ملخص
سمح كينغ لبيكس بقضاء سنة في أرشيفه، منكبة على مسودات أشهر رواياته، ومنها "مقبرة الحيوانات الأليفة" و"البريق" و"كاري". وكان غرض بيكس الأساس هو رصد ما تصفه بـ"السحر الكتبي لدى كينغ". أي السعى إلى سبر الطريقة التي يختار بها المفردات من أجل "إنتاج تأثيرات مادية في جسد القارئ. فكيف بالضبط يجعل القلوب تخفق بمزيد من السرعة، والبطون تنقبض، والأيدي تتعرق؟".
عما قريب، في ما أتصور، لن نقرأ الخبر الذي قرأناه مراراً عن شراء جامعة أو مكتبة كبيرة أو حتى بعض المقتنين أرشيف هذا الأديب أو ذاك، فيكون ذلك الأرشيف كنزاً ينكب عليه الباحثون ويخرجون منه في بعض الأحيان بأعمال مكتملة لم تنشر في حياة الكاتب، وفي أحيان أكثر بأصول ومسودات قد تختلف اختلافات جوهرية ودالة عن النسخ المنشورة. وإذا ما صدقت النبوءات الكريهة بقرب انتهاء عهد الكتب الورقية، فعما قريب لن يكتشف الباحثون في هوامش الكتب التي قرأها الكتاب تعليقات تكشف عن روابط أعمالهم الخاصة بما كانوا يتوقفون أمامه في كتب غيرهم. ولعلنا عما قريب نعدم أية فرصة لتكرار الملابسات التي سمحت بوجود حقيبة مثل حقيبة الشاعر البرتغالي الشهير فرناندو بيسوا، التي طالما استل الباحثون منها أعمالاً تلقفها بلهفة الناشرون والقراء في لغات العالم المختلفة. ولعل أرشيف كاتب لن يعدو عما قريب وحدة تخزين صغيرة بحجم إصبع اليد لا تحمل ملفاتها بصمات الإنسان الذي كتبها، ومواطئ الأقدام في تيه بحثه عن أفكاره، وآثار معاناته المضنية في المفاضلة بين مفردات كتاباته.
لعل الكتاب الذين يعيشون بيننا الآن إنما يؤسسون أجزاء مهمة من أراشيفهم عبر تفاعلهم البسيط من خلال حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، والرسائل الإلكترونية التي يكتبونها على عجل، وما ستحتفظ به تطبيقات التواصل من ابتساماتهم ودمعاتهم الإلكترونية. ولعل هذه البقايا على بساطتها تكون هي الأخرى ذات نفع، لكن أين هي من ورق مكتوب بخط اليد فيمكن استشفاف حال الكاتب النفسية منه، أو مطبوع على الآلة الكاتبة فيبهت بمرور الزمن واضعاً أجيال الباحثين أمام ألغاز يكدحون لحلها، ويختلفون على تفسيرها، ويوسعون بجهودهم تلك من ساحة لعبة الأدب، مضيفين بذلك أعماراً إلى كتاب انتهت أعمارهم بالفعل.
في حضرة معلم الرعب
غير أننا لم ننفصل بعد عن عهد الأرشيف التقليدي، فخلال الأيام الأخيرة صدر للأكاديمية الأميركية كارولين بيكس، المتخصصة في الدراسات الشكسبيرية، كتاب بعنوان "وحوش الأرشيف: سنة من الخوف مع سيتفن كينغ"، تروي فيه تفاصيل سنة قضتها في أرشيف كاتب روايات الرعب الأميركي الأشهر. وأعرف أية دهشة قد تنتاب قارئ هذه السطور، بل أي غضب، من متخصصة في الدراسات الشكسبيرية تهدر سنة كاملة في عالم ستيفن كينغ. ولعل الدهشة تتبدد، خلافاً للغضب، أمام حقيقة أن بيكس تشغل "كرسي ستيفن إي كينغ للأدب" بجامعة "مين" التي أطلق قسم اللغة الإنجليزية فيها اسم كاتب الرعب على ذلك الكرسي تكريماً لأشهر خريجيه.
كتبت بيكس عبر موقعها على الإنترنت أن "الكتاب يسرد السنة التي قضيتها في أرشيف كينغ أقرأ المسودات الأولى لأيقوناته الروائية، باحثة ومكتشفة ومحتفية بكيفية تلاعبه باللغة لإحداث التأثيرات المادية في ملايين القراء، إذ يقدم الكتاب رؤى لم تنشر من قبل لطريقة الكتابة عند معلم الرعب. لكنه يحكي أيضاً قصة مسلية وفريدة عن نمو أستاذة للأدب في مواجهة مخاوف طفولتها وتعرفها بالرجل المسؤول في المقام الأكبر عن تلك المخاوف".
كتبت كاثرين هيوز في استعراضها للكتاب ["ذي غارديان" – الـ30 من مارس (آذار) 2026] أن رؤساء كارولين بيكس طلبوا منها عند تعيينها في الكرسي الذي يحمل اسم كينغ "ألا تبادر بالاتصال بالكاتب الشهير بأية طريقة. ثم حدث بعد أربع سنوات من العمل أن تلقت بيكس اتصالاً هاتفياً من ستيف، فتبين أنه شخص شديد الدماثة. قالت ’لم أصدق نفسي. الرجل المسؤول عن رعب أجيال من القراء، وأنا منهم، كان شديد اللطف‘. ولم يكن اللقاء الذي جرى بينهما غرامياً، لكنه كان واعداً".
سمح كينغ لبيكس بقضاء سنة في أرشيفه، منكبة على مسودات أشهر رواياته، ومنها "مقبرة الحيوانات الأليفة" و"البريق" و"كاري". وكان غرض بيكس الأساس هو رصد ما تصفه بـ"السحر الكتبي لدى كينغ". أي أن تسعى إلى سبر الطريقة التي يختار بها المفردات من أجل "إنتاج تأثيرات مادية في جسد القارئ. فكيف بالضبط يجعل القلوب تخفق بمزيد من السرعة، والبطون تنقبض، والأيدي تتعرق؟".
"في كتابه الكلاسيكي الصادر عام 2000 بعنوان ’عن الكتابة‘ يصف ستيفن كينغ ما يفعله بأنه ’تفعيل التخاطر‘، وإذاً فإن ما تسعى إليه بيكس وتريده هو أن تعتقله متلبساً بممارسة هذا الفعل".
"يقع أرشيف كينغ ملحقاً ببيت في بانغور بولاية مين اشتراه هو وزوجته تابيثا عام 1980، ويعمل فيه متخصصان يعتنيان بأوراق عمله المفهرسة والمحفوظة في بيئة محكومة المناخ. يتألف الكم الأكبر من الأرشيف من مسودات كانت تطبعها زوجته على آلة كاتبة محمولة من طراز ’أوليفيتي‘. والميزة الهائلة هنا هي أن هذه المخطوطات الأولى اكتسبت ثراء إضافياً بما فيها من هوامش بخط اليد، وتحريرات نصية، ومراسلات متبادلة مع محرري الصياغة، قبل الوصول إلى المسودات النهائية".
"في رواية ’مقبرة الحيوانات‘ الصادرة لكينغ عام 1983 ويعتقد كثرٌ من محبيه أنها الأشد رعباً ضمن رواياته، وأنها يقيناً الأكثر كآبة على الإطلاق، تضع بيكس يدها على بعض التدخلات التحريرية. ففي بداية الرواية لحظة تتحول فيها أغصان شجرة متشابكة إلى كومة عظام متحركة". وفي مسودة مبكرة كتب كينغ يصف صوت تحرك عظام تلك الأصابع بكلمة clitter غير أن محرر الصياغة أحاط الكلمة بدائرة وسأل "أهي الكلمة المناسبة؟"، فرد كينغ قائلاً إن "الكلمة مناسبة. توحي بصوت شديد الخفوت، شبحي". وبقيت الكلمة في الرواية "بإيحاءاتها الأشد إفزاعاً من أية كلمة أخرى".
في المخطوطة نفسها، تعثر بيكس أيضاً على رفض الروائي محاولة من محرره لتغيير كلمة "rattly" بكلمة "congested" في وصف صعوبة التنفس التي تنتاب بطل الرواية غيج كريد البالغ من العمر سنتين عند احتضاره. أشار كينغ إلى أن الكلمة التي اختارها أوفق، لأنها "تحوي في ذاتها مجموعة كاملة من الدلالات التحتية المرعبة المرتبطة بالحشرات والأرواح القلقة في قيودها الجحيمية. أما الكلمة التي اقترحها المحرر فأنسب لتقرير طبيب شرعي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تشير كاثرين هيوز إلى أن مثل هذه القراءة المتعمقة معهودة غالباً في النقد ذي الطبيعة الأكاديمية "فقد يكون من الغريب أن نصادفها في كتاب موجه إلى قاعدة كينغ الجماهيرية. لكن بيكس تضفر هذا التحليل النصي بحكايات تستقيها من سيرة حياة كينغ" التي اقتربت منها عبر حواراتها المباشرة معه، أو من خلال ما تبادلته معه من مراسلات عبر البريد الإلكتروني. ومن تلك الحكايات مثلاً أنها "سألته عن السر في ضيق الهوامش الشديد في مسودات رواياته الأولى"، فأوضح أن ذلك "كان بهدف توفير الورق. ففي أوائل سبعينيات القرن الماضي كان كينغ وزوجته مفلسين، إذ كان يعمل معلماً في مدرسة ثانوية، فضلاً عن عمل إضافي في مغسلة ملابس، بينما كانت تابيثا زوجته تعمل في نوبات ليلية بدانكن دونتس. فكان الورق رفاهية".
وقد استمرت عادة الاقتصاد تلك مصاحبة لكينغ حتى بعدما تحقق له النجاح، إذ يحكي لبيكس عن واقعة أوشك فيها أن يفقد فيها "النسخة الوحيدة من مسودة روايته ’المنطقة الميتة‘"، حين وقعت في يد امرأة بالمطار أخطأت وأخذت حقيبة كينغ بدلاً من حقيبتها. يحكي كينغ أن "المخطوطة لم تسترد سالمة إلا بعد عملية إنقاذ شملت البلد كله. لكن لو أن هناك مبرراً لإنفاق المال على آلة تصوير مستندات أو في الأقل بعض أوراق الكربون فقد كان المبرر هو تلك الواقعة".
"استمر كينغ في اتباع نهج التوفير لأن الفتح الأدبي الذي تحقق له عام 1974 بروايته ’كاري‘ بدا وكأنه ضربة حظ غير قابلة للتكرار. وحتى ذلك الحين كان ينشر قصصاً قصيرة منذ ثماني سنوات، وكان أكمل ثلاث روايات لم تحقق نجاحاً. ولما حظيت رواية ’كاري‘ أخيراً بالقبول لدى أحد الناشرين ’وجاء ذلك الخبر من خلال برقية لأن حرارة الهاتف كانت مقطوعة‘ تمكن كينغ وزوجته من الانتقال إلى شقة بدلاً من سكنى المقطورة. وسرعان ما بيعت حقوق الطبعة الشعبية من الرواية بـ400 ألف دولار فكان ذلك كافياً لأن تترك روث - والدة كينغ التي تولت تربيته منفردة - وظيفتها ذات الراتب البسيط. وفي غضون عام من ذلك بيع من ’كاري‘ مليون نسخة، لكن روث كانت قد لقيت حتفها بسبب السرطان".
المصادفة الغريبة الأولى
توازن بيكس في كتابها بين الدراسة الدقيقة للنص، وتعقب الاختيارات اللغوية، وتوضيح دلالات المفردات الخفية، وكل تفاصيل "السحر" الرهيفة التي يؤثر بها الكاتب حتى في أجساد قرائه، وبين تيار من الحكايات السيرية المستقاة من حياة كينغ نفسه، فضلاً عن تيار سيري يخص حياتها هي نفسها، منذ أن ارتبطت في صباها بأعمال كينغ بحسب ما يشير استعراض "كيركوس رفيو" إذ ينقل عن بيكس قولها إن "جمعاً من شخصيات كينغ اجتاح خيالي واستوطنه منذ المراهقة". وهكذا، ابتداء بالفصل الأول في الكتاب، يظهر الجانب الشخصي بوضوح:
"في الليلة السابقة على رحلتي الأولى إلى الأرشيف، ولم أكن قد قررت بعد من أين أبدأ، فتحت رواية ’مقبرة الحيوانات الأليفة‘ في طبعة "دابلداي" ذات الغلاف المقوى التي اشتريتها للتو من متجر ضخم للسلع المستعملة يغص بالدمى القديمة المخيفة وأواني البصاق، فهو موقع مثالي لأن تدور فيه أحداث قصة من قصص كينغ. وهذه هي الطبعة نفسها التي قرأتها عام 1983، وأنا في الـ15 من العمر، حينما استعرتها من مكتبة "ويذرلي" التذكارية في كاستين.
قررت أنني لكي أغمس نفسي تماماً في هذا المشروع لا بد لي من الرجوع إلى تلك الأصول، لكي أستعيد جميع التجارب الحسية التي كانت جزءاً من لقاءاتي المرعبة الأولى بكتابة كينغ، أن أرى أغلفتها، وأشم صفحاتها، وأستشعر الثقل الفريد لكل كتاب منها. هكذا اندسست في فراشي ومعي ’مقبرة الحيوانات الأليفة‘ بغلاف هذه الطبعة الذي يحمل صورة قط شيطاني أخضر العينين".
تكتب بيكس "برجوعي إلى ’مقبرة الحيوانات الأليفة‘ في آخر الليل، بعد 40 عاماً من قراءتي الأولى لها، أمر بما سيكون المصادفة الغريبة الأولى لي كلما تقدمت في العمل. كنت قد نسيت أن لويس بطل الكتاب قد انتقل ’مثلي‘ بأسرته المؤلفة من أربعة أفراد إلى ريف ولاية مين قادمين من مدينة كبيرة لتولي وظيفة في جامعة ’أورونو‘. فهو رئيس قسم الخدمات الطبية الجديد. في مستشفى الطلبة يشهد لويس أولى حوادث العنف في الرواية، وهي وفاة فكتور باسكاو، الطالب الذي صدمته سيارة. لعل الحرم الجامعي بدا لي وأنا أقرأ الرواية عام 1983 أشبه بعالم أوز، أما الآن وقد بت موظفة في جامعة ’مين‘ فإنني أتعرف في وصف كينغ في فصول الرواية الأولى على المبنى الفعلي وكل ما يحيط به".
هكذا تقدم بيكس نفسها في الفصل الأول من كتابها لقراء كينغ، بوصفها مقيمة حيث تقيم شخصياته نفسها، لا محض قارئة أو أكاديمية بين يديها الرواية. ولعل ذلك الجانب السيري الخاص بحياة بيكس قادر بدرجة ما على مخاطبة قراء كينغ، ولو بالمقارنة مع تحليلات عميقة لرواياته قد لا تختلف كثيراً عن تحليلاتها لأعمال شكسبير. ففي مقالة كاثرين هيوز إشارة إلى كتاب لبيكس عنوانه "البنات والإدراك في عالم شكسبير" أثبتت فيه بيكس أن شكسبير أبدى اهتماماً كبيراً بالعوالم الداخلية لفتيات من أمثال جولييت وأوفيليا وكلتاهما على عتبة البلوغ. و"تذهب بيكس إلى أن شكسبير بعيد أشد البعد من النظر إلى البنات باعتبارهن شخصيات سلبية أو مريضة، بل إنه يجعل من عقولهن المراهقة محفزات لبعض أهم نقاشات مسرحياته للجسد والروح والإيمان والخلاص".
تقارن هيوز بين تناول بيكس لـ"البنات" في عالم شكسبير، وتناولها لشخصية "كاري" في رواية كينغ التي تتخذ اسمها عنواناً "تتناول بيكس رواية كاري التي تشتهر بقيامها على شخصية تلميذة يفاجئها الطمث في المرة الأولى بأن يطلق فيها انفجاراً عنيفاً ومفاجئاً يجعلها قادرة على تحريك الأشياء من بعد، بقوتها العقلية".
"تبدي بيكس اهتماماً كبيراً بالتغير بين مسودتين أساسيتين للرواية. ففي نسخة مبكرة، تتعرض كاري لتنمر قاسٍ بسبب عدم إدراكها نزول الطمث وتجد أن جسمها يتشيطن، فتظهر في جبهتها قرون وتستطيل جمجمتها إلى أن تصبح في النهاية شبيهة بسحلية عملاقة. ويكون انتقامها عنيفاً عنف قيام الساعة، إذ تطير في حي من بلدتها الصغيرة متسببة في دمار هائل، بل إنها تنجح في إسقاط طائرة ركاب (يقول كينغ لبيكس إنه بنى مسودته الأولى مستلهماً فيلماً رديئاً من إنتاج عام 1957 عنوانه ’مخ من كوكب آروس‘). وتقترب المسودة الثانية من النص كما ظهر في شكله النهائي، إذ يصبح وعي كاري ’مركز الجاذبية، وموقع التفاعلات العقلية الديناميكية الأساس مع الشخصيات الأخرى‘".
تكتب هيوز أن قراء كينغ المخلصين قد يضطرون إلى أن يمروا مرور الكرام على مثل هذه الفقرات ليصلوا إلى المقاطع السيرية الكاشفة لجوانب من حياة كينغ من قبيل مشكلته المبكرة مع معاقرة الخمر، أو حقيقة أنه كان يرى جاك نيكلسن اختياراً شديد السوء في تناول ستانلي كوبريك السينمائي لرواية "البريق". "أما القراء الذين يتحلون بالصبر على متابعة بيكس في استطراداتها المتعمقة في عالم كينغ الوحشي، فإن لهم في كتابها هذا كثيراً مما يمكن أن يمتعهم".
عنوان الكتاب: Monsters in the Archives: My Year of Fear with Stephen King
تأليف: Caroline Bicks
الناشر: Hogarth