Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين التصعيد والتفاوض... إلى أين تتجه الجبهة اللبنانية؟

بعد الضربات الدموية الأربعاء الماضي وفتح مسار التفاوض المباشر مع تل أبيب، تجد بيروت نفسها أمام أربعة مسارات

فرق الإنقاذ تعمل في موقع غارة إسرائيلية في منطقة المزرعة ببيروت، 8 أبريل (رويترز)

ملخص

أية قراءة دقيقة لمستقبل المعركة في لبنان يجب أن تنطلق من نقطة أولى ثابتة، ما جرى ليس انتقالاً من الحرب إلى التهدئة، بل انتقال من حرب إقليمية مفتوحة إلى تركيز النار على الحلقة الأضعف، لأن الهدنة الأميركية - الإيرانية فتحت نافذة تفاوض حول إيران، لا حول لبنان، وحتى اللحظة يشير السلوك الإسرائيلي إلى أن طهران لم تنجح في انتزاع مظلة أمنية للبنان، علماً أن التصريحات الإيرانية أكدت أن لبنان مشمول باتفاق وقف إطلاق النار، وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن لبنان و"حزب الله" حلفاء لإيران و"يشكلان جزءاً لا يتجزأ من الاتفاق".

في أعنف غارات لفت الأراضي اللبنانية وسقط معها المئات من المدنيين قتلى وجرحى، أطلقت إسرائيل أول من أمس الأربعاء الثامن من أبريل (نيسان)، عملية "الظلام الأبدي"، وما حصل لم يكن مجرد تصعيد عسكري عابر، بل إعلان صريح عن دخول لبنان مرحلة جديدة من الحرب، تمتد على كامل جغرافيته.

ما جرى قبل يومين لم يكن مجرد عملية عسكرية واسعة، بل يوماً ثقيلاً في ذاكرة اللبنانيين، إذ إن الغارات الإسرائيلية لم تميز بين هدف وآخر، فسقط مدنيون من بينهم أطفال ونساء، وتحولت أحياء كاملة إلى ركام بخاصة في العاصمة بيروت، ودمرت مبانٍ على رؤوس قاطنيها، بفعل استخدام إسرائيل القنابل الثقيلة، في مشهد أعاد إنتاج صورة الحرب بكل قسوتها. وبسبب قساوة ووحشية ما حصل، وصف كثر الأربعاء الماضي بـ"اليوم الأسود"، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، دماء على الأرض، وبيوت مدمرة، وعائلات مضعضعة تبحث عن أفرادها، وخوف يتمدد من جنوب لبنان إلى البقاع وصولاً إلى قلب بيروت.

فيما أعلنت وزارة الصحة في حصيلة شبه نهائية عن سقوط 303 قتلى وأكثر من 1000 جريح.

وكان سلاح الجو الإسرائيلي قد أعلن أنه شن خلال 10 دقائق أكثر من 100 غارة استهدفت مواقع بين بيروت والبقاع والجنوب، في هجوم خطط له منذ أسابيع ونفذ عبر عشرات الطائرات وبنك أهداف جاهز سلفاً، على حد قوله، معلناً أن "العمليات في لبنان تتواصل الآن"، وأنه "لن نتوقف حتى نغير الواقع في الشمال (الإسرائيلي) ولبنان".

العملية الأعنف منذ حادثة "البيجر"

وزعم تقرير لصحيفة "يديعوت أحرونوت" أن عملية "الظلام الأبدي"، لم تكن تحركاً طارئاً، بل عملية واسعة كان قد جرى الإعداد لها قبل اندلاع الحرب الحالية، ووفقاً للصحيفة الإسرائيلية، فإن الخطة الأصلية خضعت لتعديلات ميدانية بعدما غير "حزب الله" نمط انتشاره ومواقع تمركزه، مما دفع الجيش الإسرائيلي إلى تعقب مقار قيادة جديدة، قبل تنفيذ الضربات المتزامنة.

وحتى الساعة لم يصدر أي بيان رسمي عن الدولة اللبنانية يكشف ويوضح طبيعة الأهداف التي استهدفتها تل أبيب في بيروت أو مناطق لبنانية أخرى، بل دان الرؤساء الثلاثة في لبنان ما قالوا إنه "جريمة" نفذتها إسرائيل، وقررت الحكومة اللبنانية التقدم بشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي عن تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وتوسعها مما أدى إلى وقوع عدد كبير من الضحايا المدنيين.

في المقابل نفت غالبية قيادات "حزب الله" أن تكون الضربات وبخاصة في بيروت قد طاولت مراكز تابعة له، إن لناحية السلاح أو قيادات تابعة له.

وعلى رغم أن عدد القتلى في صفوف الحزب جراء ضربات الأربعاء لا يزال مجهولاً ولم تصدر بيانات نعي واضحة بعد، صرح وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، معلناً أن الضربات التي تلقاها "حزب الله" تعتبر الأعنف منذ عملية "البيجر"، وقال "حذرنا نعيم قاسم من أن الحزب سيدفع ثمناً باهظاً لمهاجمته إسرائيل".

التهدئة مع إيران لا تعني تهدئة مع أذرعها

الخطر في الضربات الأخيرة على بيروت أنها أتت مباشرة بعد ساعات على إعلان الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، وفي اللحظة التي اعتقد فيها كثر أن لبنان سيبدأ بالتقاط أنفاسه، لكن الذي حصل كان العكس تماماً، فإسرائيل التي سارعت، وعلى لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، إلى التأكيد أن لبنان غير مشمول بهذه التهدئة، لم تحصر القصف بالجنوب أو بالضاحية فحسب، بل وسعت ميدان الاستهداف إلى قلب بيروت وممرات الربط الحيوية، وصولاً إلى استهداف آخر جسر يربط جنوب نهر الليطاني ببقية الأراضي اللبنانية، وهو جسر القاسمية، في رسالة ميدانية تقول إن المعركة لم تعد فقط ضد مواقع الحزب، بل ضد البيئة اللوجيستية والجغرافية، وحتى منشآت مدنية وبنى تحتية.

بهذا المعنى، لم يكن الأربعاء يوم تصعيد عسكري فحسب، بل يوم إعلان مرحلة جديدة، وهي نقل الحرب من منطق الاستنزاف المتدرج إلى فرض وقائع ميدانية تتجاوز فكرة الضغط العسكري ومحاولة عزل الجنوب، وخنق البنية الحاضنة، ودفع لبنان كله، سلطات وشعب، إلى مواجهة كلفة الحرب التي لا يملك قرارها.

فماذا تريد أن تقول إسرائيل سياسياً عبر "الظلام الأبدي"؟

بات من المؤكد أن تل أبيب لا تريد أن يقيد مسار التفاوض مع إيران، يدها في لبنان، وعلى العكس فتحت الهدنة في إيران لها نافذة حركة أوسع، وما دام واشنطن جمدت المواجهة المباشرة مع طهران، فهذا يعني بالنسبة إلى تل أبيب أنها ستسعى إلى نقل مركز الثقل إلى الساحة اللبنانية من دون خشية الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.

أضف إلى أن إسرائيل ستحاول تثبيت فصل المسارات بصورة حاسمة، إذ إنه وطوال الأعوام الماضية بنيت معادلة عرفت بـ"وحدة الساحات"، وتقوم على فكرة أن أي تصعيد في لبنان مرتبط بإيران والعكس صحيح. وما حاولت فعله إسرائيل وطوال "حرب الإسناد"، وصولاً إلى عملية "الظلام الأبدي"، هو كسر هذه المعادلة، بحيث إن ملف طهران يصبح مستقلاً عن ملف بيروت، وأن لبنان لم يعد جزءاً من سلة تفاوضية واحدة بل ملفاً منفصلاً تماماً.

في السياق فإن الضربات التصعيدية على لبنان بغالبية مناطقه وسقوط مدنيين أبرياء وتدمير أحياء بأكملها يراد منها فرض واقع تفاوضي جديد قبل أي تسوية مع لبنان، بمعنى آخر رفع سقف الشروط مسبقاً. ذلك أن إسرائيل لا تنتظر طاولة التفاوض لتطلب إبعاد "حزب الله" عن جنوب نهر الليطاني، بل لطلب سحب سلاحه بصورة كاملة، بضغط مزدوج على الحزب وعلى الدولة اللبنانية في آن واحد.

رسائل أساسية من التصعيد الأخير

عبر التصعيد الكبير على لبنان، تحاول تل أبيب، وفق متابعين، أن ترد على قرار "حزب الله" الذي أشعل الحرب الحالية في الثاني من مارس (آذار) الماضي عبر إطلاق ستة صواريخ نحو شمال إسرائيل، بالقول إن قرار إنهاء هذه الجولة لن يكون بيد الحزب بل لديها.

أيضاً هناك رسالة غير مباشرة إلى الدولة اللبنانية نفسها، تقول إن أي رهان على إدخال لبنان تلقائياً ضمن أي تفاهم أميركي – إيراني هو رهان خاطئ، أي إنه، إذا لم يفرض لبنان كملف مستقل على طاولة التفاوض، فسيبقى ساحة مفتوحة لإعادة رسم التوازنات بالقوة.

وهو ما يفسر سريعاً إيعاز نتنياهو إلى المعنيين البدء بمفاوضات مباشرة مع لبنان، التي من المتوقع أن تحصل الثلاثاء المقبل، وفق تقارير صحافية، في مركز وزارة الخارجية الأميركية في الولايات المتحدة.

جدل إعلامي بين نفي وتأكيد

وخلال الساعات الماضية حصل جدل "إعلامي" بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، في شأن شمول لبنان في الاتفاق، بحسب تصريحات إيرانية وباكستانية، أو استثنائه وفقاً لمواقف واشنطن وتل أبيب.

وفي السياق أكد كل من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، أن لبنان جزء من اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه.

وقال قاليباف، الذي تم تقديمه كمفاوض رئيس محتمل لإيران في المحادثات المقبلة مع الولايات المتحدة، في منشور على منصة "إكس"، إن لبنان و"حزب الله" حلفاء لإيران و"يشكلان جزءاً لا يتجزأ من وقف إطلاق النار"، وأضاف أن إعلان وقف إطلاق النار الذي نشره رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أكد أهمية لبنان كجزء من الاتفاق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل خرجت تصريحات أميركية وإسرائيلية لتؤكد العكس، أهمها عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي قال إن لبنان "غير مشمول في الاتفاق".

وبين هذا وذلك، الدولة اللبنانية المعنية بهذا الجدل لم تبلغ بمحضر الهدنة، ولم يحضر عنها ممثل خلال المحادثات، وكأن طهران تريد القول إنها المتحدثة عن لبنان وباسمه.

فيما أكد كل من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بتصريحات منفصلة أن الدولة اللبنانية وحدها تتحدث باسم لبنان.

إلى أين تتجه الأوضاع على الساحة اللبنانية؟

حتى الآن، يشير جوهر المشهد إلى أن الهدنة المعلنة بين الولايات المتحدة وإيران ليست هدنة للبنان، وصحيح أن واشنطن جمدت الضربات على إيران مدة أسبوعين، وإسرائيل وافقت على هذا المسار، لكنها قالت بوضوح إن لبنان غير مشمول، ثم ترجمت ذلك ميدانياً عبر سلسلة الغارات.

لذلك فإن أية قراءة دقيقة لمستقبل المعركة في لبنان يجب أن تنطلق من نقطة أولى ثابتة، ما جرى ليس انتقالاً من الحرب إلى التهدئة، بل انتقال من حرب إقليمية مفتوحة إلى تركيز النار على الحلقة الأضعف، لأن الهدنة الأميركية - الإيرانية فتحت نافذة تفاوض حول إيران فيما يشير السلوك الإسرائيلي إلى أن طهران لم تنجح في انتزاع مظلة أمنية للبنان، في حين يذهب بعض المراقبين للقول إنه من الممكن أن إيران استطاعت انتزاع مظلتها الأمنية الخاصة، غير عابئة بمستقبل لبنان و"حزب الله" وحربه ضد إسرائيل، وهذا ما ستثبته الأحداث المقبلة.

وذلك على رغم كل التأكيدات الإيرانية المستمرة، آخرها كلام المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، قبل ساعات أن إجراء محادثات إنهاء الحرب مشروط بالتزام الولايات المتحدة تعهدات وقف إطلاق النار في جميع الجبهات ولا سيما في لبنان.

ثلاثة مسارات تحت سقف واحد

ومع فتح كوة في مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وسط ترقب لما ستحمله جولة المفاوضات الأولى بين البلدين، تتجه المعركة في لبنان، على الأرجح، إلى واحد من أربعة مسارات.

المسار الأول، وهو الأكثر ترجيحاً، استمرار الحرب بصيغة الضغط الأقصى على لبنان تحت سقف تفاوضي مباشر بين البلدين تحت النار، لن تكون نتائج هذه المفاوضات مثمرة بصورة مباشرة، بخاصة أن مطالب إسرائيل وكما كشفت تصريحات مسؤوليها تبدأ بنزع كامل لسلاح الحزب وهو ما لم تستطع الدولة اللبنانية أن تقوم به بعد بصورة واضحة، وبذلك سيواصل الجيش الإسرائيلي الضربات الجوية الواسعة، والاغتيالات، وضرب البنى العسكرية واللوجيستية، للضغط في آن واحد على الدولة اللبنانية والشعب اللبناني عبر قصف مناطق مدنية وبنى تحتية، وعلى "حزب الله".

ويذهب بعض المحللين أبعد من ذلك إلى حد القول إن إيعاز نتنياهو البدء بالتفاوض مع لبنان، ما هو إلا مناورة إعلامية قد تخفي في طياتها تصعيداً عسكرياً كبيراً يشمل كل الأراضي اللبنانية.

المسار الثاني، وهو ما تسعى إليه واشنطن، أن تذهب الجبهة اللبنانية نحو التهدئة المشروطة، وهو مسار يقوم على خفض التصعيد العسكري تدريجاً مقابل تفاهمات غير مباشرة أو مباشرة تضمن وقف الغارات الإسرائيلية في مقابل ضبط عمليات "حزب الله" على الحدود. غير أن نجاح هذا الخيار يبقى مرهوناً بقدرة الأطراف، أي إسرائيل والحزب، على التزام قواعد اشتباك جديدة، وهو أمر لا يزال محل شك في ظل التداخل بين القرار اللبناني والبعد الإقليمي للصراع، فيما أكد "حزب الله" سريعاً مساء أمس أنه يرفض أي تفاوض مباشر مع إسرائيل، مما يعني حكماً عدم التزامه ما قد تخرج به المفاوضات المرتقبة.

في حين يتجه المسار الثالث إلى تثبيت "حزام أمني" فعلي جنوب الليطاني، بغض النظر عن أية مفاوضات قد تحصل، وهذا ليس تفصيلاً، لأن إسرائيل لم تعد تتحدث فقط عن وقف إطلاق نار أو إبعاد خطر حدودي، بل عن إعادة تشكيل جغرافيا الجنوب وسكانه وحركة العودة إليه. وإذا استمرت هذه المقاربة فنحن لا نكون أمام جولة قتال عابرة، بل أمام محاولة إنتاج جنوب مختلف، عبر القرى المدمرة، والعودة المؤجلة، والجسور والممرات المستهدفة، مما يعني حكماً فشل أية مفاوضات بين بيروت وتل أبيب.

فيما يبقى المسار الرابع والأخير مرتبطاً بمتغير حاسم، يتمثل في إمكان عودة الحرب بين إيران والولايات المتحدة أو إسرائيل، وفي حال تجدد التصعيد الإقليمي، فإن الجبهة اللبنانية مرشحة لأن تتحول مجدداً إلى ساحة اشتباك مفتوحة، بغض النظر عن مسار المفاوضات الجارية.

ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى "حزب الله"؟

يعتبر مقربون من الحزب أنه ربما دخل في أخطر مراحل الحرب سياسياً، لا عسكرياً فقط. ذلك أن الهدنة بين واشنطن وطهران كشفت بوضوح أن إيران تفاوض عن نفسها أولاً، وأن إدخال لبنان في التفاهم ليس أمراً محسوماً ولا مضموناً، ناهيك بفتح مسار التفاوض مع إسرائيل.

 بل هناك تناقض صريح بين من قال إن لبنان مشمول بالهدنة، وبين الموقف الإسرائيلي والأميركي الذي تعامل معه كساحة منفصلة. هذا التناقض بحد ذاته يوجه ضربة للمعادلة التي روجت طوال الأعوام الماضية لوحدة المسارات والساحات، فإذا كانت طهران تدخل التهدئة بينما يبقى لبنان تحت النار، فذلك يعني أن لبنان ليس شريكاً متكافئاً في القرار، بل ساحة يمكن تركها معلقة إلى حين.

وبناء على كل ما سبق، يتجه لبنان إلى استمرار المعركة، لا إلى نهايتها، لكنها ستكون معركة ذات هدف أوضح من السابق، أي إضعاف "حزب الله" ميدانياً جنوب الليطاني، وتوسيع منطقة النار والتهجير، ثم جر لبنان الرسمي إلى تفاوض من موقع أضعف، على ترتيبات أمنية وحدودية جديدة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل