هؤلاء في تنشيط وتشغيل المفاعل البحثي الذي ظل معطلاً لأعوام، نظراً إلى عدم وجود الكوادر البشرية الإيرانية اللازمة.
برنامج يترسخ وطموح يتوسع
ظلت قوة البرنامج النووي الإيراني تترسخ وطموح الشاه النووي أيضاً يتوسع، وهو ما اعتبره "حقاً إيرانياً وطنياً"، وتحدث الشاه غير مرة عن طموحه في أن تمتلك بلاده 20 مفاعلاً نووياً في خلال عقدين، وبحلول السبعينيات سعى الشاه إلى تحقيق الاكتفاء النووي وخطط لإنشاء محطات طاقة نووية، وكذلك استثمر في تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم الأوروبية.
إن حق إيران الوطني في الطاقة والمنشآت النووية، وحق قوى أخرى التشكيك في هذا الحق، وتأكيد الشاه علناً غير مرة أن برنامج إيران النووي مخصص لأغراض الطاقة السلمية فقط، والتشكيك من قبل بعضهم في أعوام لاحقة، وبعد سقوط الشاه في صدق نياته السلمية، تظل مثار شد وجذب على مدى عقود، وتطرح تلك النقطة نفسها حيناً كمحل نقاش أو جدال، وتفرض نفسها حيناً آخر باعتبارها دليل إدانة أو خطأ كبيراً اقترفته أميركا مكّن إيران، ولو من خلال نظام مناقض لنظام الشاه من الوصول إلى ما هي عليه اليوم من قدرة نووية، فجرت حرباً إقليمية تهدد العالم والشرق الأوسط.
بدأ القلق
وجاء في وثيقة نشرها "أرشيف الأمن القومي" (مؤسسة بحثية مستقلة تستضيفها جامعة جورج واشنطن الأميركية) في يناير (كانون الثاني) عام 2009، أن مسؤولين ومحللين أميركيين أبدوا قلقاً بالغاً خلال سبعينيات القرن الماضي من أن سعي إيران إلى امتلاك دورة كاملة للوقود النووي، بما في ذلك تقنية إعادة المعالجة، وهي بمثابة إستراتيجية تحوط لتطوير الأسلحة النووية، بعد ما يمسى بـ "التفجير النووي السلمي" الذي أجرته الهند عام 1974، يحمل أخطاراً دامغة على رغم تأكيد الشاه أن برنامج بلاده سلمي.
وأشارت وثائق رسمية جرى الكشف عنها إلى أن الرئيسين الأميركيين جيرالد فورد (1974-1977) وجيمي كارتر (1977-1981) اللذين تعاملا مع شاه إيران، عبرا عن مخاوف من انتشار الأسلحة النووية ورغبة الشاه المحتملة في امتلاك قنبلة نووية، وذلك في صميم المفاوضات التي أبرماها في شأن صفقة بيع مفاعلات نووية لإيران.
وبينما جادل المسؤولون الإيرانيون آنذاك بأن لإيران حقوقاً بموجب "معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية" في تطوير التكنولوجيا النووية، نجحت أميركا في التوصل إلى اتفاق يفرض ضوابط عدم الانتشار على المواد النووية التي تزودها بها أميركا، ويشار أيضاً، بحسب الوثائق، إلى أن مسؤولين في الخارجية الأميركية كتبوا عام 1974 أنه "في حال انهيار ديكتاتورية الشاه وعدم استقرار إيران فقد يتمكن المعارضون المحليون أو الإرهابيون الأجانب بسهولة من الاستيلاء على أية مواد نووية خاصة مخزنة في إيران لاستخدامها في صنع القنابل"، وأن "خليفة عدوانياً للشاه قد يعتبر الأسلحة النووية العنصر الأخير اللازم لفرض هيمنة عسكرية إيرانية كاملة على المنطقة".
التعاون يستمر
المفاوضات التي جرت بين الحليفتين عام 1976 ركزت على اتفاق نووي رئيس يهدف إلى تزويد أميركا لإيران بما بين ست وثمان محطات طاقة ووقود نووي، إلا أن المحادثات تعثرت بسبب مخاوف أميركا من عدم وجود ضمانات إيرانية كافية في شأن انتشار الأسلحة النووية، والسيطرة على مرافق إعادة معالجة الوقود النووي، وقد أبلغ الشاه المسؤولين الأميركيين أن إيران ملتزمة بـ "معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية" وأنه لا يفهم سبب عدم ثقة أميركا في برنامج بلاده النووي السلمي، ووفقاً لمستشار الأمن القومي الراحل برنت سكوكروفت فقد كانت إدارة الرئيس فورد تأمل أن يلتزم الشاه بـ "خطوة سياسية نووية بارزة، وهي أن يقدم مثالاً يُحتذى به عالمياً بالتخلي عن إعادة معالجة المواد النووية محلياً".
حقوق نووية كاملة
الشاه من جهته أصرّ على "حقوق نووية كاملة" ورفض ما سماه بوضع "الدرجة الثانية"، وأكد حاجة إيران إلى "دورة وقود كاملة لضمان أمن الطاقة"، وما كان من أميركا إلا أن رفضت السماح بإعادة معالجة المواد النووية محلياً، واقترحت إنشاء مصنع متعدد الجنسيات لإعادة المعالجة في إيران، على أن تتولى أميركا دور الإدارة، وهو ما رفضه الشاه في البداية، واستمر التعثر والشد والجذب حتى أواخر عام 1976، وخلال فترة رئاسة كارتر، وعلى رغم توقيع اتفاق مبدئي عام 1978 يمنح إيران وضع "الدولة الأكثر تفضيلاًَ" لإعادة معالجة اليورانيوم بشروط صارمة لكن القدر لم يمهل الشاه لتوقيعها الاتفاقية رسمياً، ثم قامت الثورة الإسلامية عام 1979 وجرى تدشين "جمهورية إيران الإسلامية" القائمة على ولاية الفقيه والتي تقف على طرف نقيض من عقود حكم بهلوي، ولكن بقي الحلم النووي مستمراً والدورة النووية الكاملة قائمة وتخصيب اليورانيوم وارداً.
التخصيب الجدلي
اليورانيوم في حاله الطبيعية لا يُستخدم بصورة فعالة في إنتاج الطاقة أو الأسلحة، والغالبية العظمى منه "يورانيوم-238" غير القابل للانشطار، أما النظير النادر والقيم فهو "يورانيوم-235" الذي لا يشكل سوى 0.7 في المئة من اليورانيوم الطبيعي، وهو القادر على توليد الطاقة من خلال الانشطار النووي، وتخصيب اليورانيوم نقطة جدلية حامية ومعضلة أمنية وعسكرية، إذ يمكن أن يكون التخصيب لأغراض مدنية وكذلك عسكرية وبينهما خط رفيع، وهو مصدر قلق عالمي بالغ، ولكن جزءاً غير قليل من هذا القلق يعود إلى أسباب سياسية واقتصادية، كما أنه وثيق الصلة بتوازنات المصالح والتحالفات، فإنتاج إيران ليورانيوم مخصب بنسبة 60 في المئة، وهي النسبة التي تفوق بكثير الحاجات المدنية، يثير قلقاً دولياً على مدى ثلاثة عقود وذلك على فترات متقطعة، تشعلها الاحتقانات السياسية في المنطقة تارة، وملف وكلاء إيران ودورهم في الشرق الأوسط تارة أخرى، وتهدئها جهود مفاوضات وتلميحات اتفاقات قبل أن تعود للاشتعال مجدداً، ففي أغسطس (آب) 2002 كشفت جهات معارضة إيرانية تقيم في الخارج عن وجود منشآت نووية سرية في إيران، أبرزها منشأة نطنز للطرد المركزي، وتسبب ذلك في مواجهة دبلوماسية شديدة بين الغرب وإيران، وطرح كثير من الشكوك والمخاوف حول نيات إيران النووية.
وكشفت تقارير في ذلك الوقت أنه جرى البدء في تشييد منشأة نطنز النووية لتخصيب اليورانيوم بين عامي 1999 و2000، وجرى بناؤها تحت الأرض لتستوعب 50 ألف جهاز طرد مركزي بغرض تنقية اليورانيوم بدرجة تصل إلى خمسة في المئة، وأفاد دبلوماسيون اطلعوا على المنشأة في ذلك الوقت أنها تقع على عمق ثلاثة طوابق تحت الأرض.
نطنز والقصف
كانت منشأة نطنز النووية ولا تزال، ولا سيما بعد قصفها في الحرب الحالية، نقطة خطر وقلق كبرى، والغارات الإسرائيلية السابقة قبل حرب إيران كانت تطرح ملف نطنز وتخصيب اليورانيوم على مائدة الجدل العالمي، وفي أبريل (نيسان) 2021 وقع انفجار في المنشأة وانقطع التيار الكهربائي، وقالت إيران إن السبب هو هجوم شنته إسرائيل، وكشف عمليات التخصيب في نطنز فجّر الجدل والقلق العالمي، إضافة إلى تحول ملف التخصيب إلى نقطة ضغط وتفاوض وعقوبات وشد وجذب، وأخيراً حرب مفتوحة.
منشأة في الجبل
وعلى رغم ذلك فإن منشأة نطنز ليست الوحيدة التي ارتبطت بعمليات التخصيب، ففي عام 2009 أعلنت أميركا وبريطانيا وفرنسا أن إيران تبني منشأة سراً وهي منشأة فوردو ولم تبلغ الوكالة الدولية للطاقة عنها، وهي مقامة داخل جبل على الجانب الآخر من مدينة قم، ويرجح خبراء أنها تحظى بدرجة أفضل من الحماية حال تعرضها للقصف مقارنة بغيرها، ويوجد فيها ما يزيد على 1000 جهاز طرد مركزي مخصصة للتخصيب حتى نسبة نقاء 60 في المئة، وكانت إيران قد ضاعفت عدد هذه الأجهزة في وقت لاحق.
خونداب أيضاً
برنامج إيران النووي ومنشآتها وقدراتها على تخصيب اليورانيوم متعدد المواقع، من أصفهان، حيث أحد أكبر المراكز التكنولوجية الإيرانية القادرة على معالجة اليورانيوم لتغذية أجهزة الطرد المركزي، ومعدات تسمح قدراتها بحسب مراقبين على تصنيع قنابل نووية، إلى خونداب، وهو مفاعل أبحاث يعمل بالماء الثقيل، وهو ما يثير مخاوف الانتشار النووي نظراً إلى قدرته على إنتاج البلوتونيوم، وقد أفادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل أيام أن محطة إنتاج الماء الثقيل في المنشأة، والتي أبلغت طهران عن تعرضها لهجوم في الـ 27 من مارس (آذار) الماضي، قد لحقت بها أضرار جسيمة ولم تعد قيد التشغيل.
أما محطة بوشهر فتعد الوحيدة العاملة في إيران لتوليد الطاقة الكهربائية بقدرة 1000 ميغاواط، وبدأت العمل في السبعينيات بمساعدة ألمانية قبل أن تتولى روسيا عمليات إكمال البناء والتشغيل، وأيضاً تستخدم الوقود الروسي للتشغيل ثم تستعيده روسيا بعد نفاده مما يقلل من خطر الانتشار النووي، وقد تعرضت بوشهر منذ بداية الحرب الحالية لعدد من الهجمات الصاروخية.
"يوروديف" وحصة إيران في فرنسا
قبل بدء إيران لعمليات التخصيب مع الإشارة إلى أن التاريخ الفعلي يبقى سرياً وقيد التحليل والتكهن، كانت إيران تحصل على اليورانيوم المخصب من مصادر عدة، بحسب العلاقات السياسية والتحالفات والتوازنات، ففي الستينيات كانت أميركا هي المصدر الرئيس، وهو ما توقف بعد الثورة الإسلامية، وبحسب "رابطة الحد من التسلح" الأميركية فقد استثمرت إيران عام 1974 مبلغ مليار دولار في تخصيب اليورانيوم الفرنسي، وحصلت إيران على حصة 10 في المئة من أسهم الشركة، وفي قول آخر أن شاه إيران رضا بهلوي أقرض "هيئة الطاقة الذرية" مليار دولار عام 1974 لبناء "يوروديف" (مجمع أوروبي لتخصيب اليورانيوم بالانتشار الغازي)، على أن يعطيه القرض الحق في شراء 10 في المئة من اليورانيوم المخصب الذي تنتجه الشركة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب الرابطة أيضاً ففي عام 1977 دفعت إيران 180 مليون دولار إضافية في مقابل الحصول على خدمات التخصيب المستقبلية التي تقدمها "يوروديف"، لكن المفارقة هي أنه بعد الثورة الإسلامية عام 1979، وهو العام الذي بدأت فيه "يوروديف" عملها، ألغت إيران الاتفاق وأوقفت مدفوعاتها في مقابل شحنات اليورانيوم المخصب، لأن إيران في بداية عصر "الجمهورية الإسلامية" لم تكن مهتمة بالبرنامج النووي، وهو ما تغير في ما بعد.
نزاع مرير ثم تسوية
تفجر نزاع قانوني مرير طالبت فيه إيران باسترداد قيمة القرض البالغ مليار دولار إضافة إلى الفوائد، وردت فرنسا بأن إيران مدينة لها بمبالغ تتجاوز 180 مليون دولار غي مقابل خدمات التخصيب التي طلبها الشاه قبل سقوط حكمه والتي أُلغيت لاحقاً، ولم تُسوَ الدعوى القضائية إلا نهاية عام 1991 حين استردت إيران مبلغاً إجمالياً مقداره 1.6 مليار دولار يمثل قيمة القرض والفوائد، وحصلت الشركات الفرنسية على تعويضات عن خسائرها عبر شركة تأمين الصادرات، والمثير أن إيران بقيت مساهماً غير مباشر من خلال شركة "سوفيديف"، وهي كونسورتيوم فرنسي - إيراني يمتلك حصة 25 في المئة في شركة "يوروديف".
توقيت خاطئ
تزامنت التسوية مع تغيير طرأ على موقف إيران ومطالبتها "يوردويف" بتسليمها اليورانيوم المخصب، استناداً إلى العقد القديم، لكن فرنسا ردت أن العقد انتهى عام 1990 على رغم أن إيران كانت لا تزال تمتلك حصة غير مباشرة في "يوروديف"، وأن إيران كانت قد خضعت لعقوبات غربية، وقد استخدمت رفض فرنسا كدليل تردده على "عدم موثوقية الإمدادات النووية الأجنبية" وتبرير سعيها إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة من خلال توفير جميع عناصر دورة الوقود النووي في داخل إيران، وكذلك لجأت إيران إلى الأرجنتين في أواخر الثمانينيات لتمكين "مركز طهران البحثي" من استخدام وقود اليورانيوم المخصب بـ 20 في المئة، والذي زودتها به بالفعل عام 1992.
شبكات غير مشروعة
تشير تقارير عدة إلى حصول إيران في التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة على يورانيوم مخصب عبر ما وصفته بشبكات غير مشروعة، ومنها شبكة العالم الباكستاني الراحل عبدالقدير خان الذي يُلقب بـ "أبو القنبلة النووية الباكستانية" وكذلك "أبو القنبلة النووية الإسلامية"، ويعد خان نفسه شخصية مثيرة للجدل، بين وصفه بـ "مفشي أسرار الأسلحة النووية"، بعدما أقر بإفشاء أسرار تتعلق بتكنولوجيا تستخدم في تصنيع الأسلحة النووية وبيعها لدول مثل كوريا الشمالية وإيران.
اعتقال أبو القنبلة الباكستانية
اعتقل خان عام 2004 بتهمة مشاركته التكنولوجيا النووية بصورة غير قانونية مع إيران وليبيا وكوريا الشمالية، وظهر على التلفزيون الرسمي في باكستان ليقدم "عميق أسفه واعتذاراته غير المشروطة"، وصدر قرار رئاسي بالعفو عنه لكنه ظل رهن الإقامة الجبرية حتى عام 2009، واعتبرت دول غربية عدة قرار العفو "تساهلاً غير مفهوم" ولا سيما أنه اكتسب لقب "أعظم ناشر نووي في كل العصور" عبر وسائل إعلام غربية، ثم عاد خان وألمح إلى أنه أُجبر على الاعتراف بتسريب معلومات نووية، ويذكر أنه أشرف على أول تفجير نووي نفذته باكستان عام 1998 بعد فترة قصيرة من تفجير نووي مشابه نفذته الهند.
بطل قومي
في باكستان يعتبر خان بطلاً قومياً، ووقت وفاته متأثراً بإصابته بفيروس كورونا عام 2021، غرد الرئيس الباكستاني حينئذ عارف علوي "ساعدنا خان في تطوير درع نووية أنقذت الأمة، والدولة ممتنة له ولن تنسى خدماته في هذا الصدد"، ووصفه رئيس الوزراء الباكستاني السابق عمران خان بـ "الرمز الوطني الذي أتاح برنامجه للأسلحة النووية الأمن ضد جار نووي عدواني أكبر بكثير"، في إشارة إلى الهند، وأيضاً وصفه زعيم المعارضة حينئذ، والذي أصبح وزيراً للدفاع حالياً، شهباز شريف، وصاحب المنشور المحذوف الذي أثار جدلاً كبيراً عن إسرائيل، بأنه "فخر باكستان"، وعلى رغم أن الدعم الذي قدمته ما يُعرف بـ "شبكة عبد القدير خان" كان تقنياً في المقام الأول، إلا أنها ساعدت إيران في الحصول على المعرفة والمواد اللازمة لتخصيب اليورانيوم محلياً.
الاتفاق التاريخي
الاتفاق التاريخي الذي جرى توقيعه في فيينا عام 2015 بعد مفاوضات ناجحة غير مسبوقة، أثمر عن "خطة العمل الشاملة المشتركة" بين إيران وأميركا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين وألمانيا، وفرض قيود على برنامج إيران النووي وتخصيب اليورانيوم في مقابل رفع العقوبات الاقتصادية تعثر وتعرقل، ثم سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فترة رئاسته الأولى إلى إعلان انسحاب أميركا من الاتفاق الأسوأ، على حد وصفه، وأعاد فرض العقوبات، مما أدى إلى تراجع إيران كذلك عن بنود الاتفاق والإمعان في التوسع في برنامجها النووي وجهود التخصيب.
تاريخ إيران مع التخصيب وتعامل الغرب معها حلقات مسلسلة من السرية والكشف والنفي ثم التأكيد والمراوغة في النسب والأرقام، والجلوس إلى مائدة المفاوضات والاتفاق ثم الاختلاف وهلمّ جرا، في اتهامات متوالية جرى توجيهها لإيران في ما يختص بالتخصيب ونياته، وتوقيع اتفاقات ثم خرقها أو الرجوع عنها.
غموض وإثارة
غموض نووي وتضارب تصريحات وقبول باتفاقات وتراجع عن بنود بعينها، والوكالة الدولية للطاقة الذرية ترصد يورانيوم مخصباً بنسب مرتفعة، وجهات رقابية تطلب توضيحات، وطهران تؤكد أن الأغراض سلمية، وأميركا تعترض وتفرض عقوبات، وإيران تشجب وترفض الانصياع وإسرائيل تهدد وروسيا تدعم والحرب تشتعل، وبرنامج إيران النووي في القلب منها ومعه اليورانيوم المخصب، ومن مفارقات برنامج إيران النووي واليورانيوم المخصب والحرب المشتعلة، وعلى رغم دور روسيا المحوري في مسيرة إيران النووية عبر تقديم الخبرة الفنية أو الوقود النووي أو البنية التحتية، وبالطبع التحالف السياسي الإستراتيجي والجيوسياسي لمواجهة النفوذ الغربي، تعرض روسيا حالياً القيام بدور الوسيط في الملف النووي الإيراني، وقبل أيام قليلة اقترحت روسيا نقل يورانيوم إيران المخصب إلى أراضيها لتنضيبه أو تبديله، مع استمرار تقديم الدعم الفني اللازم في موقع بوشهر.
يورانيوم إيران المخصب ليس بعيداً بالطبع من الأعين الأميركية بل هو في قلب الاهتمام، وقبل أيام أفادت صحف أميركية أن الجيش الأميركي قدم للرئيس ترمب رؤية تحمل "خطة للاستيلاء على مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم عالي التخصيب في إيران"، تضمنت نقل معدات حفر جواً وبناء مدرج لطائرات الشحن لنقل اليورانيوم المخصب الذي يعتقد أن وزنه يتراوح ما بين 400 و450 كيلوغراماً، وفي وقت أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن إيران أبدت استعدادها لتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، وأن هذه المسألة من أهم أولويات الرئيس ترمب، قال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي إن "العدو لن ينجح في تقييد برنامج التخصيب الإيراني"، وبذلك تستمر حلقات اليورانيوم المخصب الساخنة والمتناقضة لتدور في دوائر مفرغة لا تخلو من الإثارة ولا تفتقد الغموض والضبابية، وكذلك الخطورة والبعد الإستراتيجي والصراع العسكري.