Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العطارة في غزة... مهنة تزدهر رغم الحرب والحصار

الدكاكين تحولت إلى مستشفيات مصغرة وعلاج المرضى بالأعشاب ينتشر لعدم وجود أدوية في القطاع

وقف إطلاق النار لم يحقق الانفراجة الطبية المطلوبة مما يضطر السكان إلى البحث عن بدائل بدائية (أ ف ب)

ملخص

الغزي الذي يطحن قشر الرمان لعلاج معدته، أو يغلي ورق الزيتون لضبط سكره، لا يفعل ذلك ترفاً، إذ واقع الدواء في غزة لا يزال يراوح مكانه بين الانهيار والاستنزاف، على رغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، فالهدنة لم تعن تدفقاً حراً للدواء، بل بقيت الإمدادات تخضع لقيود إسرائيلية، مما جعل الصيدلية في غزة مكاناً لبيع الأمل المقطوع أكثر من العلاج، وبلغة الأرقام مخزون العلاج يقترب من الصفر، بحسب بيانات منظمة الصحة العالمية فإن نقص الأدوية الأساسية وصل إلى نحو 52 في المئة، والعجز في المستلزمات يتجاوز 65 في المئة.

تحت سقف خيمة مهترئة في غزة، يخوض الطفل سعد (9 سنوات) حرباً ضد جسده الذي استحال ناراً لا تنطفئ، وينتشر على جسمه نقاط حمراء صغيرة ظننتها أمه في البداية مجرد حساسية من معلبات اللانشون أو أنها نتيجة قلة الاستحمام.

مع حلول الليل، بات سعد يحك جلده بأظافره الصغيرة حتى يدمي، ويبكي بصوت مكتوم ويهمس "أمي، أشعر وكأن شيئاً يمشي تحت جلدي، نار تحرقني"، ظل على هذه الحال طوال الليل يئن، وفي الصباح حملته أمه وهرعت به إلى النقطة الطبية القريبة.

هناك، كان المشهد يفوق الوصف، إذ ينتظر مئات الجرحى والمبتورين، وبينهم يقف سعد وأمه هالة، بسرعة نظر إليها الممرض المنهك للحظة، وقال بجفاف فرضه العجز "هذا جرب سكابيوس، لا مراهم لدينا ولا بنادول".

تملكت الأم خيبة لا مثيل لها، وعندما سمع سعد أن لا علاج يشافي وجعه، شعر جسده يزداد اشتعالاً، وعادت أدراجها لخيمتها التي كانت رائحة الرطوبة تنتشر منها في أرجاء المكان، والطفل بدا شاحباً كأنه شبح.

يد العطار الخشنة

بعد تفكير طويل، وأثناء وجود الأم هالة مع ابنها في السوق الشعبية، قررت زيارة دكان تراثي قديم سقفه على شكل قبة وجدرانه مشيدة من الحجارة البلدية القديمة، على مدخله تنتشر أكياس من الهيل والزعتر وأوراق الزيتون وعلى الباب لافتة معلقة مكتوب عليها "عطار داوود".

مضطرة ذهبت الأم هالة إلى دكان العطار الذي يفوح برائحة الكبريت النفاذة التي تسيطر على المكان، إذ يأست من زيارة الصيدليات خاوية الرفوف، وهناك عرضت صغيرها على العم داوود أملاً في علاج شعبي يشفيه.

وضع العطار يده الخشنة على جبهة سعد، ثم نظر إلى أنفاق الجرب المحفورة بين أصابعه بعينه المجردة، لم يسأل عن تقارير طبية ولا فحوص مخبرية، بل قال بيقين "هذا الجرب أكل لحم الولد يا أختي".

خلط العلاج

انحنى العطار نحو كيس خيش قديم، وغرف منه حفنة من الكبريت الأصفر المطحون ناعماً كالطحين، ارتفع غبار أصفر خفيف في الهواء، علق في حزمة ضوء شمس مكسورة تسللت عبر ثقب في السقف.

بيده الخبيرة مزج العطار الكبريت بفازلين خام وقطرات من زيت المر، وحرك الخليط بملعقة خشبية حتى صار دهاناً ثقيلاً، وخاطب الأم هالة "ادهني جسده كله، واتركيه ينام بالخارج ليتعرض للهواء، غداً سيموت السوس ويبدأ الجلد بالتنفس".

مرت الليلة الأولى بصعوبة عانى سعد لسعة الكبريت، لكن في الصباح، نام سعد ثلاث ساعات متواصلة بلا حرارة في جسده، وماتت النار التي كانت تأكل جلده، تقول الأم هالة "ينظر للعطار في الوعي الغزي أنه الحكيم الذي يمتلك مفاتيح الشفاء من نباتات البيئة، في وقت انهارت فيه المؤسسات الطبية وتضررت المستشفيات".

إرث في مواجهة الحصار

يمثل العطار في مخيمات النزوح رجل الثقة الذي لم يغادر في أحلك الظروف، إذ عندما منعت إسرائيل الدواء الكيماوي استخرج العلاج من المرمية والزعتر والبابونج، وليس من محض الصدفة ذهبت إليه هالة، حيث الطب الشعبي إرث ثقافي يركن الغزيون إليه في مواجهة الحصار.

في الواقع، الغزي الذي يطحن قشر الرمان لعلاج معدته، أو يغلي ورق الزيتون لضبط سكره، لا يفعل ذلك ترفاً، إذ واقع الدواء في غزة لا يزال يراوح مكانه بين الانهيار والاستنزاف على رغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.

الهدنة لم تعن تدفقاً حراً للدواء، بل بقيت الإمدادات تخضع لقيود إسرائيلية مما جعل الصيدلية في غزة مكاناً لبيع الأمل المقطوع أكثر من العلاج، بلغة الأرقام، مخزون العلاج يقترب من الصفر، بحسب بيانات منظمة الصحة العالمية فإن نقص الأدوية الأساسية وصل إلى نحو 52 في المئة، والعجز في المستلزمات يتجاوز 65 في المئة.

يقول مدير دائرة الصيدلة بوزارة الصحة أشرف أبو مهادي "تتجاوز الأزمة مجرد نقص في الإمدادات لتصبح تهديداً وجودياً لآلاف المرضى، إسرائيل لا تسمح إلا بدخول نسب محدودة لا تتجاوز 10 في المئة من الاحتياجات الطبية الملحة".

ويضيف أبو مهادي "وقف إطلاق النار لم يحقق الانفراجة الطبية المطلوبة، بل تحول المنع إلى بيروقراطية معقدة تقتل المرضى، مما يضطر السكان إلى البحث عن بدائل بدائية جداً للبقاء على قيد الحياة، الاعتماد على بدائل غير طبية هو نتيجة طبيعية لفقدان الأمل في وصول الإمدادات عبر المعابر".

تتذرع إسرائيل بسياسات مركبة مثل الاستخدام المزدوج وعدم شفافية التوزيع، يقول منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية يورام هليفي "كثير من المستلزمات الطبية يمكن تحويلها لاستخدامات عسكرية من الفصائل المسلحة، لكن في الواقع لا توجد قيود على كمية المساعدات الطبية والغذائية التي تدخل غزة، المشكلة تكمن في قدرة المنظمات الدولية على التوزيع والاستلام داخل القطاع، إن الفحص الدقيق ضروري لمنع ’حماس‘ من تحويل المعدات الطبية لاستخدامات عسكرية وبناء الأنفاق".

رفوف الصيدليات خاوية

فرضت الحرب واقعاً مريراً، بعد جفاف رفوف الصيدليات من أدوية الضغط والسكري ومضادات الالتهاب، ورفع المستشفيات الراية البيضاء مجبرة أمام نضوب المحاليل، يظل باب العطار موارباً يقدم ما هو أبعد من مجرد منقوع.

أمام رفوف الصيدلية الخاوية، يرتجف صوت الصيدلي وهو يحدث أدهم "انقطع هذا الدواء تماماً، ولا بديل"، في هذه اللحظة ينقطع حبل الأمان الحيوي الذي يربط مريض السكري بالحياة المستقرة، على الفور تتسارع نبضات قلب أدهم وطنين الأذن يبدأ، حينها يدرك المريض أن جسده أصبح مكشوفاً أمام مضاعفات قد تؤدي لغيبوبة في أية لحظة.

هنا تنتهي الرفاهية الطبية وتبدأ الرحلة العكسية بتغيير لغة الطب، يتخلى المريض عن فكرة وحدات القياس الدقيقة، ويطرق باب العطار سائلاً "ما الذي يحرق السكر في الدم"، من خلف طاولة خشبية متهالكة، لا يرتدي العطار عادل معطفاً أبيض، لكن نظراته وحرصه يمنحانه هيبة حكيم يحمل في جعبته الحل، يرد "القرفة وبذور الخلبة وحب الرشاد".

أمل ممزوج بعشبة

في دكان الخيميائي عادل لا يباع الدواء بالوزن فحسب، بل يباع الأمل الممزوج بالعشبة، يبدأ في تجهيز الخريطة البديلة للمنظومة الدوائية المنهارة، يقول "الانتقال من الحبة الكيماوية المدروسة إلى العشبة البرية انعكاس لتراجع الحضارة الطبية قسراً في غزة، إنها لحظة قاسية يواجه فيها الإنسان بدائيته الصحية مرغماً، إذ يصبح الفرق بين الحياة والموت معلقاً بمدى قدرة منقوع عشبة على القيام بمعجزة طبية".

هذا التحول ليس ترفاً أو عودة اختيارية للتراث، بل هو طب الضرورة، يضيف الخيميائي عادل "لم يعد الأمر مجرد وصفة جدتي أو تداو بالأعشاب بل تحول إلى نظام صحي قسري، يمارسه عطارون لسد فجوة عجزت عنها أعتى المستشفيات، هذا الواقع يثبت أن الطب البديل في غزة هو سياسة بقاء، وصرخة صامتة أمام العالم".

ليس عشوائياً تصبح الخلطة العشبية هي الفاصل الوحيد بين الألم والبقاء، الخيميائي عادل يشخص المريض شفهياً ممارساً دور الطبيب والصيدلاني، وعنده يبدأ بروتوكول التشخيص بالاستقصاء الشفهي يستمع طويلاً يسأل "متى بدأ الألم، وهل يزداد ليلاً وكيف تبدو حركة أمعائك؟".

ملف ذهني

يقوم العطار ببناء ملف ذهني للمريض، يوضح عادل أنه يستدل على فقر الدم الحاد الناتج من نقص الغذاء عن طريق اصفرار العين، ويطلب من المريض إخراج لسانه، فالبياض الزائد يعني التهابات فطرية أو مشكلات هضمية، والجفاف الشديد يدل على النزلات المعوية، وباليد يجس النبض باليد ليعطيه مؤشراً أولياً على حالة القلب أو وجود حمى داخلية تتطلب أعشاباً مبردة.

 

 

بعد التشخيص البدائي، ينتقل العطار لمرحلة تحضير العلاج يخلط عادل الأعشاب بناء على خبرته المتوارثة، الآن لا يبيع التوابل، بل يمارس التركيب الصيدلاني، كغسول للعيون الملتهبة بسبب الغبار والدخان، يستخدم مغلي الشاي المر أو البابونج المصفى بدقة، في ظل انعدام القطرات المعقمة.

أما بديل المضاد الحيوي فإنه يصف القسط الهندي العشبة المعروفة بقوتها في محاربة البكتيريا طبيعياً، لمريض السكري الذي فقد الأنسولين، تتحول جرعات محددة من بذور الخردل والحلبة إلى علاج مع تحذيرات شفهية تشبه الروشتة حول كيفية غليها وشربها.

خط الدفاع الأخير

في هذه المرحلة، تظهر مهارة الصيدلي الشعبي في خلط المواد وتحويلها من أعشاب جافة إلى هيئة دوائية، لا يصرف الخيميائي عادل الأعشاب بعشوائية، بل يقول للمريض "مقدار ملعقة صغيرة على كأس ماء، وكسرة صغيرة بحجم حبة الحمص، لضمان عدم حدوث تسمم عشبي، خصوصاً للأطفال".

أصبح العطار الطبيب المتاح لا يحتاج إلى موعد، ولا يتطلب تحويلة طبية وكلفة علاجه تناسب جيوب النازحين، وحول واقع غزة الخيميائي من بائع أعشاب إلى منقذ يقدم حلولاً ملموسة لمشكلات عجزت عنها السياسة.

عندما تحول الطب الشعبي في غزة إلى خط الدفاع الأخير، بات العطار اليوم يلعب دوراً يتجاوز مهنته، وأصبح حكيم ترميم للأجساد المحطمة يبيع خلطات تصنع من بقايا أعشاب وبقايا خبرة كتب قديمة وفائض الأمل، ووراء عمله قصص تثبت أن غبار الأعشاب العالق في الهواء يرفض أن يستسلم لواقع الرفوف الفارغة في الصيدليات.

ما هي دوافع السكان للطب الشعبي؟

صحيح أن الطب الشعبي يمنح فرصة 10 في المئة للشفاء أو في الأقل تسكين الألم، لكن وراء هذه المخاطرة أسباب كثيرة، إذ خلف كل باب يطرقه مريض ليدخل دكان العطار في غزة توجد قصة اضطرار مريرة.

يقول الباحث الطبي عمرو الحطاب "في ظل الحصار الخانق والحرب التي طاولت حتى حبة المسكن البسيطة، أدى الاختفاء التام للأدوية الكيماوية لدفع السكان للطب العربي، ويشكل القرب الجغرافي وسهولة الوصول له بعد تدمير المستشفيات المركزية وصعوبة التنقل بين المدن عاملاً مساعداً في توجه الناس للخيارات البدائية".

يضيف الحطاب بأنه "ليس سذاجة أو جهلاً بالطب الحديث يصدق المريض في غزة العطار الطبيب، بل لأن العلاقة بينهما تأسست على أنقاض منظومة خذلته، في اللحظة التي تنفد فيها الحبوب الكيماوية يتحول العطار من بائع أعشاب إلى صاحب الحل الممكن".

بحسب الحطاب فإن أكبر عدو للمريض هو الشعور بالعجز التام، عندما يذهب للمستشفى ويقال له "لا يوجد دواء" يشعر بالموت البطيء، وحينها لماذا يصدق العطار الذي يمنحه خطة عمل (اغل هذه، اشرب تلك، ادهن بهذا)، هذه الحركة تمنح المريض شعوراً بالسيطرة على مرضه مجدداً، وهو وقود نفسي قوي للشفاء".

يتابع حطاب "في علم النفس، عندما ينهار النظام المعتاد الطب الكيماوي يندفع العقل تلقائياً للتمسك بأقرب نظام متاح، وحينها تصديق العطار هو إيمان بقاء، فهو لم يرفع الراية البيضاء في نظر الغزي، وجراره الخشبية لم تصمت مثل الأجهزة الرقمية".

مستشفى مصغر

يتحول دكان العطار في غزة اليوم إلى ما يشبه المستشفى العام المصغر، يجد المريض داخل بضعة أمتار مربعة تخصصات طبية متنوعة يغطيها رجل واحد بخبرته الممتدة، وفي ذلك استجابة اضطرارية إلى واقع خروج المستشفيات التخصصية عن الخدمة.

يقول شيخ العطارين مازن أبو عكر "كأنك في مستشفى هناك عيادة الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي، هذا القسم هو الأكثر ازدحاماً بسبب تلوث المياه وسوء التغذية، لدينا قسم الأعصاب وعلاج الصداع النصفي وقسم الجلدية، ولكونها مشمولة صار المريض يجد حلولاً لمشكلات عدة في زيارة واحدة من دون الحاجة إلى التنقل بين العيادات المفقودة أصلاً".

ويضيف أبو عكر "ممارسة الطبابة الشعبية لها أصولها وأخلاقياتها وحدودها الصارمة التي فرضتها الحرب، ينقسم العطارون في غزة إلى فئتين، لكل منهما مرجعيتها، القسم الأول ورثة المهنة هؤلاء هم الحكماء الأصليون الذين توارثوا المهنة أباً عن جد، يعتمدون على الذاكرة الشفهية والخبرة الحسية، هؤلاء يمتلكون أحياناً كنوزاً مخبأة مثل كتاب تذكرة داوود الأنطاكي أو مؤلفات ابن سينا وابن البيطار، وهي كتب طبية قديمة يقدسها العطارون ويعتبرونها مرجعاً قطعياً لنسب الخلطات وفوائد النباتات".

أما القسم الشباب الطارئون، يشرح شيخ العطارين "إنهم جيل جديد دخل المهنة لملء الفراغ المهول، هؤلاء يعتمدون على التعلم السريع عبر الإنترنت وكتب الطب البديل الحديثة، ويتميزون بقدرتهم على الربط بين المصطلحات الطبية الحديثة مما يمنحهم صدقية أكبر لدى الجيل الشاب من المرضى".

يوضح أبو عكر أن هناك حدوداً أخلاقية، حيث خلافاً للصورة النمطية العطار يدرك تماماً حدود قوته، وهناك لحظات يقول فيها بصرامة لا أستطيع، مكانك المستشفى فوراً، ولأن العطار يمارس الصدق الميداني، فهو لا يحاول علاج كل شيء، بل يعالج الممكن ليتفرغ الأطباء للمستحيل، هذا التوازن هو ما جعل العطار شريكاً غير رسمي في المنظومة الصحية، إن حكيم غزة هو مزيج بين التراث العربي القديم وواقع الحرب القاسي.

العطارة… فعل مقاومة حيوية

في الوعي الغزي، ينظر إلى اللجوء للعطار على أنه إفشال لسياسة الموت الصامت، عندما تمنع إسرائيل الدواء الكيماوي، فإن استخراج العلاج من المرمية يصبح فعلاً نضالياً، يقول الباحث النفسي رؤوف الأيوبي "العطارة تعني أن الجسد الفلسطيني يرفض الاستسلام للمرض بانتظار تنسيق أمني قد لا يأتي أبداً بالدواء، وهناك بعد حسي عميق في محال العطارة، فبينما يغلف الدمار والدخان أرجاء غزة تظل رائحة الهيل والقرفة رائحة للبقاء في مواجهة الموت".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويوضح الأيوبي أن العطارة رمز للصمود القسري وتجسد مفارقة حزينة، فهي جميلة كإرث، لكنها مرة كضرورة، الغزي الذي يطحن قشر الرمان لعلاج معدته، أو يغلي ورق الزيتون لضبط سكره، لا يفعل ذلك ترفاً، بل هو يطوع الطبيعة القاسية لتصبح رحيمة به في ظل غدر السياسة".

يضيف الباحث النفسي "لسنوات اعتمدت غزة على استيراد الأدوية كيماوية والمحاليل عبر المعابر انهيار هذا المسار جعل الاستراتيجية البديلة هي الحل، وكسر القيد لا يحتاج إلى تنسيق أمني، العطارة استراتيجية تعيد تعريف الشفاء في غزة، فالعلاج ليس بالضرورة هو التعافي التام، بل هو القدرة على الصمود يوماً إضافياً بما تجود به جرار الخيمياغ من بقايا نبات وصبر".

ويصف الأيوبي مشهد العطار بزي الحكيم بأنه لوحة سريالية للصمود، حيث تلتقي فيها أقدم مهن البشرية مع أحدث مآسيها.

جدل

ينظر المرضى ليد العطار وهي تخلط المساحيق في قرطاس ورقي صغير، وكأنها تصنع ترياقاً ينقذهم من فناء محقق، لكن يقف وراء ذلك جدلاً حول الطب الشعبي، وهذا الصراع ليس فكرياً بين مدرستين، بل هو صراع وجودي يعيشه المريض والعطار والطبيب المنهك في المستشفى.

يرى أنصار الطب الشعبي أن الفائدة تتجاوز الجانب العضوي إلى الجانب الاستراتيجي، فمع عملية سد الفراغ القاتل في ظل الرصيد الصفر للأدوية، تعد الأعشاب الفارق الوحيد بين محاولة العلاج والاستسلام للموت، لكن المنطقة الرمادية عند الأطباء عندما يجدون أنفسهم في موقف أخلاقي لا يحسدون عليه، هل يمنعون الناس إذا منع الطبيب المريض من استخدام الأعشاب، وهو لا يملك البديل الكيماوي، ويحكم عليه باليأس والموت، أما إذا شجعهم فهو يبارك ممارسة طبية غير منضبطة قد تقتل المريض.

موقف محير

تقف وزارة الصحة في موقف لا تحسد عليه، يقول المدير العام لوزارة الصحة منير البرش "لقد تجاوزنا مرحلة الخط الأحمر، مخزوننا من أدوية الأمراض المزمنة وصل إلى صفر مطلق، نحن نعلم أن المواطنين يلجأون للعطارة والطب البديل، ولا يمكننا منعهم من محاولة البقاء، لكننا نحذر بشدة من استخدام الخلطات مجهولة المصدر لمرضى الفشل الكلوي والقلب".

ويضيف البرش "نضطر أحياناً إلى إرشاد المريض لاستخدام منقوع المر أو اليانسون لتهدئة آلام المعدة البسيطة، لأننا نفضل توفير آخر حبة مضاد حيوي للجراحات الكبرى، لجوء السكان للطب الشعبي كان نتيجة حتمية لتعنت إسرائيل".

وفي تقارير منظمة الصحة العالمية حول "الاستجابة الصحية في الأزمات المعقدة" لعام 2026، جاءت إشارات واضحة لهذا المنحى "رصدت فرقنا عودة واسعة النطاق للممارسات الطبية التقليدية في قطاع غزة، يعتمد السكان بصورة كلية على الأعشاب البرية والكبريت الخام لعلاج الأوبئة الجلدية نتيجة غياب 90 في المئة من الأدوية الأساسية في مراكز النزوح".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير