ملخص
بحسب تقرير لهيئة البث الإسرائيلية "كان 11" نُشر مطلع العام الحالي، فإن المزارعين الإسرائيليين يواجهون منذ ما قبل الحرب "رفضاً قاطعاً في أوروبا التي لا تقبل شراء المانغو أو الحمضيات إلا في حالات النقص الشديد".
تصدر إسرائيل سنوياً ما بين 100 و120 ألف طن من الحمضيات ونحو 140 ألف طن من الأفوكادو.
على رغم الارتياح الذي ساد العالم كله بالتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في الثامن من أبريل (نيسان) الجاري، فإن أوري أريئيل (50 سنة) يخالجه شعور مختلف تماماً. فمنذ أن فر من مستوطنة "كريات شمونة" شمال إسرائيل المحاذية للحدود مع لبنان، تبعاً لأوامر الجبهة الداخلية، لا يعلم شيئاً عن مزرعة الأفوكادو التي يملكها هناك، ويعيش منذ اضطر إلى إخلاء منزله تحت نيران "حزب الله" حالاً من القلق والخوف. فالضرر والدمار لم يقتصرا على المباني العامة والبنى التحتية، بل أصابا أيضاً قطاع الزراعة، بأضرار جسيمة، وإلى جانب أنه يستحيل الاقتراب من البستان. أريئيل لم يخسر فقط ثمار الموسم الحالي، التي لم تقطف لأنها تجاوزت حجمها المسموح به وأصبحت غير صالحة للبيع أو التصدير، بل خسر المواسم المقبلة أيضاً لأنه لا يمكن الاهتمام بالأشجار وتهيئتها للفصل المقبل، ما دام الفاصل الزمني بين الإنذار وسقوط الصاروخ شبه معدوم. وبحسب ما أفادت به صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، فإن قطاع الزراعة في إسرائيل تكبد خسائر فادحة تقدر بملايين الدولارات نتيجة تداعيات الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، إذ إن الصادرات الزراعية الإسرائيلية تواجه اليوم شللاً شبه كامل في ظل عدم قدرة المزارعين على تصدير منتجاتهم. وتعد بلدات شمال إسرائيل المتاخمة للحدود مثل كريات شمونة والمطلة ونهاريا وكيبوتس سنير وميسغاف عام، من أشهر المنتجين للفاكهة خصوصاً التفاح والكرز، وتضم أراضيها مزارع الألبان والأكبر في إسرائيل، وتنتج ما يقدر بـ30-40 في المئة من النبيذ الإسرائيلي، وتحقق تصدراً متزايداً في زراعة الأفوكادو على المستوى العالمي. وعلى رغم أن الزراعة في شمال إسرائيل تعد قطاعاً حيوياً ومتقدماً، فقد أظهرت الاستطلاعات الصادرة عن صحيفة "معاريف" وقناة "كان 11" و"قناة 12" الإسرائيلية شبه إجماع على ضرورة استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية عند الجبهة اللبنانية، إذ أيد ذلك 77 في المئة في استطلاع "معاريف" و79 في المئة في استطلاع القناة "12"، مع توافق واسع بين ناخبي الائتلاف والمعارضة على هذا الموقف.
ووفقاً لوزارة الزراعة الإسرائيلية، فإن تصدير المنتجات الزراعية الطازجة من إسرائيل يومياً إلى العالم يعد ركيزة مهمة في تطوير وتعزيز الإنتاج الزراعي الإسرائيلي، إضافة إلى أنه محرك رئيس للتنمية الاقتصادية للقطاع الذي يعتمد على التكنولوجيا المتقدمة والابتكار للتغلب على شح الموارد المائية، إذ تشكل الزراعة في إسرائيل نحو 2.5 في المئة من الناتج المحلي. وقد أشار مسح سابق أجراه "اتحاد المزارعين في إسرائيل"، إلى أن 82 في المئة من الإسرائيليين يعتقدون أن الزراعة جزء من أمن إسرائيل واستقرارها، فيما اعتبر 75 في المئة أن الحفاظ عليها وتطويرها ضرورة لحماية البلاد، في حين يدعم 77 في المئة من المزارعين أهمية الانخراط في التعليم الزراعي، و78 في المئة يؤيدون تأسيس المزيد من المدارس الزراعية المهنية، وهو ما يثبت بحسب محللين أن الجمهور الإسرائيلي يرى الزراعة كدعامة أمنية وليست نشاطاً اقتصادياً فقط. وبحسب بيانات رسمية، يخصص أكثر من 18 في المئة من إنفاق الأسر في إسرائيل على المنتجات الغذائية.
أزمة متفاقمة
بفعل تداعيات الحرب وتعطل قنوات التصدير منذ أواخر فبراير (شباط) الماضي يواجه القطاع الزراعي في إسرائيل أزمة متفاقمة. وإلى جانب تزايد الخسائر المالية، أفادت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية بأن التباطؤ في الموانئ وصعوبة نقل البضائع بسبب الحرب، تركتا الأثر العميق الذي أعاق وصول المنتجات الزراعية إلى الأسواق الخارجية. كيف لا ومطار بن غوريون، الذي يشكل المنفذ الجوي الأساس لتصدير آلاف الأطنان من الأعشاب الطازجة سنوياً إلى أوروبا وشرق آسيا، يعاني توقفاً شبه تام في الحركة. وعلى رغم إعلان وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، تشير التحليلات إلى أن الواقع لا يزال أكثر تعقيداً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فالحديث الذي يدور عن وقف موقت لا عن نهاية الحرب، يدفع شركات الطيران الأجنبية إلى التريث وعدم التسرع في العودة، وهو ما يثير مخاوف المزارعين الإسرائيليين من أن تعليق الرحلات خلال ذروة الموسم قد يؤدي لفقدان ثقة العملاء الدوليين والأسواق الخارجية، وإنهاء عقود مستقبلية. وقد كشفت معلومات من كيبوتس "غيفات حاييم إيهود"، لموقع "موندويس" الأميركي، أن بساتين في الكيبوتس مهددة بالاقتلاع الكامل نتيجة غياب طلبات التصدير، إذ يعمل المزارعون بخسارة مالية فادحة منذ بدء الحرب، خصوصاً مع تراجع الطلب المحلي أيضاً نتيجة إغلاق المطاعم، مما يعكس عمق الأزمة اللوجيستية والسياسية. وبحسب تقرير لهيئة البث الإسرائيلية (كان 11) نشر مطلع العام الحالي، فإن المزارعين الإسرائيليين يواجهون منذ ما قبل الحرب "رفضاً قاطعاً في أوروبا التي لا تقبل شراء المانغو أو الحمضيات إلا في حالات النقص الشديد". وأفادت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية في وقت سابق بأن نصف المصدرين الإسرائيليين فقدوا عقودهم خلال العام الماضي، فيما تضررت صادرات 76 في المئة منهم. في وقت تتعرض فيه سلاسل الإمداد الزراعي لضغوط متزايدة بفعل توقف الرحلات الجوية، أدت اضطرابات الشحن البحري، بسبب إغلاق مضيق هرمز، لضرب قطاعي الحمضيات والأفوكادو في موسم الذروة، حيث تصدر إسرائيل سنوياً ما بين 100 و120 ألف طن من الحمضيات ونحو 140 ألف طن من الأفوكادو، ومع تأخر السفن في الموانئ وارتفاع كلف التخزين نتيجة زيادة أقساط التأمين وارتفاع أسعار الوقود، تراجعت جودة المنتجات.
نقص عالمي
من جهتها أكدت منظمة التجارة العالمية أن تداعيات إغلاق مضيق هرمز لا تقتصر على الصناعة فحسب، بل امتدت لتؤثر في الزراعة أيضاً، من خلال اضطرابات في إمدادات الأسمدة الضرورية للزراعة عالمياً. وقال الأمين العام لغرفة التجارة الدولية جون دينتون "إن تعطل تجارة الأسمدة يشكل حالياً خطراً حقيقياً على موسم الحصاد المقبل، حيث يواجه المزارعون في كل أنحاء العالم، نقصاً في الإمدادات وارتفاعاً في الأسعار". وقد تسبب تضرر منشآت إنتاج في الإمارات، تمثل نحو 30 في المئة من الإمدادات العالمية من نيترات البوتاسيوم والأسمدة الفوسفاتية، لتفاقم خسائر المزارعين الإسرائيليين، إذ إن النقص العالمي في الأسمدة الزراعية أدى لرفع أسعار الأسمدة في إسرائيل بنسبة وصلت إلى 180 في المئة، ناهيك بأن ارتفاع أسعار المواد البلاستيكية - المرتبطة بأسعار النفط - زاد من كلفة البنية التحتية الزراعية، ليس فقط في التعبئة والتغليف، بل في البيوت المحمية وأنظمة الري. وقد انعكست تداعيات الحرب سلباً على التطور التقني في القطاع الزراعي في إسرائيل، حيث جرى إيقاف المعدات المتقدمة التي تعتمد على تقنيات تحديد المواقع "GPS" عن العمل في عديد من المزارع بالشمال، نتيجة للتعطيل الإلكتروني الذي بدأه الجيش لتعمية الطائرات المسيرة وصواريخ "حزب الله"، وهو ما ضاعف الحاجة إلى الأيدي العاملة أو معدات أخرى، لم يكن هناك قدرة لدى المزارعين على توفيرها، ونتج من ذلك مزيد من الخسائر، كارتفاع بأسعار السلع نتيجة الفاقد الغذائي ونقص محلي في المعروض من منتجات أساسية. وقد ذكر تقرير لصحيفة "كالكاليست" الاقتصادية الإسرائيلية قبل أيام، أن إسرائيل سجلت للآن نحو 26 ألف طلب تعويض عن أضرار ناجمة عن القصف بالصواريخ، تقدر قيمتها بما بين 1 و1.5 مليار شيكل (بين 320 و450 مليون دولار) مشيرة إلى أن الخسائر الإجمالية خلال 38 يوماً من الحرب على إيران ولبنان بلغت قيمتها 15 مليار دولار. وأضاف التقرير أن كلفة الحرب سترتفع خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار القتال واتساع تداعياته الاقتصادية.
خطة إنقاذ
ولتحفيز المزارعين الإسرائيليين، وتعزيز إنتاجهم، وإعادته إلى مستويات ما قبل الحرب (حرب غزة 2023 وحرب إيران 2025 و2026) وتأهيله بما يضمن زيادة كمية المخزون الاستراتيجي وتحديث كمية المواد المخزنة استعداداً لاحتمالية لاستمرار الحرب، نشرت وزارة الزراعة والأمن الغذائي الإسرائيلية إجراء لدعم استثمارات في الزراعة بهدف تعزيز وتطوير البلدات القريبة من الحدود اللبنانية وبلدات النقب الغربي. وفي إطار هذا الإجراء، خصصت الحكومة الإسرائيلية نحو 47 مليون شيكل (14.2 مليون دولار) للاستثمار في البنى التحتية الزراعية كالبنى التحتية للمياه، التي تكتسب أهمية خاصة في ظل الجفاف الذي تعانيه إسرائيل، إضافة إلى الطرق الزراعية. ويشمل الإجراء أيضاً وللمرة الأولى، الاستثمار في البنى التحتية المستخدمة في الأنشطة التعليمية وفي البحث والتطوير في مجال الزراعة المتقدمة. ووفقاً لبيان الوزارة، فإن الهدف من التمويل والدعم يهدف إلى تعزيز الاستيطان الزراعي ودعم النمو الاقتصادي في هذه المناطق، مما يسهم في ضمان الأمن الغذائي الوطني لإسرائيل. وفي بلدات الشمال، المجاورة للسياج الحدودي مع لبنان، قررت الحكومة تقديم الدعم للمستوطنات التي تقع ضمن نطاق كيلومترين من الحدود الشمالية، وخصصت لهذا الغرض مبلغ 36.5 مليون شيكل (11 مليون دولار) على أن يشمل الدعم كريات شمونة وشلومي والمطلة. وفي بلدات النقب الغربي بجنوب إسرائيل، يستند الدعم إلى قرار الحكومة في شأن إعادة تأهيل وتطوير البلدات للأعوام 2025-2029، وهناك سيتم استثمار 10 ملايين شيكل (3.3 مليون دولار). وبحسب مدير عام وزارة الزراعة والأمن الغذائي في إسرائيل أورن لافي، فإنه بالاستثمار في البنى التحتية الزراعية، في البلدات على الحدود الشمالية وفي النقب الغربي "نضمن تعزيز الاستيطان وترسيخه على طول الحدود، ويشكل خطوة أساسية لضمان صمود الاقتصاد الزراعي والأمن الغذائي في إسرائيل".