ملخص
مهرجان الفنون في الرياض قدم عروضاً حية متنوعة من المحاورة والشعر إلى "الليوة" و"الدحة" وسط تفاعل جماهيري واسع عكس ثراء الموروث الثقافي وأهميته في تعزيز الهوية واستمرارية التراث
في قلب العاصمة، ينبض الموروث الثقافي السعودي من جديد عبر مهرجان للفنون التقليدية، جمع بين العروض الحية والتجارب التفاعلية في أجواء تنظيمية متناغمة وترحيبية. منذ اللحظة الأولى، تستقبل الزائر أصوات الطبول التي تقوده نحو المسرح، حيث تتوالى عروض أدائية تستحضر عمق التراث من مختلف مناطق المملكة، في مشهد حي يعكس تنوع الهوية الثقافية.
يأتي هذا الحدث في سياق الاحتفاء بالموروث الوطني في الرياض، وتسليط الضوء على ثراء الفنون الأدائية التقليدية باعتبارها ركناً أساساً من مكونات الهوية السعودية، ضمن توجهات رؤية المملكة 2030 لتعزيز حضور الثقافة في المشهد المعاصر.
ويقدم المهرجان نفسه منصة ثقافية متكاملة تجمع بين العرض الحي والمحتوى المعرفي والتجربة التفاعلية، في محاولة لربط الجمهور بالفنون التقليدية وتوسيع دائرة الاهتمام بها.
على مستوى الفعاليات، يفتح المهرجان نافذة واسعة على تنوع الفنون الأدائية في المملكة، حيث يتعرف الزوار إلى أنماط متعددة من الأداء التراثي، تعكس تعدد البيئات الثقافية وغناها.
ويبرز فن المحاورة كأحد أبرز هذه الفنون، من خلال أمسيات تفاعلية قائمة على الارتجال بين الشعراء، يتقابل خلالها صفان في تبادل الأبيات وسط تفاعل لافت من الجمهور. كما يحتضن المسرح أمسيات للشعر النبطي، إلى جانب ورش تطبيقية تقدم للمشاركين أساسيات هذا الفن.
ويمتد هذا التنوع ليشمل عروضاً مثل "حكاية البحر" التي تستحضر أهازيج الساحل وذاكرة البحارة، إلى جانب معرض تفاعلي يضم الآلات الموسيقية والأزياء والحرف التقليدية، في تجربة متكاملة تعكس ثراء الموروث وتعيد تقديمه بصيغة معاصرة.
خطوات "الليوة" في إيقاع البحارة
يبرز فن "الليوة" بوصفه أحد الفنون الشعبية الحاضرة بقوة في المنطقة الشرقية والخليج، حيث ارتبط قديماً بالمناسبات والأفراح، قبل أن يتحول إلى أداء جماعي مفتوح يستوعب أعداداً كبيرة. ويتميز هذا الفن بإيقاعه السريع وحركاته الدائرية التي تضفي عليه طابعاً حيوياً لافتاً.
ويؤدى "الليوة" ضمن حلقة يتوسطها عازف المزمار "الصرناي"، فيما يتحرك المشاركون بخطوات منتظمة إلى الأمام والخلف في انسجام مع الإيقاع.
ويوضح المتخصص في الأداء الحركي عمر البقمة، في حديث لـ"اندبندنت عربية"، أن هذا الفن يعتمد على حركات بسيطة تتكرر في نمط دائري يعيد تشكيل الإيقاع الحركي باستمرار.
ويشير إلى أن مصطلح "الليوة" يرتبط بحضور الجماعة وروح المشاركة، بوصفه فناً يقوم على التفاعل بين المؤدين.
ويلفت إلى أن إيقاعه يستلهم من بيئة البحر، إذ ارتبطت الطبول والآلات المستخدمة به بحياة البحارة قديماً، وكانت حاضرة في رحلاتهم واستخداماتهم اليومية، إلى جانب آلة الصرناي التي تقود النغمة الأساسية.
وتعود جذور هذا الفن إلى الساحل الشرقي لأفريقيا، قبل أن ينتقل إلى الخليج عبر الرحلات التجارية، ليتطور مع الزمن ويكتسب سماته المحلية مع احتفاظه بروحه الإيقاعية وأثره البحري الواضح.
فن "الدحة"... إيقاع الشمال المهيب
تحضر "الدحة" بوصفها أحد أبرز الفنون الأدائية في المهرجان، وموروثاً شعبياً تشتهر به مناطق شمال المملكة. عرف هذا الفن قديماً كرقصة حرب تهدف إلى بث الرعب في قلوب الأعداء أو الاحتفال بالنصر، قبل أن يتحول اليوم إلى أيقونة ثقافية وطنية.
وتتميز "الدحة" بأهازيجها وأصواتها المهيبة، في مشهد إيقاعي مشحون بالحماسة. ويصطف المؤدون في صف واحد أو صفين متقابلين، يتوسطهم الشاعر الذي يلقي قصائده المغناة بأسلوب قصصي يتنوع بين الفخر والمدح والغزل، لتردد الصفوف الأبيات بالتناوب في تناغم جماعي لافت.
وتبلغ الحماسة ذروتها مع دخول "الحاشي"، وهو المؤدي الذي يرتدي البشت ويتحرك بالسيف أو العصا أمام الصفوف، في أداء حركي يتناغم بدقة مع الإيقاع الصوتي، ليشكل لوحة متكاملة تجمع بين الصوت والحركة.
وفي تأكيد على عمق هذا الإرث، تشير وكالة الأنباء السعودية "واس" إلى أن "الدحة" تعرف في التراث الشعبي بـ"أنفاس الفرسان"، نظراً لما تتطلبه من مهارة في التوفيق بين التناغم الحركي والنفس. ولضمان استدامة هذا الفن، نقلت عن مدير جمعية الثقافة والفنون في منطقة الحدود الشمالية، خلف القاران، أن أداء "الدحة" يتطلب فرقاً متمرسة يتراوح عدد أفرادها بين 20 و40 شخصاً، مع استمرار الجهود في استقطاب جيل الشباب وتدريبهم للحفاظ على هذا اللون التراثي وتوريثه للأجيال المقبلة.
حضور المرأة... بعد رمزي في ساحة الأداء
وفي امتداد لهذا المشهد، لم يكن حضور المرأة غائباً عن "الدحة" في مراحلها التاريخية، إذ أدت في بعض الحالات دور "الحاشي"، حاملة السيف في ساحة الأداء، لتضفي بعداً رمزياً يعزز الحماسة ويعكس قوة الحضور.
وكان هذا الدور يرتبط غالباً بنساء يتمتعن بمكانة اجتماعية رفيعة، لما يحمله من دلالات تتجاوز الأداء إلى تمثيل الهيبة والشرف. وظهرت المرأة بزي تقليدي يعكس هذه الرمزية، مثل "المدرقة" السوداء الفضفاضة المصنوعة من قماش "المستيكا"، مع لف "الشمبر" على الرأس، في هيئة تحمل أبعاداً ثقافية واجتماعية واضحة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتوضح رونا، إحدى منظمات مهرجان الفنون، أن حضور المرأة في هذا السياق لم يكن مجرد مشاركة شكلية، بل عنصر يعزز تفاعل المؤدين ويدفعهم نحو تقديم أداء أكثر حماسة، في دلالة على عمق البعد الجماعي الذي يقوم عليه هذا الفن.
إعجاب جماهيري واسع
شهد المهرجان إقبالاً لافتاً من الزوار، وسط تفاعل واضح مع العروض والتجارب المقدمة. وتنوع الحضور بين زوار محليين وسياح، من بينهم مجموعة صينية أعربت عن إعجابها بتنوع الفنون، معتبرة أنها قدمت صورة حية عن التراث السعودي وثرائه.
واختتمت فعاليات المهرجان، التي انطلقت في 26 مارس (آذار) الماضي واستمرت حتى الأسبوع الثاني من أبريل (نيسان) الجاري، بعد أيام من الحضور الكثيف، في مشهد يعكس حجم الاهتمام بالفنون التراثية ودورها في تعزيز الهوية الثقافية.
وأشار عدد من الزوار إلى أن "الدحة" كانت من أبرز العروض، لما تحمله من إيقاع مهيب وتفاعل جماعي يترك انطباعاً قوياً، فيما عبر آخرون عن سعادتهم برؤية التراث ينبض في مشهد حي يربط بين الماضي والحاضر، مؤكدين أهمية استمرار مثل هذه الفعاليات في تعزيز الهوية الثقافية وتعريف الأجيال الجديدة بالتراث السعودي.