Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أميركا وإسرائيل وإيران: الحرب الأخيرة

الفصل الأخير في السيناريو مكتوب سلفاً ولا يفيد الهرب إلى الأمام

ليس عرض التفاوض تحت النار سوى تكتيك في استراتيجية الحرب (أ ف ب)

ملخص

من المستحيل على طهران إعادة المنطقة إلى ما قبل التحولات الهائلة في حروب ما بعد "طوفان الأقصى"، وبالذات إلى ما قبل الحرب الأميركية-الإسرائيلية المشتركة. فهذه هي الحرب الأخيرة التي لا حرب كبيرة بعدها، وإن لم يتحقق السلام الشامل. وملامح النظام الأمني الإقليمي بدأت في الظهور، ومعها ملامح نظام عالمي جديد.

في مذكرات إسحاق رابين رواية معبرة جداً عن التصورات في إسرائيل والعالم العربي عشية حرب 1967 يعكسها لقاء مع زعيمه مؤسس إسرائيل ديفيد بن غوریون. قال رئيس الأركان ثم رئيس الحكومة المغتال بعد "اتفاق أوسلو" على ید صهيوني متطرف "ذهبت إلى بن غوريون لأحصل على دعمه وتشجيعه، فقال لي ’أنت أخذت الأمة إلى وضع خطر جداً. لا يجب أن تذهب إلى الحرب. نحن معزولون وأنت تتحمل المسؤولية‘". لكن الحرب انتهت خلال ستة أيام بأكبر هزيمة عربية سميت "نكسة"، إذ احتلت إسرائيل سيناء والجولان والضفة العربية بما فيها القدس.

كان رد الفعل العربي المباشر شعبياً ورسمياً مزيجاً من الشعور بالإهانة والرغبة في التحدي، بحيث وافق القادة العرب المجروحون وفي طليعتهم الرئيس جمال عبدالناصر على اللاءات الشهيرة في قمة الخرطوم "لا تفاوض، ولا صلح، ولا اعتراف". لكن السياسة الواقعية طوت اللاءات وانتقل الموقف الرسمي من تحرير فلسطين إلی "إزالة آثار العدوان"، أي استعادة ما خسره العرب عام 1967 والتسليم الضمني بما احتلته إسرائيل عام 1948. وهكذا رأينا من يفاوض ويصالح ويعترف بين "دول الطوق"، ومن يذهب إلى أبعد من ذلك وإن لم یكن له دور في الحرب أو على تماس مع إسرائيل.

وما كانت حرب أكتوبر عام 1973 من أجل تحرير فلسطين، بل من أجل إزالة آثار العدوان. حرب تحريك لا حرب تحرير. ويسجل الدكتور ويليام كوانت الذي عمل في الإدارة الأميركية أيام الرئيس ريتشارد نيكسون أن الرئيس أنور السادات بعث في اليوم التالي لبدء الحرب رسالة إلى نيكسون جاء فيها "أعلم أنه ما دامت الحرب مستمرة فنحن على طرفين متناقضين، وهو شيء لا بد منه. لكني أريدك أن تفهم لماذا ذهبت إلى الحرب. أنا لم أذهب لتدمير إسرائيل بل لتدمير المأزق. وعندما تنتهي الحرب أريد من الأميركيين أن يأتوا ويساعدوا في إيجاد حل سياسي للصراع". وهذا ما قام به الدكتور هنري كيسنجر، ثم الرئيس جيمي كارتر بعد زيارة السادات للقدس.

وهكذا تخلت الدول العربية عن الحرب الكلاسيكية تاركة للمقاومة الفلسطينية تجربة الكفاح المسلح، ثم أعلنت في قمة بيروت عام 2003 أن السلام هو الخيار الاستراتيجي تحت شعار "الأرض مقابل السلام. الانسحاب الكامل مقابل السلام الشامل".

وهكذا أمسكت الثورة الإسلامية في إيران بورقة فلسطين، وأنشأت فصائل مقاومة أيديولوجية مذهبية مسلحة ودعمت بالمال والسلاح حركتي "حماس والجهاد الإسلامي" في غزة و"أنصار الله" الحوثيين في صنعاء رافعة شعار "إزالة" إسرائيل من على الخريطة وطرد الوجود العسكري الأميركي من غرب آسيا. وبدت عملية "طوفان الأقصى" التي أذهلت العالم وزلزلت إسرائيل على يد "حماس"، حسب شعارات يحيى السنوار ومحمد ضيف، البداية العملية لحرب تحرير فلسطين.

لكن رد إسرائیل بدعم أميرکي جاء على شكل حرب إبادة في غزة، وحرب تكسير وتهجير وتفجير واغتيالات للقادة والكوادر في "حزب الله"، وحرب اغتيال القيادات وضرب البنية العسكرية والمفاعلات النووية في إيران بمشاركة أميركا. ومع أن إیران وأذرعها في غزة ولبنان والعراق واليمن تتصرف على أساس الاستمرار في إكمال المقاومة التي تركز على حرب الصواريخ والمسيرات، إلا أن اللعبة صارت أكبر منها. فالرئيس دونالد ترمب أمسك باللعبة وجمع أضخم حشد عسكري براً وبحراً وجواً في المنطقة وبدأ حرباً واسعة بمشاركة نتنياهو على إيران.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وليس عرض التفاوض تحت النار سوى تكتيك في استراتيجية الحرب. فما تطلبه أميركا في أية صفقة هو ما أرادت الحصول عليه بالقوة، إنهاء المشروع النووي بكامله والذي أنفقت عليه طهران عشرات المليارات من الدولارات، وتحملت من أجله أقسى العقوبات الأميركية والأوروبية والدولية في مجلس الأمن، وتحديد حجم البرنامج الصاروخي ومداه، والتوقف عن مد النفوذ في المنطقة كما عن تقديم السلاح والمال للفصائل المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. ومن الصعب على الجمهورية الإسلامية قبول ذلك على رغم ما خسرته في الحرب حتى اليوم، وهو كثير جداً.

 ولا يبدل في عمق اللعبة الاستراتيجية والجيوسياسية أن إيران لا تزال تملك من الصواريخ والمسيرات ما تقصف به دول الخليج وإسرائيل والقواعد العسكرية الأميركية، فالفصل الأخير في السيناريو مكتوب سلفاً. ولا يفيد الهرب إلى الأمام مما أحدثته الحرب الأميركية-الإسرائيلية التي تمثل الذروة في التحولات الهائلة، وأبرزها في المنطقة بعد ضرب "حماس" داخل غزة و"حزب الله" في لبنان وحرب الـ12 يوماً مع إيران خلال الصيف الماضي، وسقوط نظام الأسد وخسارة إيران للجسر السوري الذي انكسر وكسر معه "الهلال الشيعي" في ظل "ولاية الفقيه".

ذلك أن الحرب الكلاسيكية التي طوت القمة العربية صفحتها مع فشل المقاومة الفلسطينية في الحرب الشعبية لتحرير فلسطين قادت الأحداث في اتجاهين متعاكسين، أولهما طموح الجمهورية الإسلامية إلى مواجهة "الشيطان الأكبر" و"الشيطان الأصغر" على الطريق إلى إعادة تشكيل المنطقة تحت عباءة الولي الفقيه. وثانيهما طموح أميركا وإسرائيل إلى "تحریر" إیران من النظام أو أقله خلع أنيابه وتدمير أسلحته وكسر أذرعه وإنهاء نفوذه في الشرق الأوسط الجديد. وليس من المؤكد أن تربح أميركا کل شيء، لكن من المستحيل على طهران إعادة المنطقة إلى ما قبل التحولات الهائلة في حروب ما بعد "طوفان الأقصى"، وبالذات إلى ما قبل الحرب الأميركية-الإسرائيلية المشتركة. فهذه هي الحرب الأخيرة التي لا حرب كبيرة بعدها، وإن لم يتحقق السلام الشامل. وملامح النظام الأمني الإقليمي بدأت في الظهور، ومعها ملامح نظام عالمي جديد.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء