ملخص
في عصر تهيمن فيه التكنولوجيا على العناوين، لا ينبغي أن ننسى أن قمراً اصطناعياً قد يوجه صاروخاً، لكن جبلاً لا يزال قادراً على إيقاف جيش. وقد تراقب طائرة مسيرة ساحة معركة، لكن غابة لا تزال قادرة على ابتلاع فوج كامل.
على مر التاريخ، لم تكن الجغرافيا مجرد خلفية للحروب، بل أسهمت بفاعلية في تشكيل استراتيجياتها ونتائجها وإرثها. فمن عبور هانيبال الجريء لجبال الألب إلى خنادق الحرب العالمية الأولى المُرهِقة، يؤثر العالم الطبيعي في كل شيء، بدءاً من تحركات القوات وصولاً إلى نجاح الحملات العسكرية.
يبدو واضحاً أن فهم العلاقة بين الجغرافيا والحروب، بين بقاء الممالك والسلاطين هادئة مستقرة أو دخولها في غمار حروب لا تنقطع، أمر أساس لفهم كيفية تطور الصراعات، ولماذا تبقى بعض المناطق بؤراً ساخنة، وكيف يمكن أن تكون التضاريس سلاحاً أو درعاً أو فخاً.
لماذا نتذكر الجغرافيا كسلاح في حاضر أيامنا؟
هناك أكثر من موقع يدفعنا للتوقف أمام دروس الجغرافيا وحكايات التاريخ؛ من ملف مضيق هرمز المشتعل، إلى جزيرة تايوان حيث الهواجس من غزو صيني لها في 2027، مروراً بحرب أوكرانيا التي تُعد في الأصل صراعاً جغرافياً، وصولاً إلى الولايات المتحدة الأميركية التي تعد الجغرافيا أحد أهم أسلحتها الطبيعية في مواجهة الغزوات الخارجية.
ثمة نقاط جغرافية ساخنة كثيرة حول العالم، لكننا انتقينا هذه الأمثلة لتقديم نموذج معاصر لما يمكن أن تلعبه الجغرافيا عبر التاريخ، من تشكيل دفاعي يتجاوز أحياناً أثر الأسلحة في المعارك.
من أين نبدأ هذه القراءة؟
عن مصر وبلاد ما بين النهرين
في مؤلفه الشهير "انتقام الجغرافيا.. ما الذي تخبرنا به الخرائط عن الصراعات المقبلة وعن الحرب ضد المصير" للمؤلف الأميركي روبرت د. كابلان، يتناول كيف شكلت الجغرافيا فارقاً مهماً بين بلاد ما بين النهرين والمملكة المصرية قبل الميلاد.
يعود كابلان إلى رؤية البروفيسور وليام ماكنيل، أستاذ التاريخ في جامعة "شيكاغو"، وكيف أن الجغرافيا شكلت أساساً لمستوى غير عادي من الاستبداد والبيروقراطية في بلاد ما بين النهرين، في مقابل وصول مصر إلى حكم أقل استبداداً إلى حد ما. كيف جرى التاريخ بذلك؟
بحسب ما يورده كابلان في كتابه، فإن "الصحاري منحت أرض مصر حدوداً واضحة ويمكن الدفاع عنها بسهولة، في حين زودها النيل بعمود فقري وجهاز عصبي طبيعي". بالتالي، لم تكن مستويات القهر في بلاد ما بين النهرين ضرورية على امتداد نهر النيل.
ويستطرد ماكنيل قائلاً إن "الدفاعات الحدودية ضد الغزاة الخارجيين نادراً ما مثلت مشكلة خطرة بالنسبة إلى ملك مصر". وفي الواقع، وبسبب موقع مصر المواتي في مواجهة طرق الهجرة مقارنة ببلاد ما بين النهرين، كان تسلل الليبيين من جهة الغرب والآسيويين من الشرق يمثل مشكلة بسيطة نسبياً. وكانت حدود مصر مغلقة من جهة الجنوب، حيث لا يوجد شيء سوى صحراء جرداء على جانبي النهر، بينما تمثلت حدودها الشمالية في البحر المتوسط. ومن المحتمل أن المصريين طوال 4 آلاف سنة "لم يروا قط غازياً بين ظهرانيهم".
إضافة إلى ذلك، كانت الملاحة في النيل سهلة، إذ يحمل جريان النهر القوارب شمالاً. وعلى رغم أن الرياح تهب عادة من الشمال إلى الجنوب، فقد كانت القوارب تبحر جنوباً بمساعدة الأشرعة. وهكذا تمكن فجر الحضارة من البزوغ في مصر.
على النقيض من ذلك، لم يتوافر لحكام بلاد ما بين النهرين أية أدوات طبيعية جاهزة يمكنهم استخدامها في تأمين سلطتهم المركزية. واضطروا، على نحو بطيء ومؤلم، إلى وضع قانون قمعي وإدارة بيروقراطية بوصفهما بديلاً اصطناعياً عن التماسك الطبيعي الذي منحته الجغرافيا لمصر.
الجبال والأنهار وأسلحة الجغرافيا
تزخر الجغرافيا بأمثلة كثيرة على كونها سلاحاً فاعلاً في الحروب والصراعات. نأخذ مثالين فقط في هذا المقام: الجبال والأنهار.
تشكل الجبال دفاعات طبيعية هائلة. فتضاريسها الوعرة وممراتها الضيقة تجعلها مثالية للمدافعين.
وما جرى في أفغانستان طوال الـ100 عام الماضية يؤكد أن الجبال من أهم أسلحة الجغرافيا. فبسبب تضاريسها الجبلية الوعرة التي أعاقت تقدم القوات البريطانية والسوفياتية والأميركية، وُصفت بأنها "مقبرة للغزاة". إذ أخفت قمم جبالها المقاتلين، وأوت أسلحتهم، وقللت من فاعلية التفوق الجوي.
أما جبال الألب، فقد عبرها هانيبال لمفاجأة روما في الحرب البونيقية الثانية. وخسر آلاف الجنود والحيوانات في هذه العملية، لكنه اكتسب إرثاً استراتيجياً دائماً.
يمكن للجبال أن تعزل القوات، وتعطل خطوط الإمداد، وتبطئ التقدم. كما أن الارتفاعات الشاهقة ترهق الجنود وتقلل من كفاءة الآلات، وغالباً ما تتطلب مستوى من التكيف تفتقر إليه جيوش كثيرة.
في الحرب العالمية الأولى، شهدت الجبهة الإيطالية في جبال الألب معارك ضارية في ظروف جوية قاسية، وانهيارات ثلجية، ودرجات حرارة متجمدة. وأصبحت الحرب صراعاً مع الطبيعة بقدر ما كانت صراعاً مع العدو.
غالباً ما تشكل الجبال حدوداً ثقافية ونفسية أيضاً. فهي تعزز الهويات الإقليمية، وتحمي الحدود، وتمتد آثارها إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة لتشمل الدبلوماسية واللوجيستيات، وحتى الأساطير.
أما الأنهار، فطالما شكلت طرق نقل رئيسة وخطوط اتصال مهمة.
كان نهر المسيسيبي حيوياً خلال الحرب الأهلية الأميركية، إذ إن السيطرة عليه أدت فعلياً إلى تقسيم قوات الكونفيدرالية، مما منح قوات الاتحاد الأفضلية.
وكان نهر الدانوب، الممتد عبر أوروبا، ممراً للفيلق الروماني والبحرية العثمانية والدبابات السوفياتية.
تعد الأنهار شرايين حيوية في الحروب، إذ تمكّن من الحركة والإمداد وإعادة الانتشار السريع. وغالباً ما تعني السيطرة على نهر ما السيطرة على المنطقة المحيطة به.
حديث الجغرافيا يتناول أيضاً قصص الحدود الطبيعية، والصحاري الواسعة، والغابات والأدغال، إضافة إلى البحار والمحيطات، لا سيما نقاط الاختناق والقوة البحرية. وهذا يقودنا إلى أحد أهم المشاهد المعاصرة في أسلحة الجغرافيا. ماذا عن ذلك؟
مضيق هرمز أقوى أسلحة إيران
من بين أبرز الكتاب والمراسلين والصحافيين الميدانيين الذين تناولوا شأن الجغرافيا كسلاح، يأتي البريطاني تيم مارشال، صاحب مؤلفات مثل "أسرى الجغرافيا" و"قوة الجغرافيا".
بعد ثلاثة أسابيع من اندلاع المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، كتب مارشال متسائلاً عن الورقة الرابحة لدى إيران، وعن سلاحها الأكثر فاعلية مقارنة بما تملكه ضمن الأسلحة التقليدية.
جاء جواب مارشال أن مضيق هرمز هو ذلك السلاح. وقال إن طهران استخدمته بالفعل، فأغلقت فعلياً الممر المائي الذي يسمح بمرور النفط والغاز، بما يلبي 20 في المئة من احتياجات العالم من الطاقة.
وقال مارشال، "إن جغرافية المضيق هي التي تسمح لإيران باحتجاز اقتصاد العالم كرهينة. فضيقه وضحالة مياهه وخلجانه الخفية قد تخفي ألغاماً وزوارق سريعة محملة بالقنابل". وأضاف أن مضيق هرمز هو أقوى سلاح لدى إيران، ويفوق بذلك أية طائرة مسيرة أو صاروخ في ترسانتها.
وصف الأدميرال مايك مولن، الرئيس السابق لهيئة الأركان المشتركة، المضيق ذات مرة بأنه "أهم نقطة اختناق للطاقة في العالم". وتعاملت إيران مع هذا الوصف كخطة عمل.
ترتفع أصوات كثير من كبار المحللين السياسيين والعسكريين والجغرافيين بالقول إن الولايات المتحدة الأميركية سعت وراء القوة الخشنة أداة وحيدة لمواجهة إيران. لكنهم يرون أن الإيرانيين قرأوا المشهد اللوجيستي مبكراً، وتجهزوا لملاقاة حشود أميركا وأساطيلها، لا عبر بناء قدرات بحرية موازية، بل من خلال تحويل شريط ماء ضيق إلى أحد أعلى وأغلى التحديات في العالم.
يرى مارشال أنه إذا كان الأميركيون يمتلكون أقوى جيش في العالم، فإن الطبيعة تقف في طريقه. ولا عجب، بحسبه، أن الآشوريين أطلقوا على الخليج العربي اسم "البحر المر".
تايوان ودرس الجغرافيا الدفاعية
أواخر مارس (آذار) الماضي، بادر البروفيسور جيمس هولمز، رئيس قسم الاستراتيجية البحرية في كلية الحرب البحرية، والمؤلف المشارك لكتاب "الدفاع عن المضيق.. الاستراتيجية البحرية التايوانية في القرن الـ21"، إلى طرح رؤية تحليلية عبر موقع "ناشونال إنترست"، تتضمن نصائح لتايوان حول كيفية الاستفادة من مواجهة إيران للولايات المتحدة.
يوصي هولمز بأن تستفيد تايوان من الهجوم الجوي الأميركي المتواصل على إيران. وتضع هذه المقارنة تايوان في دور إيران المدافعة، بينما تلعب الصين دور الولايات المتحدة المهاجمة.
هل من درس بعينه ينصح به هولمز القيادة التايوانية؟
نعم. إنه درس الاستعانة بالجغرافيا الدفاعية. ويعتبر أن للجغرافيا أهمية بالغة.
تتمتع تايوان بمزايا جغرافية كبيرة. فمضيق تايوان ليس كمضيق هرمز، الشريان الوحيد الذي يربط المحيط المفتوح بمسطح مائي غني بالموارد ومحاط باليابسة. ومع ذلك، فإن المضيق الذي يفصل تايوان عن البر الرئيس، ويبلغ عرضه نحو 81 ميلاً عند أضيق نقطة فيه، يمنح المدافعين عن الجزيرة نفوذاً جيوسياسياً.
يرى هولمز أن شن عملية إنزال برمائي معادية عبر هذه المساحة الشاسعة سيجعل إنزال نورماندي يبدو أقل تعقيداً.
يمكن للجيش التايواني نشر ترسانة مصممة لاعتراض الملاحة في المضيق، بما يصد أي قوة غزو ويعرقل جهود البحرية الصينية لتوحيد الأساطيل الإقليمية للعمليات. وفي الوقت نفسه، سيؤدي اعتراض حركة الملاحة السطحية إلى إلحاق ضرر بالأسطول التجاري الصيني، ومن ثم باقتصاد البر الرئيس الذي يعتمد على الاستيراد والتصدير.
إضافة إلى ذلك، تتمتع تايوان بتضاريس جبلية وعرة للغاية. فعلى رغم 50 عاماً من السيطرة الاستعمارية، لم تتمكن اليابان الإمبراطورية من غزو الجزيرة بالكامل بعد انتزاعها من الصين الإمبراطورية في تسعينيات القرن الـ19.
وخلال الحرب العالمية الثانية، حوّل القادة الأميركيون هجومهم في وسط المحيط الهادئ إلى جزيرة أوكيناوا، بدلاً من تكبد كلف وأخطار القتال وسط تضاريس تايوان الوعرة.
وكما أن إيران، بحسب نصائح هولمز، حصنت مواقعها النووية ومواقع أسلحتها بدفنها في أعماق الأرض، يمكن للجيش التايواني بالمثل بذل قصارى جهده للاستفادة من البيئة الجغرافية للجزيرة، بما يجعل غزوها عبر المضيق أمراً شاقاً بالنسبة إلى الغزاة الصينيين. وإذا نجحوا في ذلك، فقد يردعون العدو.
إذا كان مضيق هرمز وجزيرة تايوان يوضحان إلى أي مدى يمكن للجغرافيا أن تلعب دوراً متقدماً في الدفاع، فإن ذلك يدفع إلى التساؤل: هل كانت الجغرافيا سبباً مباشراً في اندلاع حروب بعينها؟
المقصود هنا التوقف عند الحرب الروسية الأوكرانية على وجه الخصوص.
حرب أوكرانيا وجغرافية بوتين
هل كانت الجغرافيا السبب الرئيس وراء قيام فلاديمير بوتين بمغامرته في أوكرانيا؟
السؤال مركب ومعقد، ويحتاج إلى قراءة مفصلة قائمة بذاتها، وليس مجرد فقرة في هذا السياق.
لكن، في كل الأحوال، تأتي إجابة من يوجين رومر، مدير وكبير الباحثين في برنامج روسيا وأوراسيا، وهو ضابط استخبارات وطني سابق لشؤون روسيا وأوراسيا في مجلس الاستخبارات الوطنية الأميركية.
يُرجع رومر الحرب إلى عوامل جغرافية، في ظل توتر قائم بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (ناتو) على امتداد حدود روسيا الغربية، وهو ما أصبح سمة بارزة في المشهد الأمني الأوروبي.
يرى رومر أن جذور الأزمة تتجاوز الحرب الروسية الأوكرانية الأخيرة. فمنذ نهاية الحرب الباردة تقريباً، استاءت روسيا من النتيجة التي حررت أوروبا الشرقية من هيمنتها. ويكمن جوهر هذا الرفض في رؤى روسية راسخة في شأن الأمن القومي والعلاقات مع بقية أوروبا، متجذرة في جغرافية البلاد وتاريخها.
تنظر روسيا إلى نفسها على أنها قوة أوروبية بالدرجة الأولى. وجغرافياً وتاريخياً وثقافياً، ينظر الروس إلى أنفسهم كأوروبيين، وإن لم يكونوا جزءاً لا يتجزأ من أوروبا.
أوروبا هي مهد الدولة الروسية. فيها خاضت جيوشها أهم معاركها، ومنيت بأكبر هزائمها، وحققت أعظم انتصاراتها. وفيها تركزت جهود الدبلوماسية الروسية لقرون. ولم تكن هزيمتا نابليون وهتلر لتتحققا لولا روسيا. ولعبت روسيا دوراً حاسماً في التسوية الأوروبية بعد كلتا الهزيمتين، وحجزت لنفسها مكاناً بين قلة من القوى العظمى التي تقرر مصير القارة.
وعلى رغم أن الأراضي الآسيوية للبلاد تشكل أكثر من نصف مساحتها، فإنها كانت دائماً تابعة لروسيا الأوروبية. فقد كانت أجزاء روسيا الواقعة شرق جبال الأورال مستعمرة زودت البلاد بالموارد لدعم سياسات الدولة الموجهة من موسكو أو سانت بطرسبرغ لقرون. وقد أسهمت فراء سيبيريا في عهد إيفان الرهيب، والنفط والغاز خلال حكم بوتين، في تمويل حروب روسيا في أوروبا.
كان الهدف الرئيس للسياسة الروسية في أوروبا منذ أوائل التسعينيات تدارك خسائر عامي 1989 و1991. وتجلّى هذا الهدف بوضوح وحزم متزايدين في خطابات السياسيين الروس، وفي معارضتهم قرار حلف شمال الأطلسي قبول أعضاء جدد كانوا سابقاً جزءاً من حلف وارسو.
هل كان تحرك بوتين باتجاه الغرب في أوكرانيا مدفوعاً بدافع جغرافي، كما فعل سابقاً في جورجيا عام 2008، ثم في شبه جزيرة القرم عام 2014؟
غالباً كان المحرك الجغرافي سبباً رئيساً في هذه المحاور الاستراتيجية. ولا يزال الأمر نفسه يمثل هاجساً للقارة الأوروبية حتى الآن، ويتجلى في تعبير "الروسوفوبيا".
من روسيا إلى الولايات المتحدة الأميركية، يبدو المشهد وكأنه تضاد. فالجغرافيا التي دفعت روسيا إلى الحرب، هي نفسها التي تحد من لجوء أميركا إلى حرب على أرضها. كيف ذلك؟
أميركا في حماية الجغرافيا الطبيعية
يمكن القول إن جغرافية الولايات المتحدة الواسعة، الغنية بالموارد الطبيعية، وملايين الهكتارات الصالحة للزراعة، ساعدت مجموعات من المهاجرين الفقراء وشبه المعدمين على التحول إلى أكبر دولة رأسمالية في العالم.
وعلى رغم أن للرأسمالية عيوبها، فإن الاستخدام الاستراتيجي المدفوع بالربح سمح بنمو صناعات هائلة، ودفع أميركا إلى تجاوز اضطرابات مجتمعية والحرب الأهلية.
الأهم أن الجغرافيا وفرت للولايات المتحدة حماية طبيعية عبر التمترس خلف محيطين: الأطلسي شرقاً، والهادئ غرباً.
بات على أي طرف يفكر في غزو أميركا أن ينشئ سلسلة إمداد كاملة تعبر المحيط. واليوم، سيتعين على هذا الغزو وسلسلة إمداده التعامل أيضاً مع حاملات الطائرات الـ11 التابعة للبحرية الأميركية، التي تعمل بالطاقة النووية، والتي قد تتصدى لأية محاولة قبل وقت طويل من الوصول إلى البر.
ولأن عبور المحيطات أمر مستبعد، فإن أي غزو للولايات المتحدة سيضطر إلى القدوم عبر حدود كندا أو المكسيك. ويساعد الموقع الجغرافي الولايات المتحدة في هذا الصدد. فوجود صحراء شاسعة في الجنوب الغربي قد يجبر أي قوة غازية على التوجه إلى كاليفورنيا أو تكساس، وهما ولايتان تتمتعان بكثافة عسكرية عالية وصناعات دفاعية متطورة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كان التوسع من المحيط إلى المحيط خطوة مهمة لتعزيز قوة الدفاع الوطني. فضرورة عبور الحدود البرية تحد من قدرات أية قوة غازية.
يشير ديلان ليرك، وهو محلل في القوات المسلحة، إلى أن "القدرة العسكرية المشتركة لبقية العالم لن تكون كافية حتى للحصول على موطئ قدم في الولايات المتحدة القارية".
بصورة عامة، فإن غزو الولايات المتحدة بنجاح من أي اتجاه سيجبر قوات العدو على اجتياز تضاريس متنوعة. فالغابات والمستنقعات والجبال أمثلة قليلة. وقد يتطلب القتال بفاعلية في هذه الظروف تدريباً ومعدات خاصة، فضلاً عن تحديات لوجيستية لنقل القوات عبرها.
وحتى لو نجحت أية قوة في تجاوز هذه المرحلة، فإن استمرار العمليات سيظل تحدياً.
من هذه العوامل مجتمعة، يتبين كيف أن الجغرافيا القارية جعلت من الولايات المتحدة دولة تحارب في الخارج، لا في الداخل.
لكن الإشكالية هنا تبقى احتمال وقوع اقتتال أهلي داخلي، أي تكرار تجربة الحرب الأهلية، وهو أمر بات مطروحاً في العقدين الأخيرين على نحو خاص.
عودة الجغرافيا إلى الواجهة
هل عادت الجغرافيا إلى واجهة العوامل المؤثرة في الصراعات العالمية مرة أخرى؟
هذا يحدث بالفعل. ومع هذه العودة، عاد منظرو الجغرافيا السياسية المرتبطون غالباً بشركة "ستراتفور" التي تُعرّف نفسها بأنها "شركة استخبارات عالمية خاصة". وظهرت كتب كثيرة أخيراً تشرح التاريخ عبر الخرائط.
في هذا الوسط، شغل روبرت كابلان منصب كبير محلليها الجيوسياسيين فترة من الزمن. وعمل إيان موريس، مؤلف "الجغرافيا هي المصير" الصادر عام 2022، في مجلس مساهميها. وكان جورج فريدمان وبيتر زيهان، وهما مؤلفان في الجغرافيا السياسية، مؤسس الشركة ونائب رئيسها على التوالي.
في عام 2014، اطّلع الجمهور على بعض جوانب عمل شركة "ستراتفور" عبر 5 ملايين رسالة بريد إلكتروني نشرها قراصنة على موقع "ويكيليكس". واتضح أن الشركة لم تقتصر على تقديم تحليلات جغرافية، بل دخلت معترك السياسة، وبدا أنها تتمتع بعلاقة وثيقة مع السلطة.
كشف القراصنة أن "ستراتفور" كانت تراقب نشطاء لمصلحة شركات كبرى، وأنها اقترحت في إحدى المرات التحقيق مع الصحافي غلين غرينوالد لصالح "بنك أوف أميركا".
خطورة الجغرافيا كسلاح في الحروب الحديثة ظهرت أيضاً في اتهامات ببيع أسرار. وفي الوقت نفسه، اعتمد عملاء على هذه الشركة للحصول على توقعات. ولم يتردد الجيوسياسيون في إطلاق هذه التوقعات، إلى درجة دفعت بعض المتابعين إلى التشكيك في الثقة المطلقة التي تُطرح بها.
في المحصلة، يبدو أن هناك توجهاً للنظر إلى الجغرافيا بوصفها أحد الأسلحة المعاصرة في الإعداد للحروب، سواء من قبل المهاجمين أو المدافعين، بعد إدراك الأبعاد العملية لحضورها على الأرض.
وفي الخلاصة، ليست الجغرافيا مجرد عنصر سلبي في ساحة الحرب. بل هي عنصر فاعل، يشكل الخيارات، ويقيد التحركات، وقد يملي أحياناً مصير الأمم. من جبال الهيمالايا المغطاة بالثلوج إلى مدن غزة المكتظة، ومن الصحارى في مالي إلى السفن الحربية التي تسير دوريات في بحر الصين الجنوبي، تبقى التضاريس ذات أهمية بالغة.
في عصر تهيمن فيه التكنولوجيا على العناوين، لا ينبغي أن ننسى أن قمراً اصطناعياً قد يوجه صاروخاً، لكن جبلاً لا يزال قادراً على إيقاف جيش. وقد تراقب طائرة مسيرة ساحة معركة، لكن غابة لا تزال قادرة على ابتلاع فوج كامل.
لذلك، لن يُحسم مستقبل الحروب بالخوارزميات أو بالآلات وحدها، بل سيُحسم جزئياً بمدى فهم العالم المادي، وكيفية التعامل مع الجغرافيا التي ليست مجرد خلفية في الصورة، بل عامل قديم وحاسم.