Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هذا ما يحصل لجسمك لدى قراءة خبر صادم

معالجة الدماغ للتيار المتواصل من المحتوى السلبي تعتمد على الآليات التطورية ذاتها التي حمت أجدادنا من الحيوانات المفترسة قبل آلاف السنين

أجسادنا مزودة بجهاز لكشف التهديدات والإنذار المباشر (بيكسباي)

ملخص

بمجرد قراءة خبر يوحي بوجود خطر، وقبل التأكد من صحته أصلاً، يطلق الدماغ البدائي ومضة عصبية إلى بقية أجزاء الجسد هي بمثابة أمر عمليات فوري يضع غريزة البقاء فوق كل اعتبار ويحول هاتفك الذكي من أداة ترفيه إلى رادار عسكري، ليعمل كمحرك خفي يجعلك لا تستطيع إغلاق الشاشة، لأن جزءاً بدائياً في دماغك مقتنع تماماً بأن المعلومة القادمة هي التي ستنقذ حياتك.

في فوضى الحياة الافتراضية حيث باتت الأيام تطالعنا على هيئة وجبة رقمية سريعة، أصبحت الأخبار وعناوينها العاجلة أشبه بجرعة صادمة، مخدرة أحياناً ومنشطة أحياناً أخرى، تُقدم إلى جهاز عصبي منهك أصلاً من تدفق المنشورات والفيديوهات المقلقة التي يبثها المُرجفون في الأرض، ناهيك بأصحاب التوقعات التي لا تنفك تنبئ بموت قادم وكوارث ودمار وبلاء وانهيار اقتصادي ونقص من الأموال والأنفس والثمرات.

استنفار رقمي

كلمة واحدة كافية لتلقي الرعب في قلبك أو ربما صورة يمكن أن تكثف تفاصيل مشهدٍ يوحي بكارثة وشيكة، والحقيقة أن دماغنا بين هذه وتلك لا يقرأ كليهما بل يعلن النفير مباشرة بعد إطلاق صفارة الإنذار. ما حدث باختصار هو أن جهازك العصبي أطلق آلة حرب بيولوجية داخلية لم تصمم قط لمواجهة عالم رقمي الهوية، فالدماغ البشري غير مهيأ لاستقبال سيل مستمر من المشاهد الصادمة التي تضع اللوزة الدماغية في حال من الاستنفار الدائم.

عندما يواجه الدماغ محتوى يحمل دلالات تهديد، هو في الحقيقة لا يتعامل معه بوصفه معلومة محايدة، بل كـ"إشارة للنجاة"، فبمجرد قراءة خبر يوحي بوجود خطر، وقبل التأكد من صحته أصلاً، يطلق الدماغ البدائي ومضة عصبية إلى بقية أجزاء الجسد هي بمثابة أمر عمليات فوري يضع غريزة البقاء فوق كل اعتبار ويحول هاتفك الذكي من أداة ترفيه إلى رادار عسكري، ليعمل كمحرك خفي يجعلك لا تستطيع إغلاق الشاشة، لأن جزءاً بدائياً في دماغك مقتنع تماماً بأن المعلومة القادمة هي التي ستنقذ حياتك.

عملية الاختطاف الأخطر

وعندما تنطلق هذه الومضة يقوم الدماغ بعملية أشبه باختطاف عصبي، يسلم الأميجدالا (اللوزة الدماغية) القيادة بعدما ينحي جانباً الأجزاء المسؤولة عن التفكير المنطقي والتحليل في القشرة المخية، ليصبح الجسد كاملاً تحت قيادة مركز العواطف والخوف في الدماغ، بانتظار أوامر الاستعداد.

وبذلك أصبح واضحاً أن معالجة الدماغ للتيار المتواصل من المحتوى الرقمي السلبي، تعتمد على الآليات التطورية ذاتها التي حمت أجدادنا من الحيوانات المفترسة قبل آلاف السنين، وعلى رغم الاختلاف الجوهري بعدم وجود خطر في الحال الأولى، فإن الدماغ يتفاعل مع المحتوى الرقمي على أنه تهديد فعلي على رغم أنه لا يشكل خطراً حقيقياً على أرض الواقع، إضافة إلى أن حدث التعرض لحيوان المفترس ينتهي بعد لحظات، في حين أن التعرض للشاشات لا يتوقف عند غالبية البشر إلا أثناء النوم.

مسار مختصر

وفي حين أن أجسادنا مزودة بجهاز لكشف التهديدات والإنذار المباشر، إلا أنه وفي قفزة تطورية في هندسة الجسد البشري أُنشئ مسار مختصر ينقل رسائل الخطر من منطقة المهاد إلى اللوزة الدماغية مباشرة، في تجاوز ذكي للقشرة الدماغية بغرض توفير ما يقارب 0.3 ثانية ثمينة تمثل الفارق بين الحياة والموت في لحظات التهديد الحقيقي، هذا المسار يمثل تطوراً في النظام العصبي يعمل بسرعة وبصورة مباشرة من دون الحاجة إلى التفكير الواعي.

وبذلك تطورت الأميجدالا كجهاز كشف وإنذار غاية في السرعة والكفاءة، وأصبح لدى كل منا نظام مسح سابق يعمل خارج منطقة الوعي، يجعل من السهل على العين التقاط الكلمات المثيرة في النص قبل قراءتها فعلياً، وفي هذا السياق، يظهر الأفراد المعرضون لمحتوى تهديد مستمر نشاطاً مزمناً في اللوزة الدماغية حتى أثناء الراحة، في حال يكون فيها الجهاز العصبي في مستوى مرتفع ومستمر من الانتباه والاستعداد، حتى في غياب تهديد مباشر أو حقيقي، ما يطلق عليه علمياً اسم "فرط اليقظة القاعدي"، والحقيقة أن فرط اليقظة هذا يمثل الوقود الأساس لسلوكيات مثل التصفح القهري للأخبار السلبية، الذي لا يهدأ حتى بعد الحصول على المعلومة المطلوبة، بل يتحول إلى حلقة مفرغة تكاد لا تنتهي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التتبع القهري للأخبار والانتقال بين المصادر

يقول روبرت سابولسكي، عالم الأعصاب في جامعة ستانفورد، إن "الدوبامين ليس هرمون متعة بل هرمون توقع، وأسوأ ما يمكن أن يستثيره هو هذا السؤال البسيط: ماذا سيكون الخبر التالي؟"، فالدماغ لا يفرز الدوبامين عند المكافأة فقط، بل أيضاً عند توقع الحصول على معلومة جديدة قد تحمينا.

والذي يحدث في الدماغ خلال جلسة التمرير القهري أن مركز المكافأة الرئيس يطلق الدوبامين في لحظة التوقع قُبيل الوصول للمعلومة وليس عند الوصول، بل إن كل حركة للأسفل هي رهان صغير على ما سيظهر، وفي الحقيقة هذا التوقع هو الإدمان ذاته.

والأمر الأخطر هو أن الدماغ الذي يتعرض لتهديد وشيك يزداد ولعاً بهذه الحلقة، فالخوف من التهديد ينشط دوافع البحث عن المعلومات بوصفها وسيلة للتحكم والاستعداد، بمعنى أنه في حال عرفت ما القادم ربما يمكنني الاستعداد له، وفي حين تبدو هذه المعادلة صحيحة عندما يتعلق الأمر بتهديد جسدي ملموس، إلا أنها تتحول إلى قيد حين يكون التهديد رقمي لا نهاية له.

وفي هذا السياق، صاغ الباحثون مصطلح "التصفح السلبي" لوصف السلوك الذي يجمع بين الإدراك الواضح لكون المحتوى يسبب الهلع والضيق، وبين العجز عن التوقف عن تصفحه، في حال انتقال جنوني من منصة إخبارية إلى اجتماعية إلى فيديو مباشر وحسابات شهود وقراءة التعليقات والبحث عن التحليلات.

التصفح السلبي

في محاولة بيولوجية لحل تهديد غير محسوم باستخدام المعلومات، يبحث الدماغ عن أداة للسيطرة على هذا التهديد في حال قهرية، تبدأ بالتصفح بغرض الحصول على معلومات تعزز الشعور بالحماية والسيطرة، لكنه في نهاية المطاف يقع في فخ بيئة رقمية تبقي التهديد مفتوحاً على مصراعيه، وتقود إلى حلقة مفرغة (تصفح - تهديد ثم الرغبة بمعرفة المزيد – الدخول في حالة من الغموض وعدم اليقين – استمرار البحث) يندفع فيها الدماغ للبحث عن المعلومات بهدف تهدئة القلق الناتج من ضخ الكورتيزول والبحث عن الطمأنينة وإزالة الشعور بعدم اليقين بعد التعرض للمحتوى الغامض والمهدد.

ومن المؤكد أن المنصات مصممة أصلاً لتكرار وتعزيز هذه الحلقة العصبية عبر توفير آليات تبدو كميزات، مثل التمرير اللانهائي والإشعارات المتقطعة وانتظار التحديثات والخوارزميات، التي تفضل المحتوى العاطفي وتغذي "التايم لاين" به.

اقرأ المزيد

المزيد من صحة