Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تصاعد الاغتيالات يكشف فراغا في قيادة النظام الإيراني

لا يقتصر المشهد على استهداف الأفراد بل يتجاوز ذلك إلى ما يشبه شل عملية إحلال القيادات

إيرانيون يحملون صور خامنئي وتنكسيري خلال تشييع الأخير في ساحة انقلاب وسط طهران، في 1 أبريل الحالي (أ ف ب)

ملخص

لا يقتصر المشهد في إيران على استهداف الأفراد، بل يتجاوز ذلك إلى ما يشبه شل عملية إحلال القيادات، بفعل الضربات الإسرائيلية والأميركية. ففي نظام تتطلب فيه المناصب الحساسة، خصوصاً في المجالين الأمني والعسكري، تثبيتاً مباشراً من قبل المرشد، فإن إصابة مجتبى خامنئي أو غيابه، إلى جانب الغموض في شأن مدى سلطته الفعلية، يفاقم هذه الأزمة. وبعبارة أخرى، لا يواجه النظام الإيراني نقصاً في القادة فحسب، بل أزمة في اتخاذ القرار حول من يخلفهم.

خلال وقت دخلت فيه العمليات العسكرية المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة ضد النظام الإيراني يومها الـ33، برز أحد أهم مؤشرات تآكل بنية السلطة في إيران، لا في مقتل المسؤولين الكبار تباعاً فحسب، بل في الغموض المتزايد في شأن خلفائهم، وهو غموض قد يعكس، من جهة، عجزاً عن إعادة بناء هيكل القيادة بسرعة، ومن جهة أخرى يعزز احتمال أن يكون قد عُيِّن بدلاء بالفعل، لكن من دون الإعلان عن أسمائهم خشية استهدافهم.

ويأتي ذلك في ظل وضع ضبابي يكتنف قمة هرم السلطة نفسها. فبعد مقتل المرشد علي خامنئي، اختير مجتبى خامنئي خلفاً له، غير أن حالته الصحية وقدرته الفعلية على ممارسة السلطة كانتا موضع شك منذ البداية.
وفي توصيف لافت، أشارت وسائل إعلام حكومية إليه بصفة "جريح حرب رمضان"، وهو توصيف فُهم على أنه تأكيد لإصابته البالغة جراء هجوم الـ28 من فبراير (شباط) الماضي على مكتب ومقر إقامة علي خامنئي، وزاد من الغموض في شأن وضعه الصحي ومدى حضوره الفعلي في عملية صنع القرار. من جهته، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في عدد من خطاباته الأخيرة أن كثراً يقولون إن مجتبى خامنئي تعرض لإصابة بالغة، وبعضهم يقول إنه فقد إحدى ساقيه.
وفي هذا السياق، يبدو عدد من التعيينات الأساس، التي يفترض في الظروف الطبيعية أن تتم بموافقة مباشرة من قائد النظام، إما معلقة أو تدار في ظل صمت وتكتم.

ويبرز أحد أهم أوجه هذا الفراغ في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، فبعد مقتل رئيس الأركان محمد باقري خلال حرب الأيام الـ12، عُين عبدالرحيم موسوي بقرار من علي خامنئي في هذا المنصب، غير أنه قتل بدوره معه خلال الـ28 من فبراير الماضي. وبعد مرور 32 يوماً على ذلك، لم يعلن حتى الآن عن أي خليفة رسمي له، مما يترك إدارة هذا الجهاز الحيوي، المسؤول عن تنسيق العمل بين الجيش والحرس الثوري وبقية الأذرع المسلحة، في حال غموض. ويضاف إلى ذلك أن عدداً من كبار مساعدي هذه المؤسسة قتلوا في موجات الهجمات السابقة، مما يعني أن الفراغ لا يقتصر على قمة هيئة الأركان، بل يمتد إلى مستوياتها العملياتية والاستخباراتية.

ويظهر فراغ مهم في وزارة الاستخبارات. فبعد مقتل وزير الاستخبارات (اطلاعات) إسماعيل خطيب تعرضت بنية الوزارة لصدمة حقيقية. ولا تقتصر أهمية ذلك على فقدان وزير فحسب، إذ تعد الوزارة أحد الأعمدة الرئيسة للسيطرة الداخلية ومكافحة التجسس والتنسيق الأمني في النظام الإيراني.

وإلى جانب خطيب، قتل عدد من كبار مساعديه بينهم نائب الوزير أكبر غفاري في الهجمات الإسرائيلية. وبناءً عليه، لا يزال من غير الواضح من يتولى فعلياً إدارة هذه الوزارة، ولماذا لم يعلن أي اسم بصورة رسمية حتى الآن.

الوضع لا يختلف كثيراً في منظمة الباسيج. فقد قتل غلام رضا سليماني، القائد العام للباسيج، وهو من أبرز الشخصيات التي لعبت خلال الأعوام الأخيرة دوراً محورياً في قمع الاحتجاجات، وتوسيع نقاط التفتيش داخل الأحياء، وتعزيز الطابع العسكري داخل المدن في عموم البلاد. وعلى رغم الأهمية البالغة للباسيج في ضبط الشارع والسيطرة الداخلية، لم يعلن حتى الآن عن خليفة رسمي له. ويبدو هذا الصمت أكثر دلالة في ظل تصاعد الغضب الشعبي عقب أحداث يناير (كانون الثاني) الماضي، وخلال وقت تحتاج فيه السلطات، أكثر من أي وقت مضى، إلى أدوات القمع لمواجهة أخطار الانهيار الداخلي.

أما في القوة البحرية التابعة للحرس الثوري، فلا تزال الصورة غير واضحة كذلك. فمقتل قائد القوات البحرية الإيرانية علي رضا تنكسيري أدى إلى غياب أحد أهم أركان الاستراتيجية البحرية للنظام الإيراني، والمسؤول عن تنفيذ سياسة السيطرة على مضيق هرمز وإغلاقه، والذي كان يعد أحد أعمدة الردع الإيراني في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.

ولم يكن مقتل تنكسيري مجرد فقدان لقائد ميداني، بل شكل ضربة مباشرة للاستراتيجية البحرية الإيرانية في الخليج العربي. ومع ذلك، لم يعلن حتى الآن عن اسم خلف رسمي له بصورة علنية.

تبدو إدارة وزارة الدفاع في النظام الإيراني في وضع مماثل لبقية المؤسسات العسكرية. فقد قتل وزير الدفاع في حكومة الرئيس بزشكيان، عزيز نصير زادة، إثر هجمات الجيش الإسرائيلي على طهران، وبعد يوم واحد أفادت وكالتا "تابناك" التابعة لمحسن رضائي و"صابرين نيوز" التابعة للحرس الثوري إلى جانب القناة 12 الإسرائيلية، بأن مجيد ابن ‌الرضا الذي جرى اختياره وزيراً جديداً للدفاع، قُتل هو الآخر بعد أقل من 12 ساعة على تعيينه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع ذلك، زعمت وسائل إعلام حكومية الأحد الماضي، نقلاً عن وزارة الدفاع، أن مجيد ابن الرضا أجرى اتصالاً مع وزير الدفاع الوطني في تركيا، وأنه لا يزال على قيد الحياة. وبذلك تستمر حال الغموض في شأن الوضع الصحي للقائم بأعمال وزارة الدفاع، في ظل عدم ظهوره حتى الآن أمام وسائل الإعلام.

إلى جانب ذلك، لا تزال مواقع أمنية واستخباراتية مهمة أخرى تعاني فراغاً واضحاً. فقد قتل رئيس جهاز استخبارات القيادة العامة لقوى الأمن الداخلي (فراجا) غلام رضا رضائيان، وعلى رغم أهمية هذا الجهاز في الرصد الداخلي والسيطرة على المدن وقمع الاحتجاجات، لم يعلن حتى الآن عن أي خليفة معروف له.

وفي بنية جهاز استخبارات الحرس الثوري لا يبدو الوضع أفضل، إذ قتل رئيس الجهاز محمد كاظمي إلى جانب نائبه حسن محقق وعدد من المسؤولين الاستخباراتيين، مما يعني أن الضربات طاولت ليس فقط قمة هذا الجهاز، بل أيضاً مستوييه الثاني والثالث. ومع ذلك، تواصل السلطات الامتناع عن الإعلان الرسمي عن المسؤولين الجدد.

وعلى مستوى صنع القرار الدفاعي والأمني، شكل مقتل علي شمخاني حلقة أخرى في هذه السلسلة. فقد كان، بصفته أمين مجلس الدفاع وأحد أقدم الشخصيات الاستراتيجية في النظام، يؤدي دوراً محورياً في الربط بين المستويين السياسي والعسكري. وجاء قتله، لا سيما تزامناً مع مقتل علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، ليشكل ضربة مباشرة لنواة صناعة القرار الأمني في النظام الإيراني. وحتى الآن، لم يعلن عن أي خليفة لشمخاني.

 ويأتي ذلك خلال وقت شهدت فيه الساعات الـ72 الماضية تصعيداً ملحوظاً في الهجمات الإسرائيلية الدقيقة التي استهدفت بعض الوحدات السكنية، وسط تقارير غير رسمية عن مساعٍ من حكومة بنيامين نتنياهو لتصفية ما تبقى من الشخصيات البارزة في النظام الإيراني، من بينهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وأحد أكثر وجوه السلطة نفوذاً حالياً، والذي تحدث دونالد ترمب عن إمكانية التفاوض معه، إضافة إلى القائد الجديد للحرس الثوري أحمد وحيدي، الذي يقال إنه مدرج على قائمة الأهداف المحتملة.

في المحصلة، لا يقتصر المشهد على استهداف الأفراد، بل يتجاوز ذلك إلى ما يشبه شل عملية إحلال القيادات، بفعل الضربات الإسرائيلية والأميركية. ففي نظام تتطلب فيه المناصب الحساسة، خصوصاً في المجالين الأمني والعسكري، تثبيتاً مباشراً من قبل المرشد، فإن إصابة مجتبى خامنئي أو غيابه إلى جانب الغموض في شأن مدى سلطته الفعلية، يفاقم هذه الأزمة. وبعبارة أخرى، لا يواجه النظام الإيراني نقصاً في القادة فحسب، بل أزمة في اتخاذ القرار حول من يخلفهم.

وفي الحالات التي يرجح أن بدلاء قد اختيروا فيها، فإن الإبقاء على أسمائهم طي الكتمان يعكس حجم القلق الأمني، إذ يبدو أن صناع القرار يعتقدون أن إعلان هذه الأسماء، في ظل التفوق الاستخباراتي لإسرائيل والولايات المتحدة واستمرار الضربات الدقيقة، قد يعرضهم للاستهداف الفوري. وهو ما يضع النظام في معادلة معقدة. فبينما يحتاج إلى تعيين بدلاء لضمان استمراريته، يضطر إلى إخفائهم للحفاظ على حياتهم.

وفي أحدث تطور، أفادت وسائل إعلام حكومية إيرانية، ظهر أول من أمس الثلاثاء، بمقتل معاون التخطيط والبرمجة في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة اللواء جمشيد إسحاقي، جراء هجوم إسرائيلي دقيق. ووفق هذه التقارير، قتل أيضاً خمسة من أفراد عائلته في الهجوم ذاته.

وكان إسحاقي إلى جانب موقعه العسكري المؤثر يؤدي دوراً مهماً في الالتفاف على العقوبات النفطية، مما أدى إلى إدراج اسمه في قائمة العقوبات الأميركية خلال فبراير (شباط) 2025 أثناء إدارة دونالد ترمب.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات