ملخص
يرى محللون أن التصعيد الإيراني واستهداف منشآت الطاقة في الخليج يضغطان على قطاع الطيران العالمي عبر تهديد إمدادات وقود الطائرات ورفع كلفه، من دون الوصول إلى شلل كامل في الحركة الجوية.
أدت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى اضطراب سلاسل الإمداد، مما أدى إلى احتجاز كميات من النفط في الشرق الأوسط وارتفاع الأسعار لأكثر من 100 دولار للبرميل، ونتيجة لذلك قفزت أسعار وقود الطائرات إلى نحو 195 دولاراً بنهاية مارس(آذار) الماضي، بزيادة تقارب 100 دولار منذ بداية الحرب.
ومع استمرار الصراع يزداد نقص الوقود حدة خصوصاً في الدول التي تعتمد على الاستيراد، قد وحذّر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول من أن خسائر إمدادات النفط خلال أبريل (نيسان) الجاري قد تتضاعف مقارنة بالشهر السابق له، مشيراً إلى أن ذلك سيؤدي إلى تفاقم نقص وقود الطائرات والديزل على مستوى العالم، مضيفاً أن الأزمة بدأت بالظهور في آسيا ومن المتوقع أن تمتد إلى أوروبا خلال الشهر الجاري أو مايو (أيار) المقبل.
وقال كبير محللي سوق النفط في شركة "سبارتا كوموديتيز" جون جوه في منشور على "أكس" إن وقود الطائرات يتطلب تخزيناً متخصصاً مما يعني تخزين كمية أقل مقارنة بالمنتجات الأخرى مثل البنزين، وقد أجبرت الحرب في الشرق الأوسط عدداً من شركات الطيران على تعديل أسعارها، سواء عبر رفع أسعار التذاكر أو رسوم الأمتعة، وذلك في ظل اعتماد أوروبا بصورة كبيرة على وقود الطائرات القادم عبر مضيق هرمز الذي يواجه اضطرابات حادة، وحول ذلك سألت "اندبندنت عربية" مجموعة من المتخصصين والمحللين عن تداعيات أزمة الطاقة على أسعار وقود الطائرات وما تعنيه تلك الأزمة لقطاع الطيران بصورة عامة.
تداعيات حساسة على قطاع الطيران العالمي
يقول الكاتب والباحث في العلاقات الدولية أحمد الشهري إن "استهداف مصافي النفط في منطقة الخليج يحمل تداعيات حساسة على قطاع الطيران العالمي"، مستدركاً "لكن الحديث عن شلل كامل يظل مبالغاً فيه"، موضحاً أن "التأثير الواقعي يكون تدريجياً ومركباً، ويعتمد على حجم الضربات ومدتها وقدرة الأسواق على التعويض"، ومضيفاً "أن الخليج يعد مركزاً رئيساً لإنتاج وتصدير وقود الطائرات، وأي تعطل في المصافي سيؤدي مباشرة إلى نقص في الإمدادات وارتفاع حاد في الأسعار، وهذا الارتفاع يضغط على شركات الطيران، إذ يشكل الوقود أحد أكبر بنود كلفتها التشغيلية، مما يدفعها إلى رفع أسعار التذاكر أو تقليص عدد الرحلات".
وتابع الشهري أن "مسألة مضيق هرمز بالغة الأهمية، إذ يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب في حركة الملاحة هناك لا يؤثر في الإمدادات المباشرة وحسب بل يرفع أيضاً كلفة التأمين والشحن، ويُحدث حالاً من عدم اليقين في الأسواق، وهو ما ينعكس سريعاً على قطاع الطيران، وعلى رغم أهمية دول الخليج كمورد رئيس لوقود الطائرات فإن السوق العالمية ليست مغلقة وهناك طاقات إنتاجية في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا يمكن أن تعوض جزءاً من النقص، لكن هذا التعويض يحتاج إلى وقت وكُلف أعلى مما يعني أن الأزمة تظهر في صورة أزمة أسعار أكثر من كونها أزمة توافر مطلق".
أما على المدى المتوسط فيرى الشهري أن "استمرار التوترات يفرض تحديات أوسع على قطاع الطيران تتمثل في تراجع الطلب على السفر وخصوصاً في المناطق القريبة من النزاع، وتغيّر مسارات الرحلات لتجنب مناطق الخطر مما يزيد زمن الرحلات واستهلاك الوقود، إضافة إلى ارتفاع كلفة التشغيل والتأمين، وكذلك احتمال تسجيل خسائر مالية لدى بعض شركات الطيران وبخاصة ذات الهوامش الربحية الضعيفة"، ليخلص إلى أن قطاع الطيران العالمي مرن وقادر على التكيف، لكنه شديد الحساسية لأسعار الطاقة ولذلك فإن التأثير الأرجح لأي تصعيد في الخليج هو ارتفاع الكلفة واضطراب العمليات وليس توقف الطيران العالمي.
سيناريو حرب تشل حركة الطيران مستبعد
أما عضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد "تشارترد" للأوراق المالية والاستثمار وضاح الطه فقال إن "استهداف مصافي النفط في الخليج قد يؤدي إلى انخفاض تجهيز وقود الطائرات، وبالتالي التأثير في حركة النقل الجوي للمسافرين حول العالم"، موضحاً "أن هذا السيناريو يرتبط بتحقق حرب شاملة أو توسيع نطاق النزاع بين الطرفين الأميركي والإيراني".
وأضاف الطه أن "إيران تستهدف دول الخليج في محاولة لإشراكها في الصراع وإظهار نفسها كضحية للحصول على تأييد دولي لكن حتى الآن لم يتحقق هذا السيناريو الشامل، وباعتقادي فإن احتمال استهداف المصافي وإحداث شبه شلل لحركة السفر الجوي حول العالم تبقى محدودة، مع الإشارة إلى أن هذا الخيار لا يزال مفتوحاً"، مشيراً إلى أن "جميع الأطراف، بما فيها المتحاربة، لن توسع نطاق الحرب إلا في حال التحدي أو التصعيد الكبير، وعليه فإن هذا الاحتمال لا يزال محدوداً بحسب تقييمنا الحالي، والاحتمال الأقرب حالياً هو غلق فوري لبعض المجالات الجوية في دول الخليج والعراق بسبب كثافة حركة الصواريخ والطائرات المسيّرة"، متوقعاً أن تتضح الصورة خلال الأيام المقبلة، لكنه شدد على أن احتمال حدوث سيناريو أشمل لا يزال محدوداً في ظل الوضع الراهن.
حرب الخليج الرابعة
ويرى المحلل البحريني في العلاقات الاقتصادية الدولية الدكتور محمد الصياد فيرى أن "السؤال تقني لجهة استهدافه معرفة ما سيكون عليه الطيران العالمي جراء الحرب المندلعة في الإقليم، مع أن الأصل هو الأضرار الجسيمة التي لحقت بمنشآت الطاقة في بلداننا الخليجية وبنيتها التحتية، فهذا هو الموضوع الأصلي، أما ما سيصيب قطاع الطيران العالمي وسواه فهو موضوع فرعي لا يتقدم بالتأكيد على أولوية سرعة التعامل مع الأضرار التي لحقت بقطاع الطاقة في بلداننا"، مضيفاً أنه "حتى مطلع أبريل الجاري تضررت أو خرجت عن الخدمة كثير من مصافي النفط ومنشآت الطاقة الرئيسة في السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت نتيجة الهجمات الإيرانية، وشمل ذلك مصفاة رأس تنورة (550 ألف برميل يومياً) في المنطقة الشرقية، ومصفاة سامرف (SAMREF) في ينبع (400 ألف برميل يومياً) في السعودية، ومصفاة الرويس في الإمارات (837 ألف برميل يومياً)، ومصفاة بابكو في البحرين، ومصفاة ميناء الأحمدي (346 ألف برميل يومياً) ومصفاة ميناء عبدالله (460 ألف برميل يومياً) ومصفاة الزور (615 ألف برميل يومياً) في دولة الكويت، علماً أن مصفاة الزور مصممة لإنتاج وقود طائرات عالي الجودة، ومصفاتا الأحمدي وميناء عبدالله تنتجان منتجات بترولية من بينها وقود الطائرات، ومصفاة بابكو في البحرين حديثة وبطاقة تكريرية تصل إلى 400 ألف برميل يومياً، وتنتج منتجات ذات قيمة مضافة من بينها وقود الطائرات".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف الصياد أن "هذه المنشآت النفطية أصيبت بأعطال متباينة اضطرتها إلى تعليق عملياتها اضطرارياً لبنود القوة القاهرة، ولسنا بحاجة إلى تهويلات وتقييمات الآخرين، فنحن على علم بالتحديات التي نواجهها وسنتغلب عليها بسرعة وستخيب ظنون وتكهنات بعض من أفرط في تهويل الوضع على نحو لا يمت لرصانة التحليل الاقتصادي بصلة".
وختم الصياد بالقول "كما كان الحال إبان جائحة كورونا، العالم أجمع وليس بلداننا العربية الخليجية وحدها التي دوهمت فجأة من جديد بأزمة أخرى أكثر جسامة على الاقتصادات الوطنية والاقتصاد العالمي ككل من كل الأزمات التي عرفها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وهذه حرب الخليج الرابعة، فقد عرفت منطقة الخليج العربي ثلاث حروب كبرى".
قطاع الطيران من بين الأكثر تأثراً بتوقف المصافي
من جانبه قال محلل الأسواق العالمية أحمد حسن كرم "لقد بات واضحاً للجميع أن ما تفعله إيران حالياً بالدول الخليجية يُعد أمراً خطراً من خلال معاملتها لهم كأعداء واستهداف مصالحهم ومنشآتهم النفطية بصورة عدوانية، إضافة إلى إغلاق مضيق هرمز، مما يجعل العالم بأجمعه يعيش حالاً من القلق في شأن استمرار تدفق النفط والمشتقات البترولية"، موضحاً أن "الضربات الإيرانية السافرة للمصافي البترولية في الدول الخليجية بالصواريخ والمسيّرات سيكون لها آثار حتمية، ولن يكون من الممكن تحديد حجم الخسائر أو الوقت اللازم لعودتها للعمل إلا بعد انتهاء الحرب"، مشيراً إلى أن من بين أكثر القطاعات تأثراً بتوقف المصافي قطاع الطيران، إذ يواجه العالم نقصاً في وقود الطائرات مما يسهم في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران وخدماته، وربما يؤدي إلى إيقاف بعض الطائرات عن العمل أو تقليص الوجهات الأقل طلباً لتوفير الوقود.
وأوضح كرم أنه في حال جرى تعويض هذا النقص من قبل دول أخرى تمتلك مصافي قادرة على إنتاج وقود الطائرات إلى حين عودة المصافي الخليجية لكامل طاقتها التشغيلية فمن المتوقع أن تعود الأسعار لمستوياتها السابقة.
اللجوء إلى التحوط في أسعار الوقود
المحلل المالي حسن الريس أوضح أن العالم يشهد خلال الأعوام الأخيرة تزايداً في التوترات الجيوسياسية، وبخاصة في منطقة الخليج التي تُعد من أهم مناطق إنتاج وتصدير الطاقة عالمياً، مشيراً إلى أنه من بين المخاوف المطروحة تأثير أية ضربات أو اضطرابات تستهدف مصافي النفط أو منشآت الطاقة في قطاع الطيران الذي يعتمد بصورة أساسية على وقود الطائرات كمكون رئيس في الكًلف التشغيلية، مؤكداً أن الكويت تُعد من أبرز موردي وقود الطائرات على مستوى العالم وتؤدي دوراً محورياً في استقرار الإمدادات العالمية، وفي حال تعرضت هذه المنشآت لأي تعطيل فإن ذلك قد يؤدي إلى نقص في المعروض من الوقود مما ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية، مضيفاً "لكن من المهم الإشارة إلى أن هذه الاضطرابات وعلى رغم خطورتها لا تؤدي إلى شلّ كامل لقطاع الطيران العالمي نظراً إلى اعتماد الشركات على مصادر عدة ومتنوعة للوقود مع وجود احتياطات إستراتيجية في كثير من الدول، إلا أن التأثير الأكبر يظهر من خلال ارتفاع أسعار الوقود عالمياً مما يؤدي إلى زيادة أسعار تذاكر السفر".
وتابع الريس أنه "في هذا السياق تلجأ كثير من شركات الطيران الكبرى إلى ما يُعرف بالتحوط في أسعار الوقود، وهي إستراتيجية مالية تهدف إلى تثبيت كلفة الوقود أو الحد من تقلباتها في المستقبل، ومن خلال هذه الآلية تقوم الشركات بعقد اتفاقات لشراء الوقود بأسعار محددة مسبقاً مما يساعدها في حماية نفسها من الارتفاعات المفاجئة وتقليل الأخطار المالية، وكذلك تسعى شركات الطيران إلى تجنب التحليق في المناطق الجوية عالية الأخطار، حيث تجري إعادة توجيه الرحلات الجوية بعيداً من مناطق التوتر أو الصراعات".
وعلى رغم أن هذا الإجراء يعزز سلامة الرحلات إلا أنه قد يؤدي إلى زيادة استهلاك الوقود وطول مدة الرحلة إضافة إلى ارتفاع كلفة التأمين، إذ تُفرض أقساط أعلى عند التحليق في مناطق تصنف بأنها خطرة، وأيضاً تسهم الاضطرابات الجيوسياسية في ارتفاع كلفة التأمين على شركات الطيران نتيجة زيادة تقييم الأخطار مما يؤدي إلى ارتفاع إجمال الكلفة التشغيلية، وغالباً ما يجري تمرير هذه الكلفة الإضافية إلى المسافرين من خلال تعديل أسعار التذاكر، وهو ما ينعكس مباشرة على كلفة السفر النهائية، بحسب الريس، الذي قال إن "هذا النوع من الأزمات يمكن أن يؤدي أيضاً إلى تأثير مباشر في أسعار التذاكر على المدى القصير، إذ تميل الأسعار إلى الارتفاع نتيجة زيادة الكلفة التشغيلية".
يذكر أن شركات الطيران تعمل على إدارة الكفاءة التشغيلية بدقة عبر تطبيق سياسات تسعير تعتمد أولوية البيع، إذ تُباع المقاعد في الدرجات الأعلى مثل الأولى ودرجة رجال الأعمال أولاً بأسعار أعلى قبل طرح باقي المقاعد بأسعار تنافسية، مما يساعد في تحقيق توازن بين زيادة الإيرادات وضمان امتلاء الرحلات.