ملخص
أجبرت الحرب مع أوكرانيا، التي بدأت عام 2022، وما صاحبها من تعبئة وقمع جماعي للمعارضة، مئات الآلاف من الروس على مغادرة البلاد. وتصر السلطات على أن عديداً ممن شعروا بالخوف في البداية قد عادوا، لكنها لا تفصح عن بيانات حول حجم موجة الهجرة الأخيرة
منذ اندلاع العمليات العسكرية الشاملة في أوكرانيا عام 2022 وما تلاها من تشديد للتشريعات المحلية في روسيا وتضييق الخناق على الفضاء الإلكتروني الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، غادر مئات الآلاف من المواطنين البلاد. وكانت الأسباب الرئيسة لذلك هي التهديد بالتعبئة العامة، ومعارضة الحرب، والقيود المفروضة على الحريات المدنية، والقمع.
حدثت الهجرة من روسيا منذ اندلاع الحرب مع أوكرانيا على شكل موجات، حيث تغيرت شعبية البلدان تبعاً لسهولة الدخول والحصول على تصريح إقامة والمواقف تجاه الروس.
لماذا يهاجر الروس من بلادهم الغنية بالثروات؟
أجبرت الحرب مع أوكرانيا، التي بدأت عام 2022، وما صاحبها من تعبئة وقمع جماعي للمعارضة، مئات الآلاف من الروس على مغادرة البلاد. وتصر السلطات على أن عديداً ممن شعروا بالخوف في البداية قد عادوا، لكنها لا تفصح عن بيانات حول حجم موجة الهجرة الأخيرة. بعد مرور أكثر من أربع سنوات على بدء الحرب، ونشر الدول المستضيفة كمية كبيرة من البيانات، يمكننا القول بثقة، إن ما لا يقل عن مليون شخص غادروا روسيا ولم يعودوا أبداً.
لا تفصح روسيا رسمياً عن عدد مواطنيها الذين غادروا البلاد بعد الـ24 من فبراير (شباط) 2022 ولم يعودوا بعد. ولا تعكس البيانات الصادرة عن مختلف الوكالات الصورة الحقيقية.
فعلى سبيل المثال، لا تظهر البيانات التي يتم الاستشهاد بها على نطاق واسع من جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (الاستخبارات) إلا عدد المرات التي يعبر فيها شخص واحد الحدود الروسية، والتي قد يكون للشخص الواحد مرات عدة.
وكذلك لا تشمل بيانات وزارة الداخلية الروسية في شأن عدد تصاريح الإقامة الصادرة للروس إلا الحالات التي أبلغ فيها الروس طواعية عن تسلمهم وثائق أجنبية. ولا يعد هذا الأمر إلزامياً لمن غادروا روسيا ولم يعودوا إليها قط.
لتحديد العدد الدقيق للروس الذين قرروا الهجرة فعلياً، يمكن الاعتماد على تحليل الإحصاءات من كل دولة مضيفة. في كثير من الحالات، لم تنشر أي أرقام خلال الأعوام الثلاثة الماضية، حين كانت الهجرة لا تزال مستمرة.
لاحتساب عدد المواطنين الروس الذين لم يغادروا البلاد فحسب، بل استقروا في المنافي وبقوا يعيشون في الخارج، يمكن الاستناد إلى الأرقام التي تنشرها سلطات الهجرة والإحصاء في نحو 70 دولة، لأن الأرقام الرسمية المنشورة في روسيا لا تعكس حقيقة حركة الهجرة من البلاد، بخاصة أن تصريحات المسؤولين الحكوميين والدبلوماسيين تحاول التقليل من حجم هذه الظاهرة والتقليل من أهميتها في بلاد تعاني منذ انهيار الاتحاد السوفياتي أزمة ديموغرافية مستفحلة، لم تنفع في حلها كل الموارد والتقديمات التي خصصها فلاديمير بوتين للتخفيف من حدتها وتشجيع السيدات الروسيات على الإنجاب.
استناداً إلى هذه البيانات، يقدر الخبراء أن نحو مليون شخص غادروا روسيا منذ بداية عام 2022. وهذا يزيد بمقدار 450 ألف شخص عن التقديرات التقريبية التي وضعوها سابقاً.
أين ذهبوا؟
ومن بين الدول الرائدة من حيث عدد الروس الذين انتقلوا إليها، كما كان متوقعاً، كانت الوجهات التي لا تتطلب تأشيرة دخول مثل أرمينيا (110 آلاف شخص)، وكازاخستان (80 ألفاً)، وجورجيا (74 ألفاً).
واحتلت الولايات المتحدة، التي بدأ الروس بتقديم طلبات اللجوء إليها بأعداد كبيرة، مرتبة غير متوقعة بين أبرز وجهات الهجرة: فقد انتقل إليها 48 ألف روسي، بمن فيهم الحاصلون على تأشيرات إقامة طويلة الأجل. واحتلت إسرائيل مرتبة بين الوجهات الأكثر شعبية، حيث هاجر إليها نحو 80 ألف روسي.
تبقى إحصاءات الهجرة تقريبية وغير دقيقة للغاية مقارنة بإحصاءات المواليد والوفيات، لذلك من المهم أن نفهم أن هذا التقدير، على رغم أنه يبدو معقولاً، قد يكون أعلى أو أقل من الواقع، بحسب ما يعتقد عالم الديموغرافيا سالافات أبيلكاليكوف من جامعة نورثمبريا في المملكة المتحدة وزميل في منظمة "كارا" البريطانية غير الحكومية التي تدعم المهاجرين الذين أجبروا على مغادرة بلادهم.
معايير الهجرة ووجهاتها
يفضل المواطنون الروس مغادرة البلاد بسرعة إلى دول لا تتطلب تأشيرة دخول منهم (يبلغ عددها 123 دولة اعتباراً من عام 2026) سواءً كان الروسي يحمل جواز سفر خارجي أم لا، مثل أرمينيا وبيلاروس وكازاخستان وقيرغيزستان.
مع ذلك، لا يمكث كثيرون من الروس لفترة طويلة في هذه البلدان السوفياتية سابقاً، إذ يسعون إلى لحصول على تصاريح إقامة في دول أكثر جاذبية، وبخاصة دول الاتحاد الأوروبي، وينتهي بهم الأمر إلى إنفاق وقت وجهد ومال كبيرين على إجراءات الهجرة.
ويعد الحصول على جواز سفر ثانٍ من الخارج بموجب برنامج مبسط خياراً أبسط، لكن هذه العملية تستغرق ما بين شهرين و12 شهراً ومبالغ مالية غير قليلة، تتيح للمهاجرين الروس الاستقرار في الخارج بصورة دائمة.
تشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 10 ملايين روسي يقيمون بصورة دائمة خارج روسيا. ويعود تزايد معدل الهجرة إلى الرغبة في إيجاد ظروف معيشية أفضل لهم ولأبنائهم، من حيث الأمن والاستقرار والرعاية الصحية والتعليم الجيد.
وتتنوع أسباب مغادرة روسيا، وكذلك الدول المختارة للهجرة. فإلى جانب دول ما بعد الاتحاد السوفياتي، مثل أرمينيا وقيرغيزستان وكازاخستان، تعد دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وإسرائيل وجهات شائعة أيضاً.
في ظل بعض التغيرات السياسية والعقوبات الغربية على روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا، بات الحصول على تصريح إقامة في دولة أجنبية من الدول الغربية المؤيدة لأوكرانيا أكثر صعوبة بالنسبة إلى الروس.
أوروبا قبلة المهاجرين
يعد الانتقال إلى أوروبا، بخاصة دول الاتحاد الأوروبي، الخيار الأمثل لكثير من الروس. ووفقاً لموقع "ذا بيل"، استقر أكبر عدد من الروس في ألمانيا (36 ألفاً)، ولاتفيا (18 ألفاً)، وإسبانيا (16 ألفاً)، وهولندا (12 ألفاً).
ولا تزال بلدان الاتحاد الأوروبي الوجهة الأكثر جاذبية للمهاجرين، إلا أن صعوبة الحصول على تصريح إقامة تثني البعض عن ذلك. ومع ذلك، تتوفر برامج مبسطة للحصول على جنسية الاتحاد الأوروبي لسكان دول الاتحاد السوفياتي السابق، حيث يحصل كثيرون على جواز سفر في غضون عام واحد فقط.
بحسب "يوروستات"، صدر 875,613 تصريح إقامة موقتة لمواطنين روس بحلول نهاية عام 2024. وتختلف قواعد الحصول على تصريح الإقامة الموقتة اختلافاً كبيراً، ولكنها عامة صارمة: يجب أن تتوفر لدى طالب الإقامة الشروط التالية: دخل رسمي دائم، تأمين صحي، السكن في الريف (ملكية أو إيجار)، سيرة ذاتية جيدة (بدون سجل جنائي) والأساس القانوني للانتقال.
منذ عام 2022، أصبح الحصول على تصريح إقامة في أوروبا للروس أكثر صعوبة بصورة ملحوظ، حيث يمنح في الغالب لأسباب عائلية، أو للمتخصصين ذوي الكفاءات العالية، أو لرجال الأعمال الذين يعرضون مشاريع ناشئة واعدة على البلاد.
ويستفيد الروس الأثرياء من برامج مخصصة للأفراد المستقلين مالياً، كما هو الحال في إسبانيا. وقد توقف إصدار "التأشيرات الذهبية" للمواطنين الروس في معظم الدول، حيث أغلقت في مالطا وإيطاليا وهولندا. ولذلك، يلجأ كثيرون أولاً إلى الحصول على جواز سفر ثانٍ من دول الاتحاد الأوروبي عبر إجراءات مبسطة، ثم ينتقلون إلى الدولة التي يفضلونها في الاتحاد الأوروبي للإقامة الدائمة.
ومن يتعذر عليه الوصول إلى بلدان القارة العجوز، يتوجه إلى أقرب دولة تسمح له بدخول أراضيها دون تأشيرة سفر وبإجراءات بسيطة وغير معقدة، إذ يعيش أكثر من 110 آلاف مواطن روسي في أرمينيا، وعدد أقل قليلاً في قيرغيزستان. ويجذب كلا البلدين الروس بسبب توفر فرصة الحصول على الجنسية بسرعة، في غضون شهرين إلى ستة أشهر.
إلى أين يهاجر الروس؟
جمع خبراء دوليون آراء وتقييمات من روس هاجروا بالفعل من روسيا، ومن آخرين ما زالوا يدرسون قرارهم النهائي. وبناءً على البيانات، تبين أن أهم العوامل عند اختيار وجهة الهجرة هي مستوى التنمية الاقتصادية والاستقرار. ينجذب الروس إلى هذه الدول لما توفره من فرص لتأمين مستقبلهم ومستقبل أبنائهم.
يعد الموقع من العوامل المهمة لبعض فئات المهاجرين: إذ يعتبر المهاجرون قربهم من روسيا وتشابه عقلية السكان المحليين معيارين هامين، وإن لم يكونا حاسمين. وعند اختيار منطقة لانتقال عائلاتهم، يأخذون في الاعتبار أيضاً مستوى التطور التعليمي وتصنيفات المؤسسات التعليمية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتعد الرعاية الصحية والتعليم المتقدمان من العوامل بالغة الأهمية للهجرة العائلية، بينما يعد المناخ المعتدل ضرورياً لمن لا يحبذون التقلبات المفاجئة في درجات الحرارة والشتاء البارد. وبصورة عامة، تحظى الدول المتقدمة اقتصادياً وذات الدخل المرتفع بشعبية كبيرة لما توفره من مزيج من الحرية والالتزام بالقيم الديمقراطية.
لكل دولة من الدول التي ذكرها الروس مزاياها الخاصة، لذا يتخذون قرار الهجرة ووجهتها بعد دراسة متأنية لجميع إيجابيات وسلبيات الدولة.
ألمانيا
يعتمد اختيار المهاجرين في المقام الأول على الاستقرار الاقتصادي ومستوى المعيشة المرتفع. ومن المعايير المهمة السياسة الاجتماعية للبلاد، التي تضمن الحماية لجميع فئات السكان، من ذوي الدخل المحدود إلى العاطلين من العمل.
تمتلك ألمانيا نظام رعاية صحية متطوراً للغاية، حيث تضمن وثائق التأمين الصحي لكل مقيم الحصول على خدمات تصنف من بين الأفضل في العالم. ويشير المهاجرون إلى ارتفاع القدرة الشرائية وانخفاض أسعار المواد الغذائية والسكن مقارنة بالأجور كمزايا إضافية. وإلى جانب العاصمة، تشمل المدن الرئيسة الشهيرة ميونيخ وفرانكفورت وشتوتغارت.
غالباً ما يختار المهاجرون الشباب والعائلات التي لديها أطفال مدينتي كولونيا وهامبورغ، وهما مركزان حيويان للحياة الطلابية والتجارية. بالنسبة إلى الكثيرين، يوفر الشعب الألماني، المعروف بدقته، الاستقرار والثقة بالمستقبل، وهو ما يفسر النمو المطرد في عدد المهاجرين إلى ألمانيا. ووفقاً لتقديرات عام 2024، بلغ عدد المهاجرين في ألمانيا نحو 11 مليون مهاجر.
بالنسبة إلى لروس، فإن الطريقة الأكثر شيوعاً للحصول على الإقامة الدائمة في ألمانيا هي الانتقال بجواز سفر الاتحاد الأوروبي: يتم الحصول على جنسية إحدى دول الاتحاد الأوروبي مقابل مبالغ مالية باهظة أثناء الوجود في الاتحاد الروسي، يلي ذلك الهجرة اللاحقة.
إسبانيا
في المقابل، يعد مناخ إسبانيا من بين أكثر المناخات راحة في أوروبا، ويتميز سكانها بكرم الضيافة، وتضفي الحياة فيها أجواء احتفالية دائمة، وهذه ليست سوى بعض الأسباب التي تدفع الروس للانتقال إليها.
وتصنف إسبانيا ضمن الدول الرائدة عالمياً في مجالات السلامة وحماية البيئة والرعاية الصحية. وعلى خلفية المناظر الطبيعية الخلابة والشواطئ الساحرة، تفاجئ أسعار العقارات وكلف المعيشة المنخفضة الروس الذين استقروا فيها. ويعتمد اختيار المدينة على التفضيلات الشخصية، لكن الخيارات الشائعة تراوح ما بين المدن الكبرى مثل فالنسيا ومدريد وبرشلونة، والمدن الساحلية الأصغر مثل أليكانتي وتوريبيخا وماربيا.
إيطاليا
بحسب المهاجرين الروس، فإن مستوى الأمان المنخفض نسبياً في المدن الإيطالية الكبرى يعوض تماماً بكرم ضيافة السكان المحليين تجاه المهاجرين وقدرتهم الشرائية العالية. أما وسط ميلانو وروما وتورينو، فهي خيارات أقل شيوعاً، إذ يفضلون مدن أوستا وبيلونو وبارما الصغيرة والهادئة. تتمتع إيطاليا ببنية تحتية متطورة للطرق، مما يسهل الوصول إلى أي مكان في البلاد. غالباً ما يختار الروس البندقية وتورينو وميلانو كأماكن إقامة دائمة، لأنها تضم أكبر تجمعات روسية في إيطاليا.
يعتبر المهاجرون الروس فرنسا من أفضل الخيارات للانتقال إليها، وذلك بفضل الانخفاض النسبي لكلفة العقارات والمأكولات ومستوى الحياة الراقي. ولا يعد تزايد شعبية البرتغال بين المهاجرين، بمن فيهم الروس، أمراً مفاجئاً. فالبرتغال بلد يتمتع بمستوى عال من الأمان واقتصاد مستقر، إضافة إلى أن انخفاض معدلات الجريمة والظروف الطبيعية والبيئية المواتية تجعل المنطقة وجهة جذابة للإقامة الدائمة.
أسهل مكان للهجرة من روسيا!
في بعض الحالات، لا تستند القرارات إلى مستوى تطور البلد أو شعبيته بين المهاجرين. أحياناً تفرض الظروف ضرورة الانتقال بأسرع وقت ممكن، حتى وإن لم تكن الوثائق اللازمة متوافرة (على سبيل المثال، لم يتم إصدار جواز سفر، ولا يوجد وقت كاف للحصول عليه).
إن عملية الاختيار تتعقد أحياناً بسبب الموازنة المحدودة: إضافة إلى الكلف المباشرة للانتقال نفسه، في معظم الحالات، هناك حاجة إلى أموال لدفع الرسوم والمصاريف الحكومية، والتي يمكن أن تكون كبيرة جداً.
مهما كان السبب، لا يتخلى الروس عن فكرة الهجرة. وأمام الصعوبات المالية والإجرائية يختارون بلدا من قائمة الدول التي يسهل على الروس الهجرة إليها.
في سياق متصل، تعد رومانيا من الدول القليلة في الاتحاد الأوروبي التي تتيح فرصة الحصول على الجنسية بسرعة. ويعتبر برنامجها المبسط من أكثر البرامج رواجاً بين مواطني دول ما بعد الاتحاد السوفياتي. ويستطيع الروس عبور الحدود إلى أرمينيا والإقامة فيها لمدة تصل إلى 180 يوماً دون جواز سفر أو تأشيرة. وتعد وجهة مثالية لرجال الأعمال.
من جهة ثانية، ينص قانون الجنسية البلغاري على حق الأجانب من أصول بلغارية في الانتقال. ولا يشترط المرور بمراحل إقامة وسيطة، إذ يحق للمواطنين الروس، شأنهم شأن غيرهم من المتقدمين المؤهلين بموجب البرنامج المبسط، التقدم بطلب للحصول على جواز سفر فوراً.
إحدى الطرق البسيطة لمغادرة روسيا هي الحصول على تصريح إقامة في صربيا من طريق تأسيس شركة وعلى رغم أنها ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي بعد، فإن احتمال انضمامها إليه قريباً يجعل الهجرة خياراً جذاباً لعديد من المواطنين الروس.
رجال الأوليغارشية والمتمولون الروس
توسع الملاءة المالية بصورة كبيرة خيارات الدول التي يمكن الانتقال إليها من روسيا. يستخدم معظم المتمولين الروس ورجال الأوليغارشية الذين اغتنوا من عمليات الخصخصة غير الشرعية في التسعينيات، برامج مبسطة للحصول على الجنسية الرومانية أو البلغارية، والتي لا تتطلب استثمارات كبيرة، وبعد الحصول على جواز سفر من الاتحاد الأوروبي، يهاجرون إلى الدولة التي يختارونها (الولايات المتحدة أو كندا، على سبيل المثال).
تتيح تأشيرة الهجرة EB-5 مساراً للحصول على الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة. باستثمار لا يقل عن مليون دولار وخلق فرص عمل، يحصل المستثمر وأفراد أسرته على البطاقة الخضراء للإقامة الدائمة في إحدى أكثر دول العالم تقدماً.
ومن خلال الاستثمار في صندوق استثماري وطني، أو فتح حساب إيداع، أو امتلاك شراكة أو حصة كاملة في شركة وطنية، يحصل المهاجر الروسي على تأشيرة ذهبية لمدة 5 أو 10 سنوات في الإمارات العربية المتحدة.
وإذا تمكن المهاجر الروسي المفترض من توفير ما لا يقل عن 200 ألف دولار دون المساس بأصوله، فقد يكون تصريح الإقامة العقارية في تركيا - وهو برنامج إقامة طويلة الأجل - خياراً مناسباً للهجرة.
مفاعيل الهجرة!
من المهم النظر ليس فقط إلى الأرقام المطلقة بل أيضاً إلى تأثير الهجرة على الاقتصاد والعلوم والثقافة. ويقول عالم الديموغرافيا البريطاني أبيلكاليكوف "من نواحٍ عديدة، تعد الهجرة، وبخاصة منذ ربيع عام 2022، فضلاً عن الموجات التي تلتها بفعل الخوف من التعبئة، بمثابة هجرة للعقول. أي أن هؤلاء أشخاص يتمتعون بمستوى عالٍ جداً من رأس المال البشري، وكثير منهم من المهنيين الشباب".
تواجه روسيا بالفعل نقصاً في الأيدي العاملة، ومن المتوقع أن يتفاقم هذا النقص. فقد بدأت روسيا عمليتها العسكرية في أوكرانيا بقوة عاملة متناقصة. والآن، كما صرح نائب رئيس الوزراء ديمتري تشيرنيشينكو، يتضح ذلك جلياً في انخفاض أعداد خريجي المدارس الثانوية والمتقدمين للجامعات. وتتوقع وزارة العمل أن تواجه البلاد نقصاً في الأيدي العاملة يصل إلى 2.4 مليون عامل بحلول عام 2030.
وأظهر المتخصص الاقتصادي روستيسلاف كابيليوشنيكوف، الذي يدرس سوق العمل، في مقالته انخفاض الحجم الإجمالي للقوى العاملة في روسيا وتوقعات لمزيد من الانخفاض.
ستكون لهذه الهجرة عواقب وخيمة، لا سيما على الصعيد الديموغرافي. ويضيف أبيلكاليكوف أن الضرر الذي سيلحق بالتطور الديموغرافي لروسيا سيكون هائلاً. ويقول "سيحقق بعض المهاجرين الشباب خططهم الإنجابية في موطنهم الجديد، مما سيؤدي إلى انخفاض طفيف في عدد المواليد في روسيا. علاوة على ذلك، وبسبب التغيرات الديموغرافية المتوقعة بين عامي 2012 و2032، سينخفض عدد السكان الذين تراوح أعمارهم ما بين 20 و39 سنة بمقدار 13 مليون نسمة (أي ما يعادل الثلث)، بينما سيرتفع عدد السكان الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فأكثر بمقدار النصف تقريباً (أي ما يعادل 13 مليون نسمة). وسيستمر نقص الكفاءات في التفاقم حتى أوائل ومنتصف العقد الثالث من القرن الحالي، وقد أسهمنا في تفاقم هذه المشكلة بدفع الشباب إلى مغادرة البلاد".
ويحذر المتخصص من أنه مع الأخذ في الاعتبار الانخفاض المحتمل في الهجرة (بخاصة في ضوء التصريحات الأخيرة المعادية للمهاجرين من قبل السلطات) إلى الصفر، سيبلغ عدد سكان روسيا بحلول عام 2100 نحو 90.8 مليون نسمة بدلاً من 112.2 مليون نسمة وفقاً للسيناريو المتوسط التفاؤل، ونحو 57.4 مليون نسمة بدلاً من 74.6 مليون نسمة وفقاً للسيناريو المنخفض التفاؤل.