ملخص
على رغم أن الصورة لا تزال غامضة الآن حول ما ستؤول إليه المفاوضات بين واشنطن وطهران التي ستبدأ أولى جلساتها في إسلام آباد يوم الجمعة، إلا أن فكرة الهيمنة على الطاقة طرحها الرئيس ترمب للمرة الأولى في خطاب انتخابي في عام 2016، حينها كانت الولايات المتحدة تنتقل من اقتصاد يعتمد على الطاقة إلى اقتصاد مستقل عنها.
في منشوراته التي أعقبت الاتفاق الهش على وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، بدا الرئيس ترمب متفائلاً بالمستقبل، إذ تحدث عن دور أميركي في تخفيف ازدحام مرور السفن عبر مضيق هرمز، وكسب كثير من المال والتفاوض حول تخفيف العقوبات عن إيران وقيامها بإعادة الإعمار وإمكان انطلاق عصر ذهبي للشرق الأوسط، وهي أفكار تتماشى مع استراتيجية ترمب التي تحدث عنها للمرة الأولى في عام 2016، وتتمثل بالسيطرة على أصول الطاقة، ونقاط الاختناق الاستراتيجية، والتدفق العالمي للطاقة، بالتوازي مع استخدام استقلال إنتاج الطاقة الأميركي كأداة جيوسياسية، فهل تنجح استراتيجية ترمب بعد السيطرة على نفط فنزويلا وتفاؤله بخطوات مماثلة مع إيران مع دور أكبر في مضيق هرمز، أم أن تفاؤل ترمب يحمل قدراً كبيراً من المبالغة؟
الهيمنة على الطاقة
حتى قبل أن تضع الحرب أوزارها، لم يخف الرئيس ترمب رغبته في سيطرة بلاده على الطاقة في إيران، فقد صرح بذلك علناً قبل الحرب وخلالها، وعاد بعد التوصل إلى اتفاق بوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين ريثما يتم الاتفاق على القضايا العالقة، ليكرر حديثه عن آفاق مستقبلية متفائلة تجلب أموالاً طائلة، وتلعب فيها الولايات المتحدة دوراً في مرور السفن عبر مضيق هرمز، وحيث يمكن رفع العقوبات عن إيران والبدء في عملية إعادة الإعمار، مبشراً بعصر ذهبي للشرق الأوسط.
وعلى رغم أن الصورة لا تزال غامضة الآن حول ما ستؤول إليه المفاوضات بين الجانبين التي ستبدأ أولى جلساتها في إسلام آباد يوم الجمعة، إلا أن فكرة الهيمنة على الطاقة طرحها ترمب للمرة الأولى في خطاب انتخابي عام 2016، حينها كانت الولايات المتحدة تنتقل من اقتصاد يعتمد على الطاقة إلى اقتصاد مستقل عنها، وبحلول نهاية ولايته الأولى، حققت أميركا هذا الاستقلال بفضل استخراج النفط الصخري بتقنية التكسير الهيدروليكي، ولهذا تصور ترمب استخدام هذا الاستقلال الجديد كأداة جيوسياسية، وأطلق على فكرته اسم "الهيمنة على الطاقة" مع أن تعريف المصطلح كان غامضاً دائماً.
مصدر للريادة الدولية
في ورقة بحثية نشرت العام الماضي، عرفت سارة فاكشوري، مؤسسة ورئيسة شركة الاستشارات في مجال الطاقة "إس في بي إنرجي إنترناشونال"، هذا المفهوم بأنه "رؤية لجعل الطاقة الأميركية مصدراً للاستقرار والتنافسية والريادة الدولية".
وكتبت فاكشوري في ورقة بحثية صادرة عن المجلس الأطلسي في واشنطن الشهر الماضي لتشرح أن هذا التعريف يتسع الآن، إذ يبدو أنه يشمل السيطرة على أصول الطاقة، ونقاط الاختناق الاستراتيجية، وتدفق الطاقة العالمية، كما تشمل هذه السيطرة المعادن الحيوية، إضافة إلى النفط والغاز.
من الواضح أن الأحداث الأخيرة للسياسة الخارجية الأميركية عززت هذا التفسير، ففي الأشهر الـ13 الأولى من ولايته الثانية، سعى الرئيس ترمب إلى السيطرة على جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك التي تتمتع بحكم ذاتي، نظراً إلى كونها غنية بالمعادن الحيوية، كما نجح في القبض على نيكولاس مادورو رئيس فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياط نفطي في العالم، وأقنع القيادة المتبقية هناك ببيع نفطها للولايات المتحدة، وفتح استثماراتها لشركات الطاقة الأميركية، ثم شن حرباً مع إسرائيل ضد إيران، ليس فقط لأنها تشكل خطراً أمنياً على منطقة الشرق الأوسط والعالم عبر برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية ووكلائها من الجماعات التي تصنف واشنطن معظمها كجماعات إرهابية، ولكن أيضاً لأن إيران كانت تبيع نفطها بأسعار مخفضة للصين التي تعد أكبر وأهم خصوم الولايات المتحدة، التي تنافسها على ريادة العالم.
اختبار استراتيجي ناجح
نجحت خطوة ترمب في فنزويلا، التي تضمنت اتفاقاً لتوريد 50 مليون برميل من النفط إلى الولايات المتحدة من الحكومة المتبقية في البلاد، بدلاً من تدفق نفطها إلى منافسي أميركا، مثل كوبا، ويبدو أن الإدارة الأميركية تأمل في فعل شيء مماثل مع إيران، حيث يقول دوغ بورغوم، وزير الداخلية الأميركي الذي يشرف على سياسات لوائح الطاقة، والوصول إلى الأراضي المخصصة لاستخراج النفط والمعادن الحيوية، إن الهيمنة على الطاقة تتمحور في الأصل حول توفير الطاقة بأسعار معقولة محلياً لدعم الاقتصاد الأميركي، والفوز في سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي.
لكن أحد أعضاء المجلس الوطني للطاقة الجديد الذي أنشأه ترمب، اعتبر في مؤتمر الطاقة الذي عقد الشهر الماضي في هيوستن أن الأمر يتعلق أيضاً بالقدرة على بيع الطاقة لأصدقاء أميركا وحلفائها، حتى لا يضطرون إلى الشراء من خصوم يمولون الحروب أو الإرهاب ضد الولايات المتحدة الأميركية.
مسار معقد مع إيران
لكن الحرب مع إيران لم تسر على هذا النحو حتى الآن في الأقل، إذ اغلقت طهران مضيق هرمز الاستراتيجي بصورة كبيرة طوال الحرب التي دامت نحو 40 يوماً، وأدى قصف الولايات المتحدة جزيرة خارك، وهي محطة التصدير الرئيسة لإيران، وقصف إسرائيل لأحد أكبر حقول الغاز الإيرانية خلال فترة الحرب، إلى زيادة أسعار النفط العالمية.
ظل الخلل الرئيس يكمن في أن الولايات المتحدة، وإن كانت بمنأى عن خطر انقطاع إمدادات النفط، إلا أنها ليست بمنأى عن الارتفاع الحاد في أسعار النفط، فنتيجة للحرب مع إيران، ارتفعت أسعار البنزين بصورة كبيرة بالنسبة إلى المستهلكين الأميركيين، وبلغ سعر غالون البنزين العادي الخالي من الرصاص، الذي كان 2.98 دولار عشية الحرب 4.14 دولار في الساعات التي سبقت إعلان التوصل لوقف إطلاق النار، وفقاً لجمعية السيارات الأميركية.
هذا الارتفاع الذي يقارب 40 في المئة أرهق المستهلكين قبل سبعة أشهر من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، التي تحسم فيها السيطرة السياسية عادة على مجلس النواب بصورة خاصة، وعلى رغم أن ارتفاع أسعار البنزين قد لا يؤثر وحده في نتائج الانتخابات، إلا أن اقتران هذا العامل بالحرب غير الشعبية ضد إيران وتباطؤ الاقتصاد، يثير قلق الجمهوريين الذين يخشون خسارة نفوذهم في الكونغرس الذي قد يمتد إلى مجلس الشيوخ أيضاً إذا طالت هذه الحرب أو فشلت المفاوضات المقبلة في التوصل إلى حلول ربما تؤدي إلى إعادة التوترات من جديد وإغلاق مضيق هرمز.
هيبة أميركا على المحك
كل هذا يضع ترمب في موقف لا يحسد عليه، إذ تهدف استراتيجيته للهيمنة على الطاقة إلى تعظيم إنتاج النفط والغاز والفحم والطاقة النووية لدفع عجلة النمو وتعزيز الأمن القومي، وإذا فشل في إجبار إيران على فتح مضيق هرمز، الذي يمر عبره خمس نفط العالم، قد تشكل هذه الخطوة ضربة قوية لهيبة أميركا، حتى لو استمر الاقتصاد الأميركي المستقل في مجال الطاقة في النمو.
وكما يقول روجر ديوان، نائب الرئيس الأول لشركة "ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي"، فإن أميركا في وضع مختلف عن أي مكان آخر في العالم بالنظر إلى وفرة الطاقة لديها، مما يمنح الولايات المتحدة مساحة واسعة للمناورة، ولكنه في الوقت نفسه، يجعلها غافلة بعض الشيء عما يحدث في بقية العالم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن ترمب لم يكن غافلاً عن هذا الأمر، فقد أدرك أن تصعيد الحرب أدى بالفعل إلى تراجع شعبيته منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من خمسة أسابيع، وواجهت فيه الدول التي تعتمد على الطاقة حالياً، مما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ سوق النفط العالمية، إذ تعتمد دول عدة، وخصوصاً في آسيا، اعتماداً كبيراً على نفط الشرق الأوسط، لدرجة أنها تواجه نقصاً حاداً في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز، بما في ذلك دول كبيرة ومتقدمة مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند.
ومع تصعيد ترمب خطاب الحرب وتهديده بمحو الحضارة وإعادة إيران للعصر الحجري، وافق النظام الإيراني على اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين وفتح مضيق هرمز، مما يعني أن الفوائد لن تقتصر على المستهلكين، بمن فيهم سائقو السيارات الأميركيون، وإنما ستكون هائلة في جميع أنحاء العالم.
رهان ترمب
راهن الرئيس ترمب على إمكان سيطرته على نفط إيران في أكثر من تصريح، لكن الفوز بهذا الرهان سيتوقف على مسار المفاوضات المقبلة، وما إذا كانت تصورات الرئيس الأميركي صائبة في شأن وجود قادة جدد في إيران الآن لديهم رؤى منفتحة على مستقبل أفضل لبلدهم والمنطقة، وهو أمر من الصعب التنبؤ به حالياً نظراً إلى استمرار التصريحات المتشددة التي تنطلق من إيران منذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بوساطة باكستان.
غير أنها لم تكن رهانات ترمب وحده، فقد صرح السيناتور الأميركي ديفيد ماكورميك في مؤتمر هيوستن بأن فنزويلا وإيران تمتلكان معاً نحو خمسة في المئة من إنتاج الطاقة اليومي حالياً، لكنهما تمتلكان معاً نحو 30 في المئة من احتياطات الطاقة العالمية، مشيراً إلى طموح كبير في الولايات المتحدة مع تحول هذه الدول إلى أنظمة أكثر ميلاً للغرب وقدرتها على استقطاب رؤوس الأموال الخاصة، "فإن ذلك سيكون رائعاً لسوق الطاقة ولأميركا".
ثروة ونفوذ
لا ينبع الاهتمام الاستراتيجي الأميركي بالطاقة في الشرق الأوسط من كونها تمثل ثروة ضخمة مربحة لشركات الإنتاج الأميركية، وإنما أيضاً لكونها تشكل نفوذاً عالمياً يمتد لعقود، فمنذ أول اكتشاف حديث للنفط في عام 1908 في موقع معروف غرب إيران، والتوسع السريع في استكشاف النفط والغاز في خمسينيات وستينيات القرن الـ20، شرق وغرب الخليج العربي، بات واضحاً أنه من غير المرجح أن توجد منطقة أخرى على وجه الأرض تتمتع بوفرة مماثلة.
على رغم اكتشاف مناطق أخرى غنية بكميات هائلة من النفط والغاز، مثل غرب سيبيريا في روسيا، وفي حوض بيرميان في الولايات المتحدة، لكن لا شيء يضاهي حجم الاحتياطات أو معدلات الإنتاج العالية للنفط والغاز في الخليج العربي، إذ لا يوجد مثيل لهذا الحجم في أي مكان آخر على وجه الأرض، براً أو بحراً، مما يؤكد "تفرد جيولوجيا البترول في منطقة الخليج"، كما يقول سكوت مونتغمري أستاذ الدراسات الدولية في جامعة واشنطن.
وتشير تقييمات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إلى أنه حتى بعد أكثر من قرن من التنقيب والإنتاج، لا تزال هناك كميات كبيرة من النفط والغاز غير مكتشفة في منطقة الخليج العربي، وفي تقرير صدر عام 2012 وشمل شبه الجزيرة العربية وجبال زاغروس في إيران، قدرت الهيئة وجود ما يصل إلى 86 مليار برميل من النفط، و336 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي في الصخور، إضافة إلى الكميات المكتشفة بالفعل، كما يمكن إنتاج مزيد من النفط والغاز باستخدام تقنيات الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي التي طورت في الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين.
ولهذا، يضع الرئيس دونالد ترمب وكبار مستشاريه في الإدارة الأميركية نصب أعينهم فرص تكرار نموذج فنزويلا في إيران بعد هذه الحرب، لكن الأمر سيعتمد على مدى حدوث تحول في موقف أصحاب القرار في طهران، وما إذا كانت لديهم نيات حقيقية في تقييم واقعي لنتيجة الحرب، ومدى رغبتهم في تحسين حياة الشعب الإيراني في المستقبل.