Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رسامات إيرانيات يواجهن بالفن آليات القمع الديني

مشهديات بصرية تحتفي بالمكان والجسد والذاكرة الشخصية

لوحة للرسامة مريم سايدبور (صفحة الرسامة - فيسوبك)

ملخص

في صميم المشهد التشكيلي الإيراني الراهن تبرز الرسامات الإيرانيات بتجاربهن الرائدة، التي استطاعت أن تحول المنفى من جغرافيا للعزلة إلى فضاء للإبداع، وأن تجعل من الداخل مختبراً للمقاومة البصرية الساخرة.

تزدهر في الشرق الأوسط اليوم طليعة فنية إيرانية تتقدمها أصوات نسوية لامعة تكسر الصور النمطية وتعيد كتابة سردية الفن من المنافي ومن الداخل، فمنذ منتصف القرن الـ 20 وفي ظل تفاعل خصب مع التأثيرات الغربية، تشكلت في إيران بيئة ثقافية احتضنت الحداثة من دون أن تقطع صلتها بالجذور، بدءاً من مبادرات رائدة مثل "غاليري أبادانا" و"بينالي طهران" الذي افتتح عام 1958، وصولاً إلى بروز جيل جمع بين الحس التجريبي واستلهام التراث، وقد تجلى هذا التوازن في تجارب رواد مزجوا بين الأرض والشعر، وبين الرمزي واليومي، كما في جماعة "سقاخانه" التي أعادت توظيف المخزون الشعبي والخطي في لغة تشكيلية معاصرة. 

وثمة فنانات إيرانيات تركن بصمة عالمية لافتة من خلال أعمالهن المعاصرة التي تتناول أسئلة الهوية والذاكرة والسلطة، وتعيد مساءلة العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الجسد والرقابة، وبين الخاص والعام، في واحد من أكثر المشاهد الفنية حيوية وإثارة للجدل في العالم، فهو لا يكتفي بالاشتغال على الجماليات البصرية بل يتحول إلى وثيقة سياسية واجتماعية ونفسية، تروي قصة أمة تعيش تمزقاً مزمناً بين تاريخ عريق وحاضر مضطرب.

وعلى رغم الانقطاعات التي فرضتها التحولات السياسية منذ أواخر السبعينيات لكن هذا المسار لم ينطفئ، بل عاد ليتوهج خلال العقود الأخيرة عبر ممارسات فنية تمزج الحداثة بالتقاليد، وتستثمر قوة الخط والذاكرة البصرية في صياغات ذات طابع تعبيري كثيف، وفي هذا المشهد يبرز حضور الفن النسوي بوصفه قوة نقدية وجمالية في آن، إذ تتناول الفنانات الإيرانيات قضايا الهوية والجسد والسلطة برؤية دقيقة وجريئة، في تحويل معالم الصورة إلى مساحة مساءلة ومقاومة، وإلى جانبهن يواصل فنانون آخرون مقاربة مواضيع حساسة من الواقع الاجتماعي والسياسي، مما يمنح الفن الإيراني المعاصر عمقاً إنسانياً يوازن بين الشهادة الجمالية والوعي النقدي.

شيرين نشأت: أيقونة المنفى وشعرية الجسد

لا يمكن الحديث عن الفن الإيراني المعاصر من دون التوقف عند تجربة شيرين نشأت، إحدى أبرز الفنانات الإيرانيات عالمياً والتي تقيم في الولايات المتحدة الأميركية منذ عام 1975 حين غادرت إيران لمتابعة دراستها في "جامعة كاليفورنيا" للفنون في بيركلي قبل أن تستقر في نيويورك، فعقب الثورة الإسلامية وجدت نفسها في منفى قسري، حيث شكل هذا الانفصال صدمة ثقافية وهوياتية أصبحت منبعاً أساساً لمشروعها الفني، وعند عودتها لإيران عام 1990 واجهت واقعاً مغايراً، خصوصاً في ما يتعلق بوضع المرأة والحجاب الإلزامي، فأنجزت سلسلة "نساء الله" ذات البعد النقدي الحاد، غير أنها عجزت عن العمل بحرية داخل البلاد بسبب حساسية مواضيعها المرتبطة بالدين والسلطة والقمع.

اشتهرت نشأت بأعمالها في التصوير الفوتوغرافي والـ "فيديو آرت" وغالباً بالأبيض والأسود، حيث استكشفت ثنائيات الأنوثة والإسلام والشرق والغرب والجسد كساحة للصراع السياسي، وفي مجموعتها الشهيرة "نساء الله" استخدمت الخط الفارسي، من شعر كاتبات إيرانيات مثل فروغ فرخزاد، ليكسو الوجوه والأيدي، في مزيج يجمع بين رقة الكلمة وقسوة الواقع السياسي، وتحول الحجاب الى رمز مركب يجمع بين الحماية والقيود.

في أعمال الفيديو مثل "مضطرب" (1998) و"نشوة" (1999) تقيم نشأت مواجهة بصرية بين شاشتين، إحداهما لفضاء النساء الحميم والمنعزل، والأخرى لفضاء الرجال العام المضطرب، في رؤية متزامنة لعالمين منفصلين، وتتناول قضايا نساء من طبقات مهمشة في سياق الاضطراب السياسي والاغتراب النفسي، وترى أن المنفى على رغم قسوته منحها المسافة اللازمة لرؤية وطنها بوضوح، كما فتح لها مساحة للحرية والاعتراض، بعيداً من القمع والترهيب.

ولم تقف تجربتها عند حدود الإبهار البصري بل تحولت إلى ظاهرة فكرية استقطبت كبار النقاد، فقد رأى فيها الفيلسوف الأميركي آرثر دانتو "لغة كونية للصراع الإنساني"، فيما وجد المفكر إدوارد سعيد في أعمالها قدرة على "جعل اللامرئي مرئياً"، أما هانز أولريش أوبريست (المنظم العالمي) فاعتبرها فنانة "تُترجم الشعر الصوفي إلى صور معاصرة"، وتدفع المشاهد إلى مشاركة فكرية وجسدية تتجاوز التلقي السلبي.

الهندسة المقدسة والعلاقة بالمكان

تُعد منير فارمان فارمائيان مهندسة الضوء في الفن الإيراني، فبينما روت زميلاتها القصص عبر الصور والأفلام، شيدت هي صروحاً من الكريستال والمرايا لتقول إن الوطن، حتى لو تكسر إلى 1000 قطعة، يظل قادراً على منحنا صورة مبهرة إذا أعدنا تركيب شظاياه بإبداع، فخاضت غمار البحث عن الجوهر من خلال الهندسة المقدسة وفن المرايا المتكسرة، وعاشت عقوداً في منفاها النيويوركي متأثرة بجماعات الحداثة هناك، لكن قلبها ظل معلقاً بتفاصيل العمارة الفارسية.

ارتبطت فارمائيان بصداقات مع فنانين بارزين مثل أندي وارهول وفرانك ستيلا مما أضفى على أعمالها روح الـ "مينيماليزم" (التبسيطية) الأميركية ولكن بمواد شرقية خالصة، إذ إن مراياها لا تعكس الوجوه بقدر ما تعكس الزمن والمكان، وتدفع المشاهد إلى مواجهة ضوء منكسر يختزل جماليات الذاكرة المبعثرة، فدمجت في أسلوبها بين التجريد الغربي وفن "آینه كاري" (الفسيفساء الزجاجية الإيرانية التقليدية)، مستلهمة زخارف المساجد والقصور الإيرانية، لكنها أخرجتها من سياقها التقليدي لتصيغ منها منحوتات هندسية معاصرة تعبر عن تشظي الهوية في المنفى، وإعادة بنائها ضمن نظام بصري صارم.

أما براستو فروهر فهي فنانة تجهيز وتصوير رقمي تقيم في ألمانيا، وفي أسلوبها توظف الزخارف الفارسية وفنون الخط لكنها تعيد صياغتها بطريقة خادعة تكشف آليات القمع، إذ تبدو أعمالها من بعيد كحليّ زخرفية جميلة، لكنها تنكشف عن أدوات تعذيب أو أجساد مقيدة عند الاقتراب منها، وتعتمد في ثيماتها على نقد القمع السياسي وحقوق الإنسان في إيران، مستلهمة تجربة اغتيال والديها المعارضين السياسيين في طهران.

وكذلك تبرز تارا غودرزي، وهي فنانة أداء و"فيديو آرت"، بتركيزها على الفن البيئي حين تستخدم جسدها داخل الطبيعة لخلق لوحات حية تعبر عن القيود الاجتماعية، ومن أبرز ثيماتها "النسوية البيئية" و"الهجرة" و"البحث عن الجذور في أرض غريبة".

وفي تقاطع لافت مع تجربتها تبرز جوهر دشتي بأسلوبها في نقل صراع المنفى من ضيق الجسد إلى رحابة الطبيعة القاسية، ففي مجموعتها "عديمو الجنسية" تضع دشتي شخوصها وسط الصحارى والجبال محملين بمقتنياتهم المنزلية، في مشهد سريالي يجسد اللامنتمي، وهكذا تغدو الطبيعة مرآة للاغتراب حين يبدو الإنسان ضئيلاً وتائهاً، يحاول بناء بيت من الذاكرة في فضاء بلا حدود، ويشكل هذا التصوير المسرحي صوتاً بارزاً ضمن تجارب فنانات المنفى اللواتي أعدن صياغة مفهوم الوطن.

شادي غاديريان: مرآة الداخل الساخرة

على مقربة من التجربة التي أسستها شيرين نشأت في التصوير الفوتوغرافي، تبرز شادي غاديريان كصوت يتحدث من داخل طهران، إذ تمثل جيلاً اختار المواجهة البصرية من الداخل مستخدمة السخرية والفكاهة السوداء كأداة للمقاومة، وقد حققت مجموعتها "قاجار" شهرة عالمية واسعة أواخر التسعينيات حين قدمت صوراً لنساء يرتدين أزياء تعود لزمن السلالة القاجارية (1794 - 1925) المعروفة بقيودها الصارمة، مدموجة بأدوات حديثة عبارة عن جهاز ستيريو ومقلاة ومكنسة كهربائية، كرموز استفزازية تعكس التمزق بين إرث ثقيل وطموح معاصر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي سلسلة "مثل كل يوم" نرى بورتريهات لنساء يرتدين "تشادور" مزخرفاً بنقوش ملونة لكن وجوههن مستبدلة بأدوات منزلية، كصرخة احتجاج صامتة على اختزال هوية المرأة وحصرها في دورها المنزلي، أما في مجموعة "نيل نيل" فتتناول أثر الحرب في الحياة اليومية، إذ تضع أدوات حربية (قنبلة وقناع غاز وخوذة) وسط أشياء منزلية ناعمة، في إشارة إلى تسلل العنف إلى تفاصيل الحياة الخاصة لتسلب منها لذتها وجماليتها، وعلى رغم أنها لم تغادر إيران لكن أعمالها عُرضت في مؤسسات كبرى مثل "تيت مودرن" و"مركز بومبيدو" لما تتسم به من بساطة مشحونة بدلالات عميقة، حول الصدام الثقافي والتمزق الاجتماعي والنسوية الهادئة.

ما يميز هؤلاء الفنانات هو قدرتهن على تحويل التجربة الشخصية المؤلمة مثل النفي أو فقدان الوطن إلى لغة بصرية عالمية، مع الحفاظ على لمسة من التراث الفارسي الذي يعيدون تعريفه باستمرار بوصفه مادة حية لا تنفصل عن الحاضر، وفي هذا المعنى لا يصبح المنفى غياباً بل أفقاً للرؤية ومتنفساً للحرية، حين يتحول الفن إلى وطن بديل يبنى بالذاكرة والصورة والضوء.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة