Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مساعٍ لعقد مصالحة وطنية سورية شاملة

لا يمكن مقاربة بناء السلام بمعزل عن برنامج متدرج يحول القضايا والتوصيات المحلية إلى مسار استراتيجي

جمعت الحسكة ناشطين من مناطق سورية مختلفة بغية البحث في آلية مجتمعية لعقد مصالحة وطنية شاملة في البلاد (اندبندنت عربية)

ملخص

تعتمد الآلية المتفق عليها بين الناشطين المدنيين المشاركين في هذه الاجتماعات على 10 مبادئ جوهرية استخلصت من الواقع السوري وتحليلات وتوصيات المجتمعات المحلية التي عرضت قضاياها في هذه الجلسات، وتبدأ بمبدأ الشمولية وعدم التمييز أو الإقصاء من خلال إلزام الآلية مبدأ المساواة الكاملة بين جميع الضحايا، من دون أي تمييز مكاني أو زماني أو سياسي أو هوياتي، كذلك تعتبر الضحايا وعائلاتهم شركاء أساسيين في تصميم السياسات وتحديد الأولويات، بوصفهم أصحاب حقوق وفاعلين رئيسين لا مجرد مستفيدين من البرامج.

يسعى ناشطون ومهتمون بالشأن العام السوري إلى توسيع دائرة المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية على رغم إعلان الحكومة السورية تأسيس هيئة العدالة الانتقالية، ويجهد هؤلاء لإنشاء آلية تحقق العدالة على مستويات عدة قد لا تطاولها الهيئة المحدثة سواء من ناحية القضايا أو الولاية الزمنية التي لا تشمل الانتهاكات المرتكبة في حق السوريين سواء من ناحية الجهة المرتكبة أو الفترة التي حدثت فيها. وخلال الأشهر الماضية التأم ما يزيد على 1000 ناشط سوري في عدد من المناطق السورية من طريق منتديات ومؤتمرات ناقشوا فيها تشكيل آلية وطنية جامعة "لبناء السلام القائم على التعامل مع الماضي" عبر تنفيذ سلسلة من المشاورات والجلسات التعريفية والمؤتمرات المناطقية التي امتدت من مايو (أيار) عام 2025 حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، وتناولت مفهوم التعامل مع الماضي وأدواره المحتملة في دعم السلام المستدام في السياق السوري.

وتركزت الاجتماعات والورشات التدريبية في القامشلي والحسكة وإدلب ودير الزور والرقة وحلب وكوباني (عين العرب)، وشارك فيها سياسيون، ومتخصصو قانون، وأكاديميون، وشيوخ، وشخصيات اعتبارية، وروابط ضحايا وناجين، وقدم هؤلاء المشاركون قضاياهم المحلية وصاغوا توصيات موجهة إلى الداخل والخارج وفق ما تضمنته الورقة الصادرة في المؤتمر الختامي الذي عقد في الحسكة الأسبوع الماضي.

وبحسب القائمين على تنظيم هذه الآلية من خلال المؤتمر فإنه لا يمكن مقاربة بناء السلام بمعزل عن برنامج وطني متدرج يحول القضايا والتوصيات المحلية إلى مسار استراتيجي لبناء السلام "السلام القائم على التعامل مع الماضي، ذلك المفهوم الذي يدمج بين العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية والتعافي المجتمعي ضمن إطار واحد متكامل".

مبادئ أساسية

تعتمد الآلية المتفق عليها بين الناشطين المدنيين المشاركين في هذه الاجتماعات على 10 مبادئ جوهرية استخلصت من الواقع السوري وتحليلات وتوصيات المجتمعات المحلية التي عرضت قضاياها في هذه الجلسات، وتبدأ بمبدأ الشمولية وعدم التمييز أو الإقصاء من خلال إلزام الآلية مبدأ المساواة الكاملة بين جميع الضحايا، من دون أي تمييز مكاني أو زماني أو سياسي أو هوياتي، كذلك تعتبر الضحايا وعائلاتهم شركاء أساسيين في تصميم السياسات وتحديد الأولويات، بوصفهم أصحاب حقوق وفاعلين رئيسين لا مجرد مستفيدين من البرامج، وعلى أن تضمن الآلية إشراكهم المنظم في صياغة مسارات الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، مع توفير الحماية القانونية والنفسية اللازمة لهم، تضاف إليها الشفافية والحق في المعرفة والإفصاح المنهجي عن تحضيراتها وإجراءاتها ونتائج أعمالها، وبصورة خاصة لمجتمع الضحايا، ثم للمجتمعات المحلية وسائر المعنيين، ويخضع أداؤها لمعايير واضحة للمساءلة المؤسسية.

التمييز بين العدالة والمصالحة

ويعمل الناشطون على أن تكون آلية السلام القائم على التعامل مع الماضي مرنة وقابلة للتعديل والتطوير أثناء التنفيذ، مع تقييمات دورية لإعادة توجيه الاستراتيجيات وجعلها أكثر تأثيراً، والتشديد على الفصل الوظيفي للمسارات، كالتميز وظيفياً بين العدالة الجنائية (المحاسبة والمحاكمة) والعدالة التصالحية لتجنب تسييس ملفات الضحايا مع ضمان تكاملهما، واعتبار الآليات القضائية ضرورة مرحلية في الفترة الانتقالية، والتأكيد أن "الآليات غير القضائية استراتيجية ملحة وطويلة الأجل وأساسية لبناء مصالحة وطنية شاملة وتعافٍ مجتمعي مستدام لا خيار ثانوياً يمكن اللجوء إليه لاحقاً".

وتشكل القضايا المختلفة والمتنوعة في السياق السوري أحد تعقيدات المشهد في العملية الانتقالية، وعليه فإن مبدأ "لا تماثل/ لا تناظر المسارات"، يعد أساساً في سلسلة المبادئ المتبناة "مما يستدعي حلولاً مرنة ومصممة بحسب الخصوصيات المحلية، مع الحفاظ على إطار وطني جامع يسهم في بناء سردية مشتركة ومتوازنة للوقائع، ويعزز الفهم المتبادل ويحد من إعادة إنتاج الانقسام."

غير قابلة للتسييس

ولفت القائمون على آلية المصالحة الوطنية القائمة على التعامل مع الماضي النظر إلى تحييد مسائل حيوية بالنسبة إلى السوريين وخارج نطاق المساءلة كالمياه والتعليم والصحة، واعتبارها حقوقاً غير قابلة للمساومة أو التسييس في أي مسار للعدالة أو المصالحة.

وينظر إلى التهميش التنموي بوصفه صورة من صور العنف الهيكلي الذي يستوجب جبر ضرر تنموي عادل، إضافة إلى معالجة الأسباب البنيوية للنزاع، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وكذلك مبدأ التكامل الوطني للمسارات، أي ربط الآليات المحلية بإطار وطني شامل يحقق تكامل المسارات المجتمعية مع المسار الرسمي، لكن بشرط وجوب تمتع الآلية باستقلال مالي وإداري كامل عن السلطات التنفيذية والأمنية، بما يضمن حيادها ونزاهتها، ويحصنها من التوظيف السياسي في التعيين أو التمويل أو اتخاذ القرار. وفي الوقت ذاته تتطلب فعالية الآلية تبنياً وطنياً رسمياً عبر قرارات صادرة عن مؤسسات سيادية تلزم السلطات التعاون مع الآلية وتنفيذ توصياتها، كما جاء في ختام المبادئ المتبناة، الشراكة والدعم الدولي من خلال تأسيس الآلية لشراكة فاعلة مع المجتمع الدولي تقوم على دعم حقوق الضحايا في المعرفة والعدالة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار، مع احترام القيادة المجتمعية والسيادة الوطنية.

وبحسب الناشطين ولضمان الانتقال إلى التطبيق العملي تقترح الورقة تأسيس بنية مؤسساتية وطنية مستقلة قائمة على المجتمع، وتعمل بالتنسيق مع مسارات العدالة الحالية المتمثلة بهيئة العدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين من خلال هيئة المصالحة الوطنية، لتعمل على تنفيذ العدالة التصالحية غير القضائية من خلال ثلاث لجان رئيسة، وهي لجنة الحقيقة وجبر الضرر، ولجنة العدالة والمصالحة، ولجنة الحقوق وسيادة القانون، إلى جانب اقتراح تأسيس صندوق المصالحة والتعافي ككيان مالي مستقل، يهدف إلى ضمان استدامة عمليات بناء السلام وتشغيل هيئة المصالحة الوطنية، ويعتمد الصندوق تعددية مصادر التمويل ويتمتع بآلية حوكمة شفافة قائمة على المساءلة والرقابة وفق الاقتراح.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التكامل مع الآليات الوطنية

وتعمد الفكرة الرئيسة في هذا الطرح السوري المدني على تفعيل الآليات المجتمعية المتوافرة، وبحسب مدير منظمة التعاون الإنمائي، المشرفة على المؤتمر، بلند ملا، فإن تفعيل الآليات المجتمعية تحتاج إلى مقاومات "أهمها التوافق المجتمعي على مبادئ أساسية للآلية المدنية أو المجتمعية المطروحة في المؤتمر، وثانياً هي أن تبدأ بتحويل الذاكرة إلى مؤسسات، أي أن تبني هياكلها المجتمعية من لجان كشف الحقيقة وجبر الضرر، وأن تتناول قضاياها بالتكامل مع الآليات الوطنية"، وشدد على وجوب التكامل مع الآليات الوطنية في سوريا التي يجب أن تكلل بالرعاية الدولية.

وأضافت ملا أن "مجموعة من المعوقات تعترض سياق العدالة الانتقالية في سوريا، أبرزها معوقات في بنية هيئة العدالة الانتقالية المشكلة من قبل الحكومة"، وبحسب قوله "فهي بنيت معكوسة، وتشكلت من خلال مرسوم رئاسي وتم تعيين الأشخاص، إضافة إلى عدم وجود قانون ناظم للهيئة لعدم وجود برلمان سوري، وكما أن القانون السوري هو قانون جنائي، ليس هناك قانون حرب أو قانون يتعامل مع جرائم الحرب أو جرائم ضد الإنسانية فهذه كلها معوقات بنيوية".

وأشار مدير منظمة التعاون الانمائي إلى "أن معوقات أخرى سياقية تعتري سبيل العملية، فنحن في دورة عنف في سوريا، وهناك ملفات تضاف إلى السابق وتغذي إرث الانتهاكات، إضافة إلى دمج المنتهكين في مؤسسات الدولة ليصبحوا أصحاب قرار، وهؤلاء يشكلون عقبة أمام تقدم ملفات العدالة في السورية".

دور العشائر

في المحافظات الشرقية يبرز دور كبير للعشائر كإطار مجتمعي قد يسهم في تحقيق السلام داخل المجتمعات المحلية وعموم البلاد، لكن سجالاً كبيراً شهده هذا الدور، لا سيما مع أحداث وسياقات اقتتال داخلي قبل سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، بخاصة في مناطق سيطرة المعارضة السورية، وكذلك "قوات سوريا الديمقراطية" مع استخدام النظام العشائري كواجهة لتثبيت سلطته، وفي قتل السوريين أيضاً، إضافة إلى الأحداث التي شهدتها مناطق سورية بعد سقوط الأسد.

وفي سياق إمكان أداء العشائر السورية دوراً في تحقيق المصالحة الداخلية، قال مستشار قبيلة "الجبور" أكرم محشوش إن المجتمع المدني بما فيه العشائر "يريد قطع الطريق على التحريض والفتنة ومواجهة خطاب الكراهية الذي تتبناه بعض وسائل الإعلام، وبعض الحسابات في وسائل التواصل الاجتماعي"، مشدداً على أن "ثمة واجبات ملقاة على عاتق السلطة وأن العشائر لا يمكن أن تنوب عنها أو تكون حاملة للسلاح"، بل يجب أن تكون صمام الأمان في المجتمع "وعليه يجب أن تحاسب الدولة أي شخص من العشائر يقوم بدور الدولة في المجتمع".

ولفت إلى أن العشائر يمكن أن تقوم بدور فعلي في مسارات تعزيز السلم الأهلي، "بخاصة أن العشائر لها علاقات وارتباطات اجتماعية في عموم البلاد".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات