ملخص
حولت إيران الحرب من محاولة لإسقاط نظامها إلى فرصة لإعادة إنتاجه بصيغة أكثر عسكرة وتشدداً، مستفيدة من قدرتها على خنق مضيق هرمز وفرض كلفة عالمية باهظة تمنحها أوراق قوة في الداخل والخارج. رغم الضربات الأميركية-الإسرائيلية ومقتل خامنئي، يراهن النظام على “الجمهورية الإسلامية الثالثة” بقيادة أكثر التصاقاً بالحرس الثوري، لكن هذا المسار نفسه قد يحمل بذور انهياره في مرحلة ما بعد الحرب.
في فبراير (شباط) 2026، خلال تجمع أقيم لإحياء ذكرى الثورة التي أفضت إلى قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تحدث المرشد الأعلى للبلاد، آية الله علي خامنئي، بنبرة تأملية. أشار إلى أن العام كان "عاماً غريباً"، ملمحاً إلى الهجمات الإسرائيلية والأميركية على البرنامج النووي الإيراني قبل ثمانية أشهر، وقدم تبريراً مطولاً للعنف غير المسبوق الذي مارسته أجهزة النظام لقمع الاحتجاجات الجماهيرية التي اندلعت في أواخر ديسمبر (كانون الأول). ووصف الاضطرابات بأنها محاولة انقلاب دبرتها إسرائيل والولايات المتحدة، وتفاخر بأنها "سحقت تحت أقدام الشعب الإيراني".
وكما كان متوقعاً، انتقل خامنئي بعد ذلك إلى الحديث عن الولايات المتحدة، التي تعد الخصم الأول للنظام وهدفاً متكرراً لهجومه اللفظي اللاذع. وقلل من شأن "الإمبراطورية الأميركية المتداعية" واستخف بتهديدات الرئيس دونالد ترمب بشن عمل عسكري ضد إيران.
وقد تبين لاحقاً أن هذه كانت من آخر التصريحات العلنية لخامنئي. فبعد 11 يوماً، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية منسقة على إيران أدت إلى مقتله، إلى جانب أفراد من عائلته وعدد من كبار القادة العسكريين والسياسيين. وكانت تلك الضربة هي الضربة الافتتاحية في حرب أضعفت بصورة منهجية البحرية الإيرانية وسلاحها الجوي وبرنامجها للصواريخ الباليستية، إضافة إلى البنية التحتية الأمنية الأوسع وقاعدة الصناعات الدفاعية. وقال ترمب في الخطاب الذي أعلن فيه بدء الحملة، موجهاً كلامه إلى الشعب الإيراني: "عندما ننتهي، تولوا أنتم السيطرة على حكومتكم. وسيصبح الحكم لكم إن أردتم انتزاعه".
لكن فيما كانت آلاف الضربات الأميركية والإسرائيلية تنهال على البلاد، نجح قادة إيران في لملمة صفوفهم وتنصيب مجتبى، نجل خامنئي الأكثر تشدداً، خلفاً له. وسرعان ما ردت طهران بهجمات صاروخية ومسيرة استهدفت قواعد عسكرية أميركية وبنى تحتية اقتصادية ومنشآت طاقة في دول الجوار. وسخر وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث من الرد الإيراني، واصفاً إياه بأنه "استهداف عشوائي وتخبط بلا حساب".
فاقم تحدي الجمهورية الإسلامية، إلى جانب قدرتها الجغرافية على خنق شريان حيوي للاقتصاد العالمي، الأزمة ووسع نطاقها بصورة دراماتيكية. وبالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية، يمثل المضيق بوليصة التأمين النهائية. فطهران لا تستطيع الدفاع عن قادتها أو أراضيها في مواجهة خصومها، لكنها قادرة على فرض كلف لا تحتمل على جيرانها وعلى الاقتصاد العالمي. وكما لمح خامنئي نفسه، فإن هذا النفوذ يمثل شريان حياة للنظام، إذ لا تستطيع واشنطن ولا بقية العالم تحمل انخفاض مطول في إمدادات النفط. ومع تقييد إمدادات الأسمدة والهيليوم وسلع أساسية أخرى أيضاً بسبب إغلاق المضيق، فإن تداعيات حتى انقطاع قصير ستشعر بها عواصم العالم لأشهر مقبلة. وبالنسبة إلى قادة إيران، يشكل الضغط الاقتصادي وسيلة فعالة لحماية النظام. ومع تصاعد الصراع، انتهزت طهران الفرصة لتحويل ميزان القوى الاستراتيجي بعد الحرب لمصلحتها، بهدف ضمان أن يخرج النظام من هذه الأزمة أكثر قوة في الداخل والخارج.
وعلى مستوى أوسع، يسعى قادة إيران إلى الدفع بمشروعهم الثوري نحو مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ"الجمهورية الإسلامية الثالثة". فالجمهورية الأولى، بقيادة آية الله روح الله الخميني، كانت تجربة ثورية سعت إلى فرض الحكم الديني في الداخل وزعزعة استقرار الجوار. أما في عهد علي خامنئي، فقد تبلورت الجمهورية الثانية، التي كرست هيمنة مكتب المرشد الأعلى وعززت نفوذ المؤسسة العسكرية من خلال دورها في إعادة الإعمار بعد الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات. ومن خلال هندسة صعود مجتبى، يسعى النظام إلى تأسيس جمهورية ثالثة: دولة أمنية عسكرية صريحة، يهيمن فيها الحرس الثوري وسائر الأجهزة الأمنية على القرار في شؤون الحكم والمجتمع والسياسة الخارجية.
إنه طموح هائل، وربما عمل متهور محكوم عليه بالفشل، لا سيما في ظل الفجوات الشاسعة بين أهداف الجمهورية الإسلامية الثالثة، وتطلعات شعبها، ومصالح جيرانها. ومع ذلك، فقد برهن هذا النظام مراراً على قدرته على الصمود والتحمل، وعلى إصراره على البقاء مهما كان الثمن. وهذه السمات، إلى جانب سوء تقدير الولايات المتحدة وإسرائيل لها، قد تمكن إيران من انتزاع نصر، وإن جاء باهظ الكلفة، من براثن الهزيمة، وتوجيه ضربة تاريخية إلى النظام الدولي الذي أسهمت واشنطن في بنائه، وسعت حتى وقت قريب إلى الحفاظ عليه. جاءت الحرب الأميركية - الإسرائيلية الأخيرة كصدمة بالنسبة إلى طهران، لكنها لم تكن مفاجئة. فبعد حرب الأيام الاثني عشر في يونيو (حزيران) 2025، التي دفنت الأجزاء الأهم من البرنامج النووي الإيراني عميقاً تحت الأرض، أدرك الإيرانيون أن توجيه ضربات إضافية لم يعد مسألة احتمال، بل مسألة وقت. وعندما بدأ القصف الأعنف في فبراير (شباط)، سارعت طهران إلى رفع مستوى التصعيد تدريجاً: من ضربات محدودة ضد أهداف رخوة في دول مجاورة، إلى استهداف أكثر مباشرة للبنية التحتية الاقتصادية ومنشآت الطاقة، وصولاً إلى خنق حركة الملاحة عبر مضيق هرمز في خطوة تنطوي على مجازفة بالغة.
وأظهر استعداد إيران للتصعيد مدى تحضير النظام لهذه المواجهة واستعداده لتحمل الأخطار، فضلاً عن متانة عقيدته الدفاعية القائمة على اللامركزية المتعمدة. وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي متباهياً على وسائل التواصل الاجتماعي: "لقد أمضينا عقدين في دراسة هزائم الجيش الأميركي إلى شرقنا وغربنا"، في إشارة إلى الحربين الأميركيتين في أفغانستان والعراق. وأضاف "استخلصنا الدروس من ذلك. فقصف عاصمتنا لا يؤثر في قدرتنا على خوض الحرب. وتمنحنا اللامركزية القدرة على تحديد متى تنتهي الحرب وكيف".
وكما قال المقدم التلفزيوني الكوميدي جون ستيوارت ساخراً في منتصف مارس (آذار): "الحرب هي الطريقة التي يعلم الله بها الأميركيين الجغرافيا". وخلال أيام من الضربات الأميركية والإسرائيلية الأولى، أعادت هجمات طهران على حركة الملاحة في مضيق هرمز التذكير سريعاً بأهمية هذا الشريان الحيوي. فخلال وقت قصير، تقلصت حركة الملاحة في المضيق بشدة، مما دفع أسعار النفط والبتروكيماويات وسلع أساسية أخرى إلى الارتفاع، وعرض النمو الاقتصادي والاستقرار حول العالم للخطر. وقد استخدمت إيران هذا الضغط بمهارة تكتيكية، إذ أبقت على قدر محدود من صادراتها، واستثنت شركاء مفضلين مثل الصين من الهجمات، مع فرض كلفة إضافية على بعض الأطراف مقابل السماح لها بالعبور، بحسب تقارير صحافية ومسؤولين إيرانيين. وبذلك حافظت طهران على تدفقات إيراداتها وشراكاتها الاستراتيجية، إضافة إلى أن توظيف إيران موقعها الجغرافي لتهديد أسواق الطاقة العالمية منحها أفضلية الزمن. فقد هون ترمب في البداية من شأن الحرب، واصفاً إياها بأنها "رحلة قصيرة"، ويبدو أنه توقع لها مساراً سريعاً على غرار حرب الأيام الـ12. ووفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، كان مسؤولون إسرائيليون قد أقنعوا البيت الأبيض بأن القضاء على قادة النظام سيشعل موجة جديدة من الاحتجاجات قد تطيح الدولة الثورية. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يحدث شيء من هذا القبيل. فبدلاً من حرب خاطفة وانهيار سريع للنظام، كما توقعت الولايات المتحدة وإسرائيل، اندلع صراع دموي مكلف في ظروف أتاحت لإيران أن تملي متى ينتهي النزاع.
ومع تعطيل الملاحة في المضيق يوماً بعد يوم، ازدادت الأزمة إلحاحاً، وازدادت معها، في نظر القادة الإيرانيين، المكاسب المحتملة. ولم يكن هدف هذه الاستراتيجية العالية الأخطار وقف الحرب فحسب، بل أيضاً انتزاع تحسن دائم في النفوذ الاقتصادي والإقليمي لطهران. وقد تعهد محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وأحد أبرز أركان النظام، بأن تواصل إيران الرد "حتى يندم العدو حقاً على عدوانه"، مضيفاً: "نعتقد أن هذه الحرب ستغير كثيراً من العلاقات الإقليمية، ولن نعود إلى الأوضاع التي كانت قائمة قبلها. ونحن مستعدون لإبرام اتفاقات أمنية دائمة مع دول المنطقة توفر ضمانات متبادلة وتؤسس آمناً مستقراً ومستداماً للمستثمرين". وبهذا أوضحت طهران أن أي تعاون في المستقبل يجب أن يقوم على إذعان منافسيها الإقليميين، وعلى قاعدة ازدهار مشترك أيضاً.
قد يكون من المغري اعتبار هذا الخطاب نذير انهيار نظام غارق في أيديولوجيته إلى درجة لم يعد معها يدرك أن خياراته تنهار. وثمة رأي متكرر بين محللين وصناع قرار أميركيين وإسرائيليين يقول إن النظام الإيراني أضعف اليوم من أي وقت مضى منذ عام 1979. غير أن ذلك ليس دقيقاً تماماً، إذ إن النظام واجه منذ نشأته تحديات أشد خطراً على بقائه. فالسردية المؤسسة للجمهورية الإسلامية تقوم على أن الثورة كانت حدثاً مستبعداً، ومحفوفاً بالأخطار، ومحاصراً بالصراعات. وقد عاش جيل الثورة اضطرابات واسعة ومستمرة في السنوات الأولى للدولة، شملت فوضى مؤسسية، وعمليات تطهير، وصراعات شرسة على السلطة، واقتتالاً في شوارع المدن، وانتفاضات قبلية، وهجمات إرهابية دامية، وضغوطاً اقتصادية خانقة، ومحاولة انقلاب، ثم الغزو العراقي المدمر في سبتمبر (أيلول) 1980.
على رغم كل ذلك، نجت الثورة وتمكنت من طرد قوات صدام حسين ونقل المعركة إلى بغداد. وانتهت الحرب من دون نصر، لكن إرثها رسخ أكثر سرديات التضحية والإيمان. كما أصبحت تلك الحرب ساحة الاختبار التي تشكلت فيها عقيدة الردع الإيرانية القائمة على القدرات غير المتكافئة، إلى جانب رهانها على بناء قاعدة صناعات دفاعية محلية.
على خُطى الأب
لقد كانت الانتكاسات التي منيت بها طهران خلال العامين الماضيين قاسية بالفعل، وبدا أنها تتوالى بلا توقف: تفككت شبكة ميليشياتها الوكيلة، ودفنت طموحاتها النووية تحت القصف الأميركي والإسرائيلي، وأصبح مواطنوها مستعدين للمخاطرة بحياتهم أملاً في ثورة جديدة. لكن، كما أدرك أسلافهم خلال الحرب الإيرانية - العراقية، يرى أركان النظام في هذه اللحظة فرصة للرد، وتشديد القمع تحت راية دفاع مقدس جديد عن الوطن الإيراني، وإضافة فصل جديد إلى تاريخ ثورتهم.
وكما فعل أسلافهم في ثمانينيات القرن الماضي، سيعتمد قادة الجمهورية الثالثة إلى حد بعيد على الحرب لإعادة إحكام قبضتهم على السلطة، مستخدمين الصراع ذريعة لفرض ما يشبه الأحكام العرفية بحكم الأمر الواقع، مع السعي إلى تعبئة مزاج قومي متطرف، أو في الأقل إرغام الناس على إظهاره. وتمتلك أجهزة النظام اليوم أدوات أكثر تطوراً بكثير، فبمجرد اندلاع الصراع، بدأت الأجهزة الأمنية الإيرانية تستخدم المراقبة الإلكترونية والرسائل النصية لكبح أي رغبة لدى الناس في العودة إلى الشوارع قبل أن تتحول إلى تحرك فعلي. ولمن لم تصله الرسالة بوضوح، حافظ النظام أيضاً على وتيرة سريعة من الإعدامات.
وساعدت الحرب على تيسير ما كان يمكن أن يكون عملية خلافة شاقة. فبعد الوفاة المفاجئة للرئيس إبراهيم رئيسي عام 2024، الذي كان خامنئي يعده لخلافته، لم يكن هناك مرشح واضح يجمع بين الخبرة الإدارية المطلوبة، والمكانة الدينية، وثقة نخب النظام. وفي الظروف العادية، كان اختيار مجتبى خامنئي سيظل موضع جدل، إذ يقال إن والده نفسه عارض تعيينه، خشية أن يبدو الأمر وكأنه تكريس لحكم وراثي.
ومع ذلك، في لحظة أزمة وجودية، قدم خامنئي الابن للنظام الحاكم فرصة ذهبية للاستفادة من إرث والده وتعزيز مكانة الحرس الثوري الإسلامي، الذي تربطه به علاقة وثيقة، إضافة إلى أن التقارير التي أشارت إلى احتمال إصابته بجروح خطرة جراء الضربات الأميركية - الإسرائيلية الأولى في فبراير قد زادت ترسيخ هذا الارتباط، إذ أصيب والده في هجوم إرهابي عام 1981، أفقده القدرة على استخدام يده اليمنى. وبصفته "شهيداً حياً"، فإن القيمة الرمزية لمجتبى كبيرة. ويمكنه أن يبقى شخصية غامضة بالنسبة إلى العامة، في حين تضمن الشبكة النافذة التي بناها والده بعناية على مدى نحو 37 عاماً في الحكم بقاء جوهر الخامنئية، أي الالتزام الصارم بالدولة الدينية السلطوية، في موقع الهيمنة.
ومهما طال بقاء النظام، فإن قيادته ستظل بيد متشددين متصلبين. وفي حال التمكن من تجنب الاستهداف الإسرائيلي، فإن مجموعة من المسؤولين الأمنيين ذوي الخبرة ستتولى توجيه النظام وتنظيم دفاعه. وقد يكون بعضهم مستعداً لتقديم تنازلات، لكن ذلك سيكون صعباً في بلد يعيش تحت الحصار، مما يدفعهم نحو مزيد من التشدد والعدوانية. ويمكن للاغتيالات الموجهة أن تطيح أفراداً بعينهم، لكن هذا جهاز كون النظام كوادره على مدى يقارب نصف قرن. وقطع الرأس لن يفكك النظام.
ونتيجة لذلك، لن يواجه المتشددون في إيران، في المستقبل المنظور، أي قوة حقيقية توازن نفوذهم. فهم يسيطرون بالفعل على قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني، وقد رسخوا هذه الهيمنة عبر استغلال مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب الإيرانية - العراقية، ثم عبر الإفادة، في السنوات الأخيرة، من نظام العقوبات. وتلاشى التنافس الفصائلي بين الجناحين الديني والجمهوري في نظام ما بعد الثورة. ويقدم الرئيس الحالي، مسعود بزشكيان، صورة أكثر اعتدالاً، لكنه لا يملك عملياً أي سلطة مؤسسية أو نفوذاً سياسياً يذكر. أما آخر رئيس معتدل نسبياً، حسن روحاني، فقد حاول العودة إلى الساحة السياسية، لكنه لم يحقق حتى الآن أي تقدم ملموس. ويخشى كثير من الإيرانيين الذين كانوا يأملون في تحسن أداء حكومتهم ما يحمله المستقبل. وقد قال أحد سكان طهران لصحيفة "وول ستريت جورنال" في الأيام الأولى من الحرب: "سيصبح هذا النظام أقوى وأكثر قسوة، بل وأكثر وحشية مما كان عليه. فالناس لا يملكون السلاح ليردوا".
وكثيراً ما قامت العلاقة بين رجال الدين في النظام وأجهزته الأمنية على التكافل، مستندة إلى روابط عائلية وسياسية واقتصادية، وإلى نظرة مشتركة إلى العالم. ومع انتقال مركز الثقل داخل النظام لمصلحة المؤسسة العسكرية، يرجح أن يتغير توجهه الداخلي هو الآخر. وقد يفضي ذلك إلى بعض الإصلاحات المحدودة، مثل تخفيف التشدد في فرض القيود الدينية، بما ينسجم مع التراخي التدريجي في تطبيق قوانين الحجاب منذ الاحتجاجات التي اندلعت عام 2022 عقب وفاة مهسا أميني، الشابة التي كانت محتجزة لدى شرطة الأخلاق.
الانتصار في الحرب وخسارة السلام
على رغم أنهم قد يلينون، فمن المستبعد أن ينكسر أصحاب النفوذ في إيران. فكثيراً ما وظفت طهران موقعها الجغرافي لمصلحتها، ولوحت بقوتها مراراً في مواجهة جيرانها وفي محيط المضيق، لكن غالباً في لحظات انفعال ومن دون دليل يذكر على وجود غاية استراتيجية واضحة. أما هذه المرة فالأمر مختلف، إذ أوضحت إيران للعالم أنها قادرة على فرض كلفة مؤلمة على الاقتصاد العالمي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وسينظر الإيرانيون إلى الولايات المتحدة وحلفائها على امتداد محيطهم الإقليمي، مترقبين انتقاماً أو تعويضاً، أو الأمرين معاً. وتعول طهران على قدرتها على الصمود أكثر من خصومها، أملاً في انتزاع صفقة تتيح للنظام ليس فقط البقاء، بل ربما أيضاً الإفلات من قبضة عقوبات "الضغط الأقصى" التي فرضها ترمب، والتي أدت إلى انهيار العملة وأججت الغضب الشعبي. كما يأمل الإيرانيون في استخدام الحرب بوصفها نقطة انطلاق لاستعادة نفوذهم الإقليمي. ويعتقد القادة الإيرانيون أن بلادهم تستحق تعويضاً عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بها جراء ما يعدونه هجوماً غير مبرر، وإذا خرجوا من هذه الحرب وما زالوا في السلطة، فإنهم يعتزمون تحصيل هذا الدين.
ويدرك جيران إيران الاحتمال المقلق المتمثل في أن تنتهي الحرب بجمهورية إسلامية أضعف، لكنها في الوقت نفسه أكثر جرأة. فحادثة عابرة لطائرة مسيرة تخترق نافذة فندق فاخر أو تصيب مطاراً مزدحماً كفيلة برفع مستوى الأخطار في نظر المستثمرين وإثارة تردد السياح. وطهران تمسك جيرانها فعلياً من نقطة اختناق شديدة الحساسية، وقليلون على جانبي الخليج يتوهمون أن هذه مشكلة قصيرة الأجل. لذلك سيسعون إلى حلول عملية ودائمة في آنٍ واحدٍ.
من جهة أخرى إذا أخفقت الحرب في تحقيق هدفها المعلن المتمثل في إسقاط النظام الإيراني، فمن المحتمل، بل من المرجح، أن تخطئ طهران في حساباتها في مرحلة ما بعد الحرب. فربما يكون النظام قد شن هجوماً مضاداً فعالاً بأساليب غير متكافئة يهدد بإحداث فوضى في الاقتصاد العالمي، لكن قدراته العسكرية التقليدية دمرت إلى حد بعيد، إضافة إلى أن الاستنزاف المتواصل لطبقة كاملة من كبار القادة سيلحق ضرراً كبيراً بقدراته العملياتية والإدارية. وعلى امتداد الأعوام الـ47 الماضية، نادراً ما أضاع نظام ما بعد الثورة فرصة من دون أن يرتكب خطأ.
ومن المحتمل أيضاً أن تنتصر طهران في الحرب، لكنها تخسر السلام، بسبب تعنتها أو تفاؤلها غير المبرر أو ارتباكها الداخلي، كما حدث مع قادة إيرانيين سابقين في مرحلة حاسمة من الحرب مع العراق. ففي يونيو (حزيران) 1982، وبعد أيام فقط من الضربات العراقية الناجحة على منشآت تصدير النفط الإيرانية، اقترح مجلس التعاون الخليجي، الذي كان قد تشكل حديثاً ويضم معظم جيران إيران العرب في الخليج، وقفاً لإطلاق النار. ووفقاً لتقارير وكالة "أسوشيتد برس" آنذاك، عرض المجلس على طهران تعويضات بقيمة 25 مليار دولار، أي ما يزيد على 84 مليار دولار بأسعار اليوم، مقابل موافقتها على إنهاء الحرب من دون شن هجوم يهدف إلى إطاحة صدام، لكن طهران أصرت على أن الأضرار تعادل ستة أضعاف ذلك المبلغ، ورفضت في نهاية المطاف إنهاء الحرب. وقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً خلال السنوات الست التالية، وفشلت الجمهورية الإسلامية في تحقيق هدفها المتمثل في إسقاط صدام. وهذه المرة، إذا سعت طهران إلى استثمار تفوقها عبر الحفاظ على قبضتها على المضيق أو توظيف هذه الورقة، فقد يكون جيرانها والعالم مستعدين لتحمل الكلفة والأخطار الاستثنائية المترتبة على توجيه هزيمة حاسمة للنظام.
وأخيراً، حتى لو صمدت الجمهورية الإسلامية خلال المرحلة النشطة من الصراع، فإن ما بعد الحرب قد يكون بداية نهايتها. ففي الوقت الراهن، قد لا توجد قوة سياسية متماسكة وكفؤة قادرة على تشكيل تحدٍّ حقيقي حتى لنظام أضعفته الحرب، لكن تداعيات هذا الصراع ستكون طويلة الأمد، وستتكشف آثارها، وربما تتفاقم، مع مرور الوقت. فآلاف الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية ستخلف فاتورة إعادة إعمار هائلة، كما أن قيادة أكثر تطرفاً وخشونة في طهران ستجد صعوبة في التعامل مع انقساماتها الداخلية ومع منطقة تعصف بها حال من عدم الاستقرار والعداء المتزايد. وقد يمنح صمود الجمهورية الإسلامية قادتها فرصة لتفادي الاستسلام في الوقت الراهن، لكن انتصارهم قد يزرع بذور زوال النظام.
ترجمة عن "فورين أفيرز" مايو (أيار)/ يونيو(حزيران) 2026، نشر في 1 أبريل (نيسان) 2026
سوزان مالوني هي نائبة رئيس معهد بروكينغز ومديرة برنامجه للسياسة الخارجية. وشغلت منصب مستشارة خارجية لوكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية في إدارة أوباما، كما عملت عضواً في هيئة تخطيط السياسات التابعة لوزير الخارجية الأميركي في إدارة جورج دبليو بوش.