Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروائي جاك لندن: أفضل أن أكون رمادا لا غبارا

الولايات المتحدة تحتفي بذكرى الروائي الرائد الذي جسد ثورة الحداثة السردية

الروائي الأميركي جاك لندن (أ ب)

ملخص

تحتفي المؤسسات الثقافية والجامعات في الولايات المتحدة بالذكرى الـ150 لميلاد جاك لندن (1876-1916)، الكاتب الأميركي الذي روّض صقيع البرية وتحدى غريزة الافتراس، ليصبح أحد أكثر الوجوه إثارة للجدل في التاريخ الأدبي.

لعل فرادة جاك لندن لا تكمن في خشونة عوالمه ومغامراته وحسب، بل في قدرته الفريدة على تجسيد "الحلم الأميركي" في أكثر صوره اندفاعاً وجموحاً، داخل نصوصه وخارجها. لقد كان تصويراً حياً للإرادة الإنسانية في ذروة تناقضاتها، شخصية تراجيدية بامتياز، تشحن قارئها بمزيج من القسوة والحنو، من اليأس والجسارة. وما إن يظن القارئ أنه استقر على وجه، حتى يتناهى إليه، من مكان سحيق وقريب كحبل الوريد، "نداء البرية".

من أرصفة البؤس إلى دفة القيادة

لا يولد المرء بعضلة جاهزة من فولاذ، بل تصهره الحياة في أتونها، بدءاً من الطفولة المحرومة التي تضع أصحابها أمام مفترق حتمي، إما هشاشة نفسية تذيب القلوب كالشمع، وإما حواس مشحوذة بقسوة على صخرة الواقع.

من رحم هذا المخاض، خرج جاك لندن إلى الدنيا، طفلاً رفض والده المنجم المتجول الاعتراف بنسبه، وأم تائهة تعمل في تحضير الأرواح حاولت الانتحار مراراً تحت وطأة التخلي. في سن الـ10، كان جاك يخوض معركته الأولى ضد العوز على أرصفة الشوارع، مستعيداً تلك الأيام في مذكراته بمرارة "وأنا في الـ10 من العمر صرت أبيع الجرائد في الشوارع، وكنت أعطي كل النقود للأسرة. وفي كل مرة أذهب فيها إلى المدرسة، كنت أخجل من قبعتي وملابسي وحذائي المهترئ. كنت أنهض في الثالثة صباحاً كي أتسلم الجرائد، وبعد بيعها أتوجه مباشرة إلى المدرسة، وبعد المدرسة أبيع جرائد المساء...".

لاحقاً، انتقل من رصيف الجرائد إلى جحيم المصانع، ليعمل بدوامات تراوح ما بين 12 و18 ساعة يومياً، غير أن نداء الطبيعة الكامن في عروقه سرعان ما أغراه بالفرار نحو البحار على متن سفينة صيد، ليدخل مع "قراصنة المحار" في مغامرات مشبوهة، لم يرَ فيها مراهق متمرد سوى حياة أفضل بمراحل من التيبس خلف الآلات. وعند شواطئ اليابان، ضربت السفينة عاصفة هوجاء (تايفون) كادت تبتلعهم، فعُهد إلى جاك بمسؤولية إمساك دفة القيادة وسط أمواج جبلية لحماية أرواح 22 بحاراً. ولحسن حظه، حقق الفتى بطولته الأولى على مسرح الحياة، ليكتب عنها لاحقاً بنشوة طاغية "لم تكُن فرحتي لأن 22 رجلاً عرفوا أنني أنقذتهم، بل لأنني فعلتها بنفسي، كان الفخر يتخلل كل ليفة في جسدي".

طوق النجاة

لم تنتفخ أوداج الفخر لديه طويلاً، إذ سرعان ما أعادته يد الواقع للعمل بالسخرة، مواصلاً الكدح داخل مصنع للنسيج في مدينة أوكلاند لـ13 ساعة يومياً مقابل قروش زهيدة. ظل الأمر كما هو عليه، إلى أن دفعته والدته للمشاركة في مسابقة للكتابة أعلنت عنها جريدة "سان فرانسيسكو كول"، ملوحة بجائزة قدرها 25 دولاراً، وهو مبلغ كان يقترب من أجر شهر كامل في دهاليز المصانع.

بعد نوبة عمل طويلة، جلس لندن يكتب قصته، مستقطعاً السطور من لحم الليل بفناجين سوداء من القهوة. ومن الإرهاق المزمن، وُلد نص من ألفي كلمة بعنوان "إعصار قبالة سواحل اليابان"، ليفوز بالمركز الأول متغلباً على نصوص طلاب آتين من أرقى الجامعات التي لطالما حلم بالالتحاق بها.

بين تلك الانتصارات الصغيرة، ظل العمل الشاق يفرض نفسه كمصير لا فكاك منه، فاشتغل وقّاداً يلقم أفران محطة كهربائية بالفحم، قبل أن تقذف به الظروف إلى الرصيف إثر تسريحه، ليتحول من القتال مع الآلات الصماء إلى قتال الجوع الضاري، وينضم جندياً إلى "جيش كيلي"، ذلك الزحف البشري المهيب لآلاف العاطلين الذين ساروا على أقدامهم نحو واشنطن، بحثاً عن الخبز والكرامة المهدورة.

عام 1894، اقتيد لندن إلى سجن مقاطعة "إيري" في بوفالو بنيويورك، ليقضي 30 يوماً وراء القضبان بتهمة "التشرد". وعن هذه التجربة الأكثر قسوة من كل ما خبره، كتب لاحقاً في "الطريق"، "كانت المعاملة السيئة مجرد واحدة من أهوال سجن مقاطعة ’إيري‘ التي لا يمكن ذكرها بتاتاً، بل ومن الإنصاف أن أقول أيضاً إنها ’لا يمكن وصفها‘. كانت هذه الفظائع لا تُصدق بالنسبة لي حتى رأيتها بأم عيني، على رغم أنني لم أكُن حديث العهد بأمور الدنيا أو بهاوية الانحطاط البشري. يتطلب الأمر انحداراً سحيقاً للوصول إلى قاع ذلك السجن، وما أذكره هنا ليس إلا لمحة عابرة ساخرة عما عشته هناك".

جري الوحوش

ما إن تفجرت "حمّى الذهب" في عروق الأرض، حتى تدفق آلاف المغامرين نحو المجهول. هجروا حقولهم واستقرارهم الوظيفي، مدفوعين بهوس أعمى ألقى بهم في أتون البرية العذراء. كان لندن أحد هؤلاء الذين زحفوا نحو براري كلوندايك المتجمدة في كندا، حيث كان حلم الثراء يلمع في أعينهم على نحو مخيف.  

وأسفرت تلك الملحمة المجنونة عن مفارقة ساخرة، فبينما كان الكادحون يحفرون الصخر بأظافرهم وفؤوسهم في زمهرير يقترب من 50 درجة تحت الصفر، فطنت العقول الأكثر دهاءً إلى وسيلة أخرى لاقتناص الثروة من دون أن تلوث يديها بالتراب. وفي طليعة هؤلاء، برز المهاجر الألماني فريدريش ترمب، الجد الأكبر للرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي وضع هناك حجر الأساس المتين لثروة عائلته الأسطورية.

ولم ينقب ترمب قط عن الذهب، بل افتتح برفقة شريك له فندق ومطعم "الآركتيك" على طريق الحالمين بالثراء. وهناك، شرع في تفريغ جيوبهم عبر تقديم الدفء والمأوى ووجبات لحوم الغزلان بأسعار فلكية، إذ كان المغتربون في ذلك الصقيع المرعب مستعدين لدفع كل ما يملكون لاسترداد أنفاس الحياة. وهكذا، خرج ترمب من صقيع الشمال محملاً بثروة طائلة، عاد بها صوب المدن الكبرى ليدشن أولى استثماراته العقارية، مبرهناً على أن من ربح الذهب حقاً لم يكُن الأكثر شقاء، بل الأكثر ذكاء في قنص الأحلام.

"جئت أحدثكم عن الفشل"

في وقت جمع ترمب الذهب الأصفر من جيوب المغامرين، عاد جاك لندن محملاً بشيء مدهش اسمه "خيبة الأمل"، فضلاً عن حفنة من الأمراض أدت إلى تساقط أسنانه. ومن رحم تلك الكارثة، اندفع صقيع الشمال وعواء الذئاب وقوانين الافتراس لتشكل تفاصيل روايته "نداء البرية" (1903) التي جعلت منه واحداً من أبرز رواد "المذهب الطبيعي" في الأدب الأميركي، محولاً تجربته القاسية إلى تطبيق حي لمبدأ "الحتمية البيئية" ونظريات داروين حول "البقاء للأصلح". فها هو "باك"، الكلب الأليف الذي تربى على النوم وديعاً تحت قدمي سيده وهو يتثاءب إلى جوار المدفأة في كاليفورنيا، تلقي به الأقدار في أيدي المغامرين الجدد وصيادي الذهب وسط الجليد. وعلى مدى فصول الرواية، يتنقل "باك" من يد إلى يد، في بيئة ثلجية تجمد الأوصال، وسط كلاب ومفترسين من سلالات أكثر شراسة، لكن غريزة البقاء وحدها رفعت لديه قدرة التكيف إلى أقصى درجاتها، ليذهلنا قرب نهاية الرواية بنسخة رهيبة من كلب الجنوب الوديع. وبعد مقتل سيده الأخير الذي أحبه على يد الهنود، يقطع "باك" خيطه الأخير مع عالم البشر، فلم يعُد هناك ما يمنعه من الانطلاق وسط الغابات، ملبياً نداء البرية مع أسلافه الذئاب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في "الناب الأبيض"، ينكص لندن على عقبيه ليقدم الوجه الآخر للعملة، فبدلاً من ارتداد الكلب الأليف إلى أصله الذئبي، يسلك ذئب هجين المسار العكسي تماماً، منتقلاً من التوحش وصقيع البرية إلى دفء المدينة والحياة الاجتماعية بتأثير الحب والتضحية. ويكشف هذا التراوح والتردد بين التوحش والألفة، عن ذلك القلق الوجودي الذي سكن لندن مبكراً، قلق الهوية والصراع بين نداء الفطرة وقوانين الحضارة، وهو الصراع الذي قد يستشري في النفس حتى يفقدها توازنها تماماً.

وفي الحالتين، ظلت شخصيات لندن البارزة، سواء كانت حيوانية كالكلب "باك" أو بشرية كالبحار "ولف لارسن" في رواية "ذئب البحر"، تجسيداً لفكرة نيتشه عن "الإنسان المتفوق"، ذلك الكائن الذي تفتقت عروقه عن نهم غامض وغريزة سيادية تفرض السيطرة المطلقة على محيطها وشركائها في القطيع.

ولم يكتفِ لندن بتطبيق قناعته الجديدة في رواياته، إذ طبق ذلك عملياً بأن تزوج باسي مارديرن عام 1900 بعد أن اتفق الطرفان على الارتباط ليس بدافع الحب، بل انطلاقاً من الرغبة في "إنتاج نسل قوي وأطفال أصحاء بنيوياً".

صاغ جاك رؤيته تلك في روايته المشتركة "رسائل كمبتون-ويس"، مدافعاً من خلالها عن التفسير العلمي القائم على النشوء والارتقاء في تفسير العلاقات الإنسانية. ولم يقتصر جفاؤه العلمي على العواطف، بل امتد ليزدري الأخلاق والتقاليد المجتمعية، معتبراً إياها مجرد مظاهر لضعف الحيوية، وكان يخبر زوجته متهكماً بأن "الأخلاق والفضيلة ليستا سوى دليل على انخفاض ضغط الدم".

أطلال بيت الذئب

كتب لندن أكثر من 50 كتاباً ومئات المقالات، باحثاً في كل سطر عن إجابة لسر الوجود وصراع البقاء بعد هذا الاندفاع الجنوني لعيش الحياة بأقصى طاقة ممكنة، مما جعله يخوض في 40 عاماً ما يعجز بشر عن خوضه في قرن كامل. لكن الطموح الهائل يحمل في طياته بذور فنائه. فالجسد الذي أنهكته المغامرات في صغره، والروح التي لم تجد سلامها على رغم الشهرة والثروة الطائلة، وصلا إلى نقطة الانفجار مبكراً.

وفي الـ22 من نوفمبر عام 1916، وتحت سقف "شرفة النوم" في كوخه بكاليفورنيا، تحت وطأة أمراض شرسة ثمناً لمغامراته، من إسقربوط الصقيع إلى أوبئة جزر الاستواء، وصولاً إلى الفشل الكلوي الحاد وإدمان الكحول، رحل بجرعة زائدة من المورفين.

اليوم، في ذكرى ميلاده الـ150، تتحول أطلال "بيت الذئب" ومزرعته الشاسعة إلى مسرح للاحتفاليات الدولية. هناك، تحت ظلال أشجار الريدوود العملاقة، يلتقي عشاق الأدب من كل حدب وصوب، وتُقام العروض المسرحية لتجسيد روائعه وسط الطبيعة، وتتعالى أصوات القراءات الحية لقصصه حول مواقد النار التي تحاكي ليل كلوندايك البارد، بينما تنطلق جولات الاستكشاف لتقفي آثار الذئاب كما خطها بقلمه.

ومن مفارقات القدر أن هذا المكان الذي يشهد اليوم تدفق أموال السياحة والاستثمار الثقافي، يخلد ذكرى الكاتب الذي حارب الرأسمالية بفكره الاشتراكي، ليصبح في الوقت نفسه أحد رموزها! المغامر الذي عاد يوماً كـتشارلي تشابلن بخفي حنين، في فيلمه الشهير "حمى الذهب" 1925، مع ذلك لم يساوره الندم، بل ترك دستوراً للبشر يوقظ فيهم نداء البرية كلما غلبتهم الحياة أو استسلموا للدعة، "أفضل أن أكون رماداً لا غباراً! أفضل أن تنطفئ شرارتي في لهيب ساطع على أن يخنقها العفن، فوظيفة الإنسان هي أن يعيش، لا أن يوجد وحسب".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة