ملخص
البيت ليس استثماراً عقارياً في غزة بل هو مساحة تحفظ كرامة الإنسان وتصون خصوصيته.
في بيته القديم الذي قصفته الطائرات الإسرائيلية أثناء الغارات العنيفة التي كانت تضرب غزة بفترة الحرب، كان رجب يبدأ يومه بطقس مقدس، يقف أمام موقد الغاز وبحركة رشيقة من إصبعيه، يدير المفتاح لتنطلق شرارة زرقاء منتظمة، في تلك اللحظة لم يكن يصنع القهوة فحسب، بل كان يمارس سيادته المطلقة على منزله.
كل ذلك انتهى من حياة رجب بعدما عاش في خيمة النزوح وباتت أقمشتها المأوى الوحيد له. لم يعد رب المنزل ولا قائد البيت وضابط قوانينه، يقول "لقد تغير مفهوم المنزل في الوعي المجتمعي الغزي أثناء فترة الحرب، عندما هجرناه وعشنا في معسكر، فهمنا أنه ليس مكاناً مادياً للسكن، وإنما رمز للهوية والكرامة والوجود".
مصدر الحماية وركيزة الأمان
أدى فقدان السكن والنزوح الطويل إلى إعادة تشكيل مفاهيم رجب عن البيت بعمق، إذ كان منزله الضامن بأن كل شيء تحت السيطرة "تربية الأطفال والخصوصية وحتى رائحة الهيل التي لا يشاركني فيها غريب".
يضيف رجب الذي يعمل باحثاً في علم النفس، "عندما تلاشى مفهوم البيت كمملكة خاصة في الوعي الغزي، وانتقل السكان للعيش في خيمة أو مدرسة، تحولت العائلة من وحدة مستقلة إلى جزء من كتلة بشرية كبيرة. وهذا التلاصق ألغى المسافات النفسية والمكانية بين الأفراد، مما خلق حالة من التوتر المستمر أو تضامناً اضطرارياً فائقاً".
ويؤكد أن البيت لم يعد مجرد جدران وأثاث عند الغزاويين، بل أصبح يمثل في الوعي مصدر الحماية الأول، وانهياره يعني انهيار الركيزة الأساسية للأمان. وفي ذاكرتهم يستحضرون تفاصيل المنزل المدمر كفعل لمواجهة الإبادة الرمزية، مما يجعل مفهوم العودة للبيت يتجاوز السكن المادي إلى استعادة الذات.
الجميع يتساوى في العجز
اليوم، يقف رجب أمام خيمته لا يملك مفتاحاً ليديره، إذ تغير البيت في وعيه الجديد ولم يعد تلك الجدران التي صممها بدقة، بل أصبح القدرة على الاختباء، بصوت مخنوق يقول "في بيتي، كان مفتاح الغاز هو إعلاني اليومي بأنني رب هذه المملكة، أما اليوم فأقضي ساعتين في البحث عن أغصان شجر يابسة أو بقايا بلاستيك لأشعل ناراً بدائية على مرأى من الجميع. لقد اكتشفت أن البيت ليس استثماراً عقارياً، بل هو غلاف الكرامة الذي يحميك من أن تكون قصتك اليومية مشاعاً".
ينظر رجب إلى شادر الخيمة الذي يهتز مع الريح، ويوضح "البيت هو الحيز الذي لا يراك فيه أحد وأنت منكسر، لقد فقدنا الركيزة التي تجعل من الرجل سيداً في مكانه. اليوم أنتظر في طابور للحصول على الحطب، ثم أنفخ في النار لعلها تشتعل، لقد اكتشفت أن البيت كان المساحة التي تحمي كرامتي".
في علم الاجتماع يتحدثون أنه عندما ينقصف البيت ويتحول لركام يفقد دوره كبيئة توفر الحماية المادية، مما أثر على صورة المعيل الذي كان يستمد سلطته من توفير المسكن والأمان، إذ أصبح الجميع في مراكز النزوح يتساوون في العجز أمام الظروف، مما أدى إلى إعادة تشكيل الروابط الأسرية لتصبح أكثر أفقية تشاركية بدلاً من هرمية.
تغيير الأدوار الجندرية
بسبب واقع النزوح، لم تعد الأدوار التقليدية، الأب المعيل والأم ربة المنزل، كما كانت. فقد فرض العيش في خيمة مهام جديدة على الجنسين كسرت الصورة النمطية القديمة، وهو ما يسمى "خلخلة الأدوار الجندرية".
تقول الباحثة الاجتماعية هويدا الحلبي، "اضطرت كثير من النساء لتحمل أعباء الرعاية والإعالة في ظل غياب المعيل أو فقدان مصادر الدخل، مما أحدث تحولاً في موازين القوى داخل الأسرة، وهذا أثر على تغيير الوعي الجمعي حول مفهوم البيت".
وتضيف، "هذه الظاهرة انتشرت كثيراً في المجتمع الغزي النازح ولها أمثلة واقعية كثيرة من داخل مراكز الخيام. إذ خرجت المرأة إلى الميدان العام بغرض الإعالة والتدبير، أما في السابق فكان دور كثير من النساء يتركز داخل جدران البيت. الآن، أصبحت المرأة هي المحرك لبقاء الأسرة في الخيمة".
وتوضح الحلبي، "في الميدان يمكن رؤية النساء في طوابير طويلة للحصول على تكية الطعام أو تعبئة المياه، وأخريات يقمن بإعداد خبز الصاج وهو دور إنتاجي عام لم يكن مألوفاً لكثير منهن قبل الحرب. كذلك يكشف الميدان عن قضاء الرجل وقته كاملاً داخل محيط الخيمة المكتظ دفعه للمشاركة في أعمال كانت تعتبر نسائية بحتة".
تشير الحلبي إلى أن فقدان البيت والعيش في مراكز النزوح المكتظة بددا الخصوصية، وخلقا ضغوطاً نفسية هائلة وتوتراً في العلاقات الأسرية، وأنتجا أزمة نفسية جماعية تضرب قدرة الناس على التكيف، بخاصة أن النزوح أجبر الغزاويين على العيش في مراكز إيواء والانصهار في العائلة الممتدة".
بحسب الحلبي، فإن البيت في غزة مصدر للأمان النفسي وهنا الأمان ليس النجاة من القصف، بل هو القدرة على ممارسة الروتين. ففي الخيمة يفتقد النازح الزاوية الخاصة مما يزعزع ثقة الإنسان بنفسه، لذا فإن غياب البيت يشعر الغزي أنه حالة تخبط وقلق وجودي دائم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
غياب البيت يعني الفراغ
يعيش 1.5 مليون نازح في الخيام، وهؤلاء يشكلون أكثر من 300 ألف أسرة، يبيت قرابة 288 ألف أسرة في خيام مهترئة وبالية، أما النازحون في المدارس فتقدر أعدادهم بنحو 75 ألف شخص يعيشون في ظروف تكدس شديدة. إذ قد تعيش في غرفة الصف الواحد داخل المدرسة ما بين أربع وست عائلات، إذ جرى تقسيم الفصل الواحد بقطع من القماش أو الشوادر لتوفير حد أدنى من الخصوصية.
أدى تحول مفهوم البيت من مكان مادي إلى فقدان وجودي إلى آثار نفسية عميقة ومركبة على الإنسان الغزاوي، تتجاوز بمراحل مجرد الحزن على خسارة العقار. يقول أستاذ علم النفس تيسير الدمياطي، "البيت هو المرساة التي تمنح الإنسان الشعور بالاستقرار والمكانة، وبالتالي غيابه جعل الغزي يشعر بأنه هائم في الفراغ، وكأنه في حالة الغربة الوجودية حتى وهو وسط أهله. وأدى هذا إلى تآكل قيمة الذات، فالفرد الذي كان صاحب بيت أصبح الآن رقماً في خيمة".
ويضيف الدمياطي، "البيت هو المكان الوحيد الذي يخلع فيه الإنسان أقنعته الاجتماعية ويرتاح، لكن في الخيمة أو المدرسة يشعر الشخص نفسه مراقب 24 ساعة، ولهذا فإن الأثر النفسي الذي يعيشه سكان القطاع هو حالة من التحسس العصبي المفرط، وحينها تصبح أبسط الأصوات أو التحركات من الجيران تسبب انفجارات غضب غير مبررة. هذا الاستنفار النفسي الدائم يؤدي إلى الاحتراق النفسي، إذ يفقد الفرد قدرته على التحمل أو التعاطف حتى مع أقرب الناس إليه".
محاكاة
ويوضح أستاذ علم النفس أنه في غزة برزت حلول للتغلب على فقدان البيت وعمل السكان على تأثيث الخيمة بروح البيت القديم، حيث قامت بعض العائلات بوضع عتبة رمزية للخيمة من الحجارة، وأسر أخرى زرعت شتلة نعناع صغيرة أمام مدخل الخيمة، ضمن محاولة بائسة لاستعادة ركيزة الوجود.
ويشير الدمياطي إلى أنه بدلاً من الاستسلام لشكل الخيمة الجاهز، يجلس الآباء يروون خرائط البيت للأطفال "هنا كانت غرفتك، وهنا شجرة الليمون، وبجانبها كان بيت الجيران". هذا الفعل يحول الذاكرة إلى خارطة طريق تطبيقية، وهي دليل أن الغزي لا يبكي على خسارة العقار، بل أصبح الفقد يتركز على الامتداد الروحي الذي كانت تحمله تلك الجدران.