Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

البند الغامض يكسر رواية "النصر": لماذا بقي لبنان خارج وقف النار؟

جزء من الالتباس الذي رافق إعلان الهدنة يعود لكون ما جرى تبادله عبر الوساطة الباكستانية لم يكن ورقة اتفاق واحدة نهائية

غارة إسرائيلية استهدفت مبنى في منطقة الجناح في العاصمة بيروت في الثامن من أبريل الحالي (ا ف ب)

ملخص

دخلت إيران هدنة موقتة مع الولايات المتحدة بوساطة باكستانية لضبط الاشتباك المباشر بينهما، من دون أن تشمل الساحة اللبنانية، التي بقيت ضمن إطار المواجهة بين إسرائيل و"حزب الله". وتشير المعطيات إلى أن الاتفاق اقتصر على وقف الهجمات المتبادلة وفتح الملاحة في مضيق هرمز، فيما رحل ملف الأذرع الإقليمية الإيرانية إلى مفاوضات لاحقة قد تشمل مستقبل سلاح الحزب. في المقابل، أكدت إسرائيل استمرار عملياتها العسكرية، بدعم موقف أميركي واضح يستثني لبنان من التهدئة.

بينما دخلت إيران في هدنة موقتة مع الولايات المتحدة تستمر أسبوعين، كانت الجبهة اللبنانية تشهد واحدة من أعنف موجات القصف منذ بداية الحرب، في مشهد يؤكد بوضوح عدم شمول لبنان بالهدنة. وتشير المعطيات الدبلوماسية إلى أن هدنة الأسبوعين التي ثبتت بوساطة باكستانية صممت أساساً لضبط الاشتباك المباشر بين الطرفين، لا لإعادة ترتيب ساحات النفوذ الإيراني في المنطقة. لذلك جاء استثناء لبنان مقصوداً، لأنه يدخل ضمن ملف المواجهة بين إسرائيل و"حزب الله"، لا ضمن ملف الاشتباك الأميركي – الإيراني المباشر.

وتكشف المعلومات المتقاطعة وما نشرته التقارير الصحافية الغربية والإقليمية عن أن جزءاً من الالتباس الذي رافق إعلان الهدنة يعود لكون ما جرى تبادله عبر الوساطة الباكستانية لم يكن ورقة اتفاق واحدة نهائية، بل ورقتين تفاوضيتين منفصلتين. فقد سلمت طهران إسلام آباد مجموعة شروط خاصة بها لنقلها إلى واشنطن، فيما نقلت باكستان ورقة أميركية مقابلة إلى الجانب الإيراني.

وتكشف بعض التقارير عن أن الورقة الأميركية تضمنت بنداً بالغ الحساسية يتعلق بإعادة النظر في علاقة إيران بأذرعها العسكرية في المنطقة، وصولاً إلى قطع هذه العلاقة أو إعادة تنظيمها ضمن إطار تسوية أوسع. وبطبيعة الحال يشمل هذا البند "حزب الله"، باعتباره الركيزة الأكثر تقدماً ضمن شبكة النفوذ الإيراني الإقليمي، وهو ما يفسر عملياً بقاء الجبهة اللبنانية خارج إطار التهدئة الأولية.

 

البند الغامض في الاتفاق

غير أن هذا البند، المذكور أعلاه، لم يبحث تفصيلياً بعد بين طهران وواشنطن بصورة مباشرة، ولم يدخل ضمن الاتفاق المبدئي الذي أعلن على أساسه وقف التصعيد الموقت، بل جرى ترحيله إلى جلسة المفاوضات المرتقبة نهاية هذا الأسبوع، إذ يفترض أن يطرح ضمن سلة تفاهمات أوسع تتصل بإعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمي.

إلا أن أوساطاً سياسية لبنانية ترى أن إيران، حفظاً لماء الوجه مع "حزب الله"، أبلغت الحزب ورئيس مجلس النواب نبيه بري أنها توصلت إلى اتفاق "هدنة" يشمل لبنان أيضاً، وهو ما يفسر إعلان بري أن الهدنة ستسري في لبنان، وكذلك اندفاع جمهور الحزب إلى إعلان ما وصفه بـ"نصر تاريخي" من دون أية وقائع ميدانية تبرر هذا الادعاء، وذلك قبل أن يتلقى لبنان واللبنانيون واحدة من أشد الضربات العسكرية منذ بداية الحرب، في مشهد يعكس مجدداً الفجوة المتزايدة بين الخطاب والواقع العسكري على الأرض.

ووفق المعلومات المتوافرة، اقتصر الاتفاق الأولي الذي مهد لإعلان الهدنة على بندين أساسيين، وقف الهجمات الأميركية المباشرة على إيران، في مقابل التزام إيراني بوقف الهجمات على دول الخليج وإسرائيل، إضافة إلى تعهد إيراني بفتح ممرات الملاحة في مضيق هرمز فوراً، باعتبارها خطوة عاجلة لضبط التصعيد العسكري والاقتصادي في المنطقة. أما بقية البنود، سواء تلك التي تقدمت بها طهران أم التي طرحتها واشنطن، فقد أجلت إلى جولة المفاوضات المرتقبة.

أكبر تصعيد منذ عملية البيجر

وفي هذا السياق تحديداً، تبدو التطورات الميدانية الأخيرة واستهداف إسرائيل بيروت بغارات عنيفة، أودت بحياة عدد كبير من المدنيين، مؤشراً إضافياً على حجم التحول الجاري. فبعد انسحاب إسرائيل من المواجهة المباشرة مع إيران، اتجهت قوتها العسكرية بكاملها تقريباً نحو الساحة اللبنانية، في أكبر تصعيد يشهده لبنان منذ حادثة أجهزة "البيجر" في الـ17 من سبتمبر (أيلول) عام 2024.

هذا التصعيد، الذي كان متوقعاً وفق كثيرين، لم يكشف فقط عن حجم الاختراق الذي تعانيه بنية "حزب الله" العسكرية والأمنية، بل أظهر أيضاً عجزه عن حماية كوادره، فضلاً عن عجزه عن حماية البلاد التي يدعي الدفاع عنها.

وفي السياق، تخشى أوساط سياسية من أن تتوسع الحرب من نطاق استهداف "حزب الله" لتطاول البنية التحتية المدنية اللبنانية والمناطق الآمنة. والمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي أفيخاي أدرعي كان نشر بدوره قبل ساعات خريطة على منصة "إكس"، وقال إن الحزب بات اليوم ينتقل من الضاحية إلى مناطق تشمل شمال بيروت والمناطق المختلطة في المدينة.

حسم الجدل

لم يقتصر حسم الجدل حول شمول لبنان بالهدنة على القراءة الدبلوماسية للمسار التفاوضي، بل جاء أيضاً عبر مواقف سياسية مباشرة وصريحة. فقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح أن التفاهمات التي جرى التوصل إليها مع إيران لا تنطبق على الجبهة اللبنانية، مشدداً على أن العمليات العسكرية ضد "حزب الله" ستستمر وفق مقتضيات الأمن الإسرائيلي، وبغض النظر عن أي ترتيبات تهدئة مرتبطة بالاشتباك الأميركي – الإيراني. هذا الموقف أسقط عملياً الرواية التي جرى الترويج لها داخلياً حول شمول لبنان بالهدنة، وأعاد تثبيت الجبهة الشمالية ضمن إطار المواجهة المفتوحة، بل أكد أن الحرب الفعلية في لبنان بدأت للتو.

الموقف ذاته كرسه أيضاً الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي أوضح أن التفاهم مع طهران يقتصر على ضبط الاشتباك المباشر بين الولايات المتحدة وإيران وتأمين الملاحة في مضيق هرمز ووقف الهجمات على دول الخليج وإسرائيل، من دون أن يتضمن أي ترتيبات تتصل بساحات النفوذ الإقليمية الأخرى، وفي مقدمها لبنان. وبذلك بدا واضحاً أن الجبهة اللبنانية بقيت خارج مظلة التهدئة، وأن أية محاولة لربطها بالاتفاق لم تكن سوى قراءة سياسية متسرعة أو محاولة لاحتواء تداعيات التصعيد داخلياً.

وفي موازاة ذلك، يكتسب تصريح نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس أهمية خاصة، إذ أشار قبل ساعات إلى أن أية محاولة إيرانية لتعطيل مسار التفاوض عبر استخدام الورقة اللبنانية قد تؤدي إلى نسف الاتفاق بالكامل، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن تنظر إلى سلوك طهران في لبنان بوصفه اختباراً مباشراً لجدية التفاوض، لا ملفاً منفصلاً عنه.

المفاوضات المرتقبة

أما جلسة المفاوضات المرتقبة نهاية الأسبوع الجاري، فتعد محطة مفصلية لأنها ستتناول عملياً مستقبل شبكة النفوذ الإقليمي الإيراني، وليس فقط قواعد الاشتباك الحالية. وإذا جرى إدراج ملف "حزب الله" ضمن التفاهمات المحتملة، فقد تتحول الجبهة اللبنانية سريعاً إلى جزء من ترتيبات التهدئة.

أما إذا بقي هذا الملف خارج إطار التفاهم، فالمتوقع، وفق تقديرات دبلوماسية متقاطعة، أن تتصاعد الضربات الإسرائيلية على لبنان خلال المرحلة الانتقالية بين المفاوضات وأي اتفاق محتمل، في محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة قبل تثبيت أية تسوية.

هكذا يتضح أن استثناء لبنان من هدنة الأسبوعين لم يكن نتيجة خلل تفاوضي أو إهمال سياسي، بل انعكاس مباشر لموقعه الحقيقي في هندسة الصراع الإقليمي، وهو بذلك جبهة ضغط مفتوحة تستخدم لإعادة رسم ميزان القوة، لا ساحة تهدئة ضمن التسويات الموقتة. وفي ظل هذا الواقع، يبقى مصير الجبهة اللبنانية مرتبطاً بنتائج التفاوض الأكبر، لا بالهدن الجزئية التي تعقد خارجها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

خيارات إيران

وأمام هذا اليوم، تقف إيران عملياً أمام خيارين استراتيجيين، الأول يتمثل بالتزام طهران بالاتفاق مع الولايات المتحدة والقبول بفصل مسارها التفاوضي عن ملف "حزب الله"، مما يعني، وفق هذه الأوساط، منح إسرائيل هامش حركة واسعاً لمواصلة عملياتها العسكرية داخل لبنان إلى حين بلوغ أهدافها الميدانية والسياسية. أما الخيار الثاني، فيقوم على انسحابها من التفاهم أو تعليق الالتزامات المرتبطة به، بما يعني عودة الحرب ربما ويفتح الباب أمام ضغط تفاوضي مباشر لوقف الضربات على الحزب، وهو مسار تقول الأوساط نفسها إنه قد يقود إلى اتفاق كبير تطرح ضمن شروطه الأساسية مسألة تسليم سلاح "حزب الله".

 إلا أن المرحلة الفاصلة بين انطلاق هذا المسار التفاوضي والوصول إلى اتفاق نهائي مرشحة، بحسب التقديرات الغربية، لمزيد من التصعيد العسكري الإسرائيلي لا العكس، إذ يتوقع أن يتكثف الضغط الميداني ويتوسع نطاق الاستهدافات في لبنان خلال هذه الفترة الانتقالية.

وهنا تشير أوساط سياسية إلى أن إسرائيل أبلغت الوسطاء الدوليين بوضوح أنها لم تعد تميز بين الجناحين السياسي والعسكري لـ"حزب الله"، وأن أي عنصر أو إطار ينتمي إلى الحزب بات يصنف هدفاً مشروعاً ضمن بنك أهدافها. وتخلص إلى أن سلاح الحزب بات في آن واحد سبباً رئيساً في إدخال لبنان في الحرب، كما أصبح في المقابل النتيجة الحتمية لأي مسار تسوية مقبل، سواء فرض نزعه عبر ضغط عسكري متواصل أو جرى إدراجه ضمن تفاهم دبلوماسي واسع قيد التشكل.

ثلاث احتمالات

يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سعيد القزح أن سلوك "حزب الله" في المرحلة الحالية يعكس محاولة واضحة لربط الجبهة اللبنانية بمسار التفاهمات الإيرانية - الأميركية، انطلاقاً من منطق ما يعرف بـ"وحدة الساحات"، إلا أن المؤشرات الميدانية والسياسية، بحسب قراءته، تظهر أن إسرائيل تعمل على تثبيت معادلة معاكسة تقوم على فصل المسارين اللبناني والإيراني بالكامل، وهو اتجاه تبدو طهران نفسها أقرب إلى التسليم به في هذه المرحلة.

ويشير القزح إلى أن التجربة الميدانية خلال الأشهر الماضية دلت بوضوح، وفق تقديره، على أن الأذرع الإقليمية المرتبطة بإيران لم تتحرك دفاعاً عن "حزب الله" عندما كان يتعرض لضربات قاسية، بل تحركت فقط عندما تعرضت إيران نفسها للاستهداف المباشر، مما يعكس طبيعة العلاقة الوظيفية بين الطرفين، إذ يقاتل الحزب ضمن استراتيجية إيرانية أوسع لا ضمن حسابات لبنانية مستقلة.

وفي قراءته للسيناريوهات العسكرية المقبلة، يطرح القزح ثلاثة احتمالات رئيسة للتحرك الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، أولها الاكتفاء بالمناطق التي دخلتها القوات الإسرائيلية على طول الشريط الحدودي بعمق يقارب الصف الثاني من التلال المشرفة على المستوطنات، بما يتيح إبعاد خطر الصواريخ المضادة للدروع مع استمرار الضربات الجوية والاستهدافات النوعية لعناصر الحزب ومراكزه، وثانيها توسيع العمليات للوصول إلى كامل منطقة جنوب الليطاني، وثالثها تعميق التوغل إلى ما بعد هذه المنطقة وصولاً إلى نهر الزهراني والبقاع الغربي إذا قررت إسرائيل إزالة خطر الصواريخ متوسطة المدى بصورة نهائية.

ويخلص القزح إلى أن أي توقف للعمليات العسكرية الإسرائيلية، إن حصل، لن يعني نهاية الأزمة بل نقلها إلى الداخل اللبناني، إذ يصبح ملف سلاح "حزب الله" مواجهة مفتوحة بين الدولة اللبنانية والحزب، بخاصة أن قرار حصر السلاح بيد الجيش اللبناني قائم أساساً، فيما يبقى تنفيذ هذا القرار مرتبطاً إما بتفاهم دولي إقليمي أوسع يشمل إيران، أو بقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها تدريجاً على الأرض عبر إجراءات أمنية وسيادية مباشرة.

تفسير ثلاث لغات

في المقابل، يعتبر الكاتب السياسي المقرب من "حزب الله" خليل نصر الله أن المعطيات المتوافرة تشير إلى أن لبنان كان مشمولاً أساساً ضمن الصيغة التي جرى التداول بها لوقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة عبر الوساطة الباكستانية، مشيراً إلى أن النصوص التي وزعت بثلاث لغات تضمنت ذكر لبنان صراحة ضمن إطار التهدئة، مما يعني، وفق قراءته، أن استمرار الضربات الإسرائيلية يعد خرقاً واضحاً لهذا المسار.

ولفت إلى أن الاتصالات الديبلوماسية التي تقودها طهران، بمشاركة باكستان وعدد من الدول الإقليمية، تهدف إلى تثبيت شمول لبنان بوقف إطلاق النار، معتبراً أن الساعات التالية لهذه الاتصالات ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الاتفاق سيصمد أو يتجه نحو الانهيار، بخاصة في ظلل تسريبات عن احتمال رد إيراني على استمرار الاستهدافات داخل الأراضي اللبنانية.

كما اعتبر أن النقاط التي طرحت ضمن العناوين التفاوضية الإيرانية تتضمن بنداً واضحاً يتعلق بوقف الهجمات على حلفاء طهران في المنطقة، وهو ما قد يفتح لاحقاً الباب أمام وساطة أميركية مباشرة لمعالجة ملفات الجبهات المختلفة، بما فيها الساحة اللبنانية، على قاعدة نتائج المواجهة الميدانية وليس وفق الشروط الإسرائيلية المعلنة.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات