Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مهرجان السينما الفلسطينية في تونس يجمع الأجيال

افلام تمثل سرديات بصرية عن ذاكرة المكان وآلامه وآماله

من فيلم "أحلام عابرة" للمخرج رشيد مشهراوي (ملف الفيلم)

ملخص

في قاعة الريو بالعاصمة تونس انطلقت الدورة الأولى من مهرجان السينما الفلسطينية، وتمتد 10 أيام، وبدت لحظة الافتتاح أقرب إلى بيان ثقافي منها إلى مجرد تدشين تظاهرة سينمائية.

المهرجان الذي تنظمه الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الفلسطينيين بالشراكة مع فضاء الريو، وبدعم من المركز الوطني للسينما وسواه، يقدم نفسه منذ البداية كمشروع يتجاوز عروض الأفلام إلى إعادة التفكير في الصورة. وتميز حفل الافتتاح أيضاً بعرض موسيقي قدمته الفنانة مريم العبيدي، أضفى على الحدث بعداً فنياً متكاملاً وجعل التجربة ثقافية متعددة الوسائط.

من البدايات إلى الجيل الجديد

اختيار القائمين على المهرجان إهداء هذه الدورة إلى روح إسماعيل الجنيدي، المحامي الفلسطيني الذي اختار تونس وطناً ثانياً، يمنح التظاهرة بعداً رمزياً مضاعفاً، فيما يكرس حضور ميشيل خليفي كضيف شرف، مع ماستر كلاس وعروض لأعماله، فكرة العودة إلى الجذور من دون الانفصال عن الحاضر. أما الشعار "ثمة شيء يبنى... ليس احتفالاً بل ضرورة"، فيبدو مفتاحاً لقراءة هذا الحدث الذي يصر على أن السينما، هنا، ليست ترفاً بل حاجة.

يركز المهرجان على تقديم صورة مركبة للسينما الفلسطينية تتجاوز الاختزال وتحتفي بالتعدد، من خلال سبعة أقسام مختلفة تشمل أفلام البدايات لأسماء مثل مصطفى أبو علي وقيس الزبيدي، وصولاً إلى أعمال الجيل الجديد. هذا التنوع يعكس قناعة المنظمين بأن السينما الفلسطينية ليست خطاباً موحداً، بل مجموعة سرديات تتقاطع أحياناً وتتناقض أحياناً أخرى، لكنها جميعها تشكل ذاكرة بصرية حية.

إضافة إلى ذلك، تشمل البرمجة مجموعة واسعة من الأفلام على مدار أيام المهرجان، لتغطي تجربة المقاومة الفلسطينية بأبعادها المختلفة. الإثنين المقبل، يُعاد تقديم أفلام مثل "نشيد الحجر" و"الذاكرة الخصبة"، فيما يخصص الثلاثاء المقبل لعرض "الطريق 181" مرتين. والأربعاء المقبل يشهد عروضاً متنوعة منها "الزواج المختلط في الأراضي المقدسة" و"معلول تحتفل بدمارها" لخليفي، إضافة إلى "أشباح مألوفة" للاريسا صنصور و"يوميات سماء" للورنس أبو حمدان.

تستمر البرمجة الخميس المقبل بأشرطة قصيرة وعرضين للمخرج رشيد مشهراوي هما "من النقطة صفر" و"أحلام عابرة"، بينما يشهد الجمعة المقبل عروضاً مثل "مائة وجه ليوم واحد" لكريستيان غازي و"الفيلم عمل فدائي" لكمال الجعفري و"غزة التي تطل على البحر" لمحمود نبيل أحمد. والسبت الـ11 من أبريل (نيسان) الجاري يتابع الجمهور فيلمي "تقسيم" لديانا علان و"السترة"، إلى جانب مجموعة أفلام قصيرة و"غزة يا حبي" لعرب وطرزان ناصر، أما الأحد الـ12 من أبريل الجاري، فيُسدل الستار على الدورة الأولى بعرض "طريق البحر إلى غزة"، بعد مجموعة أفلام بينها "يشرقون" و"الحرب في داخلنا" و"أصداء".

إلى جانب ذلك، يبرز قسم "لقاء بين جيلين" كأحد أهم محاور المهرجان، إذ يلتقي المخرج الفلسطيني المخضرم ميشيل خليفي بمخرج شاب في حوار مباشر يسمح بنقل الخبرة السينمائية وفتح نقاش حي حول إعادة قراءة وصياغة الأفلام.

السينما فعل مقاومة رمزية

تركز برمجة المهرجان على أفلام تعكس تجربة المقاومة الفلسطينية من منظور يومي وإنساني، بعيداً من الخطابات المباشرة والشعارات. الأفلام المعروضة، سواء كانت وثائقية أو روائية أو تجريبية، تعمل على إعادة بناء الحكاية الفلسطينية من زوايا متعددة، مع التركيز على التفاصيل الصغيرة التي تمنح المشهد بعداً إنسانياً عميقاً. بذلك، تتحول السينما إلى أداة لفهم الواقع وليس مجرد تسجيل له.

ويعزز هذا التوجه حضور أفلام من غزة تعكس تجربة المواطنين اليومية، مع مراعاة عدم الاكتفاء بالصور الصادمة، بل البحث عن الإنسان داخل المشهد على رغم ظروف الحرب.

 هذه التفاصيل الصغيرة تسهم في تقديم قراءة أعمق للصراع، وتوضح كيف تستمر الحياة على رغم التحديات. فالأفلام المعروضة تنتمي، بصورة أو بأخرى، إلى ما يمكن تسميته "سينما المقاومة"، ولكنها مقاومة تتجاوز الخطاب المباشر. لا شعارات هنا بقدر ما هناك محاولة لفهم الواقع عبر الصور... فلسطين لا تقدم كقضية مجردة، بل كحياة يومية: علاقات، وذاكرة، وأصوات تتقاطع في فضاء معقد. هذا التوجه يعكس رؤية المنظمين الذين يرون في السينما وسيلة قادرة على تجاوز الحواجز اللغوية، والوصول إلى جوهر التجربة الإنسانية.

يُميز الدورة الأولى لمهرجان السينما الفلسطينية في تونس أنها لا تكتفي بعرض الأفلام، بل تسعى إلى خلق تجربة ثقافية متكاملة تتجاوز حدود الشاشة. ويظهر هذا بصورة واضحة من خلال تنظيم ماستر كلاس يشرف عليه المخرج الفلسطيني ميشيل خليفي، ولقاءات حوارية تجمع بين مخرجين من أجيال مختلفة، إضافة إلى معارض فنية وتنصيبات بصرية تحول فضاء الريو إلى مختبر للتجربة الفنية. هذه الفعاليات لا تهدف فقط إلى مشاهدة الأفلام، بل إلى فهمها ومناقشتها وإعادة النظر في أدوارها الثقافية والاجتماعية، مما يعكس اهتمام المهرجان بتقديم تجربة غنية تتجاوز مجرد العرض السينمائي.

في تصريح له أكد عضو الهيئة المديرة للمهرجان ومدير فضاء الريو بالعاصمة تونس، الحبيب بالهادي، أن اختيار هذا المكان لاستضافة التظاهرة يعكس التزام الإدارة بتحويله إلى مركز حي للتفاعل الثقافي، إذ تتقاطع السينما مع الفنون البصرية والموسيقى، ويصبح المتفرج جزءاً من التجربة وليس مجرد متلقٍ. وأضاف أن الفضاء يوفر إطاراً للتبادل بين مخرجين من الداخل الفلسطيني ومن الشتات، وحتى من متضامنين غير فلسطينيين، مما يوسع أفق النقاش ويؤكد أن السينما هنا ليست منتجاً يعرض، بل منصة للحوار والتفاعل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يبرز هذا البعد التفاعلي خصوصية المهرجان، فهو يربط الصورة بالواقع، والفن بالتجربة الإنسانية، ويتيح للمتابعين فرصة التفاعل مع صناع السينما الفلسطينية بصورة مباشرة. من خلال هذه التجربة، يتحول فضاء الريو إلى مكان يمزج بين الذاكرة والفعل، وبين العرض والنقاش، ويؤكد أن الثقافة يمكن أن تكون فعل تضامن ملموساً.

مع انطلاق الدورة الأولى للمهرجان، يبدو واضحاً منذ افتتاحه أن الحدث أكثر من مجرد عروض سينمائية، إنه تجربة ثقافية متكاملة تتجاوز الشاشة لتصبح مساحة للتفاعل والمعرفة والمقاومة الرمزية. من خلال لقاءات الأجيال والمعارض البصرية والعروض الموسيقية، يقدم المهرجان للجمهور فرصة للاطلاع على السينما الفلسطينية بكل تعددها وثرائها، ومواكبة تجربة المقاومة الإنسانية من منظور يومي.

ومع استمرار الأيام المقبلة، يفتح المهرجان أبوابه ليجعل السينما الفلسطينية حواراً مستمراً، ومساحة لفهم أعمق وتجربة حية تعيد صياغة علاقتنا بالواقع وبالصورة، وتؤكد أن الفن قادر على تجاوز الحدود وأن السينما فعل حياة ومقاومة مستمرة، تماماً كما يردد شعار المهرجان: "ثمة شيء يبنى... ليس احتفالاً بل ضرورة".

اقرأ المزيد

المزيد من سينما