ملخص
إذا تمكن ترمب من قلع أنياب النظام الإيراني وتجريده من مشروعه النووي والصاروخي وقوته البحرية والجوية، وصار عاجزاً عن تقديم الخدمات الاجتماعية لأكثر من 70 في المئة من الإيرانيين، فإن إسقاطه على يد الشعب يصبح أسهل.
لا شيء يتقدم على عدم اليقين في مسار الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران. وليس أصعب على طرفي الحرب من تحديد وقت لوقف القتال سوى التأكد من حصيلة الحرب. فقبل الحرب كان "السؤال المركزي" الذي طرحه الخبير الأميركي- الإيراني الأصل كريم سادجادبور في مقال "خريف آیات الله" هو: "هل يثبت النظام الثيوقراطي أم يتحول أو ينفجر من الداخل، وأي نظام سياسي يمكن أن يتبلور؟".
ومع الضربة الأولى التي حيدت المرشد الأعلى علي خامنئي وعدداً من كبار الضباط اندفع الرئيس دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو إلى ما هو أبعد من سقوط النظام وترتيب البديل. وبعد الأيام الأولى من الحرب والتمكن من صمود النظام وقصف إسرائيل والقواعد الأميركية ودول الخليج، عاد الملالي إلى حديث النصر، واختاروا مجتبى خامنئي نجل المرشد الأعلى المغتال مرشداً أعلى مع أنه مصاب.
وأقل ما اكتشفه الشريكان الأميركي والإسرائيلي هو أن إسقاط نظام الملالي من الخارج مستحيل، وسقوطه من الداخل صعب وإن كان ممكناً.
ومهما يكن، فإن دعوة ترمب الإيرانيين إلى الانتفاض على النظام تحت نار الحرب بدت تمارين في العبث. وما أكدته تجربة الحرب في الصيف الماضي أعادت تأكيده الحرب الحالية، وهو أن وطنية المعارضين تتجاوز خلافهم مع النظام حين يكون مصير الوطن في الدق.
ولطالما قال معارضو النظام للأميركيين: الرجاء ألا تعلنوا تأييدكم لنا، لأن ذلك يضعنا في صف "الخونة" بالنسبة الى الشعب. وهو لا يزال يحفظ في ذاكرته المؤامرة التي دبرتها واشنطن ولندن لإسقاط محمد مصدق رئيس الوزراء الوطني الذي أمم النفط، وإعادة الشاه إلى العرش عام 1953. فهل يتخلى ترمب مضطراً عن شعار إسقاط النظام والعودة إلى "الاحتواء" الذي طرحه من قبل الرئيس بيل كلينتون وسماه "الاحتواء المزدوج" لإيران والعراق؟
سياسة "الاحتواء" مغرية منذ طبّقتها أميركا في بداية الحرب الباردة على السياسة تجاه الاتحاد السوفياتي بناء على نظرية الدبلوماسي الشهير جورج كينان. وكثيرون يطالبون ترمب بأن يتبع النصيحة التي قدمها السناتور إيكن في حرب فيتنام وهي: "أَعلِن النصر وانسحب". ولكن النصيحة هذه المرة متطورة. كيف؟ بالدعوة إلى الرهان على الانتفاضة من الداخل بعد نهاية الحرب. فالأكثرية الشعبية تعاني أصلاً مما اختصره مصطفى نجفي بـ"تراكم الأزمات الاقتصادية، واستنزاف رأس المال الاجتماعي واستمرار الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتزايد الاستقطاب، لا فقط على المستوى السياسي بل أيضاً على مستوى الهوية والأجيال وحتى نمط الحياة".
إذا تمكن ترمب من قلع أنياب النظام وتجريده من مشروعه النووي والصاروخي وقوته البحرية والجوية، وصار عاجزاً عن تقديم الخدمات الاجتماعية لأكثر من 70 في المئة من الإيرانيين، فإن إسقاطه على يد الشعب يصبح أسهل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن الثورة ليست نزهة، وإن شهدت إيران في القرن العشرين وحده ثلاث ثورات: الثورة الدستورية أي "المشروطة" عام 1905، تأميم النفط عام 1951، والثورة الإسلامية عام 1979. الأولى أجبرت الشاه على إعلان دستور، لكنه تجاوزه بعد ذلك. والثانية أنهاها انقلاب بقيادة الجنرال زاهدي وترتيب وكالة الاستخبارات المركزية وإعادة الشاه الهارب إلى العرش. والثالثة ضرب الإمام الخميني القوى التي شاركت فيها لاستفراد التيار المؤمن بالسلطة حيث "الدولة الإسلامية تؤام الولاية": حزب توده الشيوعي، مجاهدو خلق، تيار مصدق الوطني، تجار البازار وبعض رجال الدين وأبرزهم من كان خليفته المعين آية الله حسين منتظري.
في كتاب "ثورة وديكتاتورية: الأصول العنيفة لاستدامة السلطة" يحدد ستيفن ليفيتسكي أستاذ العلوم السياسية في كلية برنارد ولوكان واي صاحبة كتاب "دیمقراطية ودیكتاتورية في أوروبا" ثلاثة أعمدة تجعل الأنظمة السلطوية طويلة العمر. الأول هو "انسجام النخبة الحاكمة، لأن الانقسامات تهدد السلطوية". والثاني هو "أجهزة أمن قوية وموالية، لأن السلطويات تسقط تحت انتفاضة شعبية أو معارضة متحركة إذا كان الجيش وقوى الأمن غير راغبين في الدفاع عن النظام". والثالث هو "معارضة ضعيفة ومنقسمة". ويلاحظ الكاتبان أن السلطويات التي أصلها ثوري تدوم أكثر من التي تأتي بانتخابات، ويعددان فيها كوبا وإیران وفيتنام والصين.
لكن نظام الملالي لديه ما هو أکثر من الأعمدة الثلاثة. فالنخبة موزعة على مجالس مركبة تحت سلطة مطلقة للولي الفقيه. وأجهزة القمع حديدية وبالملايين. والمعارضون منقسمون ولا رمز يجمعهم. واللعبة الآن في ید الحرس الثوري الذي اختار المرشد الأعلى الجديد، ويمسك بنحو 40 في المئة من الاقتصاد. ومعظم المسؤولين الكبار کانوا في الحرس الثوري. لكن الحسابات في المرحلة الحالية من الحكم في إيران ليست كلاسيكية ولا ثورية. فالحرب، ولا سيما حرب أميرکا وإسرائيل ورد النظام، طاحون تدور: فلا يبقى فيها شيء كما كان. وأقل ما انهار في الحرب العالمية الأولى هو ثلاث إمبراطوريات: النمسوية – المجرية، الألمانية، والسلطنة العثمانية. وما ظهر هو عدد كبير من الدول في أوروبا والشرق الأوسط وشرق آسيا وأفريقيا. وما تبدل بعد الحرب العالمية الثانية ليس فقط الأنظمة والمجتمعات في البلدان المهزومة بل أيضاً الأنظمة والمجتمعات في البلدان المنتصرة.
ولا أحد يعرف المدة التي ستمر بعد نهاية الحرب قبل اندلاع انتفاضة شعبية في إيران. لكن اليقين الذي يعبر عنه الملالي حيال المستقبل يبدو مثل يقين ترمب ونتنياهو، سباحة في بحر اللايقين.