Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 حداثة التمرد على الأجناس الأدبية وافتتاح أفق تخييلي مغاير

المغربي عبدالقادر الشاوي يصنع فسيفساء تعانق "الأنوار" وتتأمل "الكواكب"

كتب وأنواع أدبية (سوشيل ميديا)

ملخص

في كتابه الجديد "الأنوار والكواكب: حواشي أدبية" (المتوسط، 2025) يعمل الكاتب والروائي عبدالقادر الشاوي على تقديم مفهوم خاص للكتابة "النقدية"، فهو ينأى بنفسه عن التصنيفات الأجناسية التي اعتاد القارئ ملامسة شغافها داخل مجال التداول الثقافي العام.

يعمل عبد القادر الشاوي على إقامة نوع من الثورة المعرفية تجعله يتمرد على الأجناس التقليدية (شعر ورواية ونقد وقصة) ويحاول عبر الكتابة المختلفة، اجتراح أفق "تخييلي" مغاير. فالكتاب وإن كان عبارة عن مقالات تغوص في أحوال الكتابة الثقافية العالمية وشجونها، بما يجعل الكتاب والباحثين يصنفونها بشكل تلقائي ضمن خانة "النقد"، فإن القارئ الذكي، سيجد نفسه أمام كتابة مخاتلة لا تعرف نفسها، بقدر ما تحاول عبر أشكالها المتموجة، أن تظل بمنأى عن التصنيفات الأكاديمية المعتادة.

لذلك، يبرز الكتاب باعتباره مجموعة مقالات متراصة البنيان وشامخة التشييد، إذ تبدو من ناحية الكم تتشابه من حيث عدد كلماتها وتسير وفق إيقاع نقدي جذاب، بيد أن اختيار أسلوب المقالة كعلامة فكرية تطبع الكتاب، لم تؤثر في عمق المقاربات المعرفية التي ينهل منها عبدالقادر الشاوي، بل يروم من خلالها إلى تفكيك قضايا وإشكالات تتجاوز الأدب والفكر والنقد صوب الحياة.

من ثم، فإن هذا التعدد الفكري أعطى للكتاب زخماً فكرياً ومنح القارئ إمكان السفر في مجاهل حياة الكتاب وعوالمهم التخييلية. فالمقالات تنطلق من كتاب أو سفر أو قضية أو قراءة أو يوميات أو رسائل، يجعل عبرها الكاتب فعل الكتابة يولد من جديد، إذ تحاول كل مقالة أن تغوص في موضوع معين، سواء كان أدبياً أو أيديولوجيا أو ثقافياً بشكل عام.

ومن بين الموضوعات التي ينشغل بها الشاوي، نجد آني أرنو والإسلام والذكورة والأنوثة والدار البيضاء والذاكرة وبول فاليري وسارتر وكافكا ومريانو والمذكرات ومحمد خير الدين وسواهما من الموضوعات والشخصيات التي أسست مسار وعي المؤلف في علاقته بالكتابة. إنها موضوعات نعترف أن لا رابط بينها سوى هاجس الكتابة، لكن في هذا التعدد والتناقض على تضاريس فهرس الكتاب، يكاد يكون شيئاً جديداً ومفيداً بالنسبة إلى القارئ، إذ تسافر هذه النصوص بالقارئ، صوب أرخبيلات متنوعة تظهر بعمق المكانة التي تتنزلها "القراءة" في حياة الكاتب.

سيرة أدبية مختلفة

ينتمي عبدالقادر الشاوي (1950) إلى الأصوات الأدبية المغربية التي عرفت بقدرتها على تفكيك الواقع ونقده. ذلك أن تجربة السجن (حكم عليه بـ20 سنة) جعلت موقفه واضحاً من المجتمع والسياسة على حد سواء. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، برز اسم الشاوي باعتباره نموذجاً للكتابة الملتزمة التي أخذت على عاتقها الإنسان كشرط لتحقيق فعل الكتابة. لذلك ظلت روايات الشاوي تستند إلى قاعدة فكرية أصيلة "تصور" المخاض السياسي العسير الذي عاشه المغرب منذ أواسط سبعينيات القرن الـ20، حيث يتقاطع العشق الثوري بالأحلام السرمدية والخيانات القاتلة بالأسئلة القاحلة.

لكن روايات من قبيل: "كان وأخواتها" و"بستان السيدة" و"مرابع السلوان" لم يكن هاجسها يرتكز بشكل أساس على "توثيق" عنف المرحلة السياسية وأهوالها، بل جعلها مختبراً للتفكير في آليات تكريس حرية التعبير ودمقرطتها داخل النسيج الاجتماعي. إن الكتابة الروائية هنا وإن كانت "شهادة" عن واقعي فيزيقي عاشه بمرارة جيل السبعينيات، تبقى الكتابة بين رواية وأخرى، تخلق لنفسها فسحة تخييلية حتى تظل تنتمي إلى مجال الأدب و"متخيله".

لكن مع ذلك، فغالباً ما يروم الباحثون مغاربة وعرب لحظة الكتابة عن عبدالقادر الشاوي وعبداللطيف اللعبي وعبدالله زريقة وصلاح الوديع، على أساس أن أدبهم يصنف ضمن "أدب السجون" حتى بات كل ما يكتبونه في نظر القارئ ملتصقاً بأدي السجن. لذلك فإن المثير للدهشة، أن مجمل الكتابات التي قاربت روايات الشاوي "حنطته" ضمن "أدب السجون" فأصبحت كل قراءة حول الشاوي تنطلق من جراح المرحلة السبعينية أو ما عرف تاريخياً بـ"سنوات الرصاص".

تتسم تجربة الشاوي بالتعدد والكتابة في الرواية والنقد والمقالة النقدية والشعر، فهو تعدد يعطي للكاتب حرية أكبر لقول ما يريد، عبر أجناس أدبية مختلفة، بيد أن هذا "التعدد" لا يضمر سوى الزخم المعرفي الذي يمتلكه الشاوي منذ ما قبل المرحلة السجنية. ويبدو ذلك واضحاً في عدد من مؤلفاته النقدية الصادرة آنذاك مثل "النص العضوي "و "الكتابة والوجود" و"سلطة الواقعية" و"اليسار في المغرب".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فهي كتب تتأسس على رؤية فكرية عميقة بالمجتمع المغربي وتاريخه وتظهر بشكل جلي فيزيونومية المفهوم الذي يقابل به الشاوي مفهوم الكتابة. إن التراكم المعرفي يتحكم في التعدد الذي يقود بدوره إلى ابتكار أشكال جديدة تعطي للكاتب مساحات خاصة من التفكير والتأمل، كما هي الحال مع كتابه "الأنوار والكواكب"، بيد أن حرية الكاتب في الكتابة واختيار موضوعاته، لم تؤثر في منسوب الكتابة، حيث يظل عمقها متوهجاً في اقتناص اللحظات الفكرية والسياقات التاريخية والسير الحياتية التي تتماهى مع بعضها البعض، لنجد أنفسنا في النهاية أمام ما يسميه عبدالقادر الشاوي نفسه بـ"النص العضوي" (1982).

كتاب "نقدي" مخاتل

ليس هذا الأخير، نصاً جامعاً، مانعاً، عالماً، لكنه في أساسه عبارة عن خطاب نقدي مركب، لا يقيم الحدود ولا يعترف بالسياجات، بل يبعثر المسالك ويروض المفاهيم ويفكك النظريات ويربك القارئ، ليقيم شكلاً من الكتابة المركبة التي تهجس بالمغايرة والاختلاف. ليس "النص العضوي" أو "المركب" عند عبدالكبير الخطيبي خياراً ثقافياً، بل ضرورة فكرية لتجديد دماء النقد، وجعله ينفتح على مناخات العلوم الإنسانية ومختبرات نظيرتها الاجتماعية.

في "الأنوار والكواكب" تأتي الكتابة باعتبارها امتداداً طبيعياً لسيرة الشاوي المتقلبة في بهجة السؤال. لذلك تطالعنا بعض النصوص، بوصفها فكراً عضوياً ينظر إلى المفاهيم والسير والقضايا والإشكالات في كليتها وفي إطار سياقاتها التاريخية المتنوعة وهندستها الأيديولوجية اللامتناهية. إنه أشبه بنهر تتقاطع فيه الأنهار والوديان، لكن مع الحفاظ على شرط كل مرحلة أو مفهوم أو كتاب أو سفر، لكن في كتاباته عن بعض أدباء اللغة الإسبانية، تبدو الكتابة ضرباً من العشق الجنوني، بحكم العلاقة الساحرة التي طبعت الشاوي مع هذه اللغة وموروثها الثقافي، والتي قادته، من كونه سجيناً سياسياً إلى سفير دبلوماسي رسمي في بلاد بابلو نيرودا.

يختلف كتاب "الأنوار والكواكب" بشكل قاطع عن مجمل مؤلفات الشاوي، لكنه كتاب يتقاطع من ناحية الشكل مع "الوعي المغاربي وأزمة الديمقراطية"، حيث يروم المؤلف إلى شكل المقالة السياسية/ الفكرية، بكل ما تحبل به من آفاق على مستوى حرية التعبير وتجعل الكتابة تتحرر تدريجاً من الأنساق الأكاديمية وتعطي أهمية كبرى للذات في تأمل واقعها واستعادة ذاكرتها. غير أن هذه الحرية/ الكتابة/ السفر، لا تتأتى في نظر عبدالقادر الشاوي، إلا عبر "الدخول" (القراءة) كآلية إجرائية للقبض عن حرارة التجربة وزخم المعنى. فالقراءة بهذا المعنى الذي يقترحه صاحب "الساحة الشرفية" عبارة عن عملية فكرية تعيد ترتيب الخطاب للقبض عن المعنى. ذلك أن القارئ يدهش من عنوان الكتاب "الأنوار والكواكب"، بل إن وقع الدهشة الآسرة يكبر بالآخر المتحول "حواشي أدبية" حين يتبين للقارئ، أنه مجرد مقالات ميتا نقدية ينتفي فيها عنصر التخييل. هكذا، يعمل صاحب "كان وأخواتها" (1986) على إرباكنا منذ أول صفحة في مصنفه "النقدي"، حيث يقترح علينا كقراء ضرورة الدخول في جسد الكتاب، من أجل اختبار هيكله وبنيته من الداخل، قبل إصدار أي حكم معرفي عن المؤلف وصاحبه.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة