ملخص
يقول متخصصون ماليون إسرائيليون إن نتنياهو فتح "متجر الحلوى" بهجمته الشرسة على موازنة الأمن وتصميمه على حماية أموال الائتلاف، وهكذا حدد مسار كل وزراء الحكومة، وعلى رأسهم وزير المالية سموتريتش. الحكومة في زمن حرب شاملة مع إيران غارقة في أجواء اليأس، إذ يحصل كل الوزراء على ما يريدون – كل شيء – على حساب زيادة لا يمكن السيطرة عليها في العجز".
نحو 269 مليار دولار (850 مليار شيكل) هي موازنة إسرائيل بعد عامين ونصف العام من أطول حروبها التي اندلعت منذ "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، من دون أفق قريب لإنهائها، خصوصاً في لبنان.
وبالمصادقة على الموازنة الإسرائيلية حسم النقاش حول تقريب موعد الانتخابات ومنع الكنيست من التوجه إلى انتخابات مبكرة لتجري في موعدها القانوني، نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وستكون هذه هي المرة الأولى منذ نحو 38 عاماً تجري الانتخابات بموعدها، مما يعكس تغلب صوت الحرب وأيضاً صوت الحريديم والمستوطنين، على أي صوت ومصلحة أخرى، اجتماعية أو سياسية أو أمنية، والأخطر اقتصادية.
62 نائباً حسموا استمرار الحرب وزيادة التصدع في التوابع التي سيدفع ثمنها الإسرائيليون وجنود الاحتياط تحديداً، جراء البقاء على القانون الذي لا يلزم الحريديين في التجنيد ضمن الجيش، فيما صرخات الاحتياط تتعالى وأيضاً قيادة الجيش المطالبة بتوزيع العبء بعد الكشف عن نقص لا يقل عن 15 ألف جندي احتياط لاستمرار تنفيذ خطط الجيش في لبنان.
تبلغ القيمة الإجمالية للموازنة المباشرة نحو 197 مليار دولار مع إبقاء الإمكانية للحكومة بزيادة الصرف بنحو 24 مليار دولار، أي موازنة فعلية بقيمة 221 مليار دولار. وتتيح الموازنة المقررة للحكومة إقرار مشاريع مستقبلية، بقيمة تفوق 72 مليار دولار.
الموازنة المصدق عليها، قفزت بصورة غير مسبوقة لتمويل الحرب من مصاريف عسكرية وتعويضات مدنية، وهو ما أدى إلى رفع سقف العجز في الموازنة من 4.7 في المئة كانت مخططة إلى 4.9 في المئة من حجم الناتج العام، لكن يقدر بأن العجز سيصل إلى 5.1 في المئة، بمعنى زيادة المديونية بنحو 35 مليار دولار.
من جهة أخرى ستطرح الحكومة الإسرائيلية خلال الفترة المقبلة، مشروع قرار إضافي، لإجراء تقليص في موازنة جميع الوزارات بنحو ثلاثة في المئة، باستثناء وزارة الحرب وما هو مرتبط بما يسمى "الأمن" والاستخبارات. لكن التقليص لن يطاول موازنات المستوطنات أو جمهور الحريديم، وبخاصة أن 40 في المئة من مستوطني الضفة الغربية، من دون القدس، هم من الحريديم.
أكبر سرقة
المصادقة على الموازنة في مقابل التهديدات اليومية لمتخذي القرار، بتوسيع وتكثيف القتال والحرب على لبنان وإيران، تصعد النقاش والخلافات بين الائتلاف الحاكم والمعارضة وتبادل الاتهام، إلى حد أن زعيم المعارضة يائير لبيد اعتبر الموازنة "أكبر سرقة في تاريخ إسرائيل".
وقال "تتوقعون أن يكون الشعب ساذجاً ولا يفهم ما تطرحونه اليوم، ولا يدرك أن هذه ليست موازنة بل هي سرقة. إنها أكبر سرقة في تاريخ الدولة، والشعب يدرك أن هذه الموازنة هي منحة لأشخاص فاسدين ومراوغين، يحتفلون على حسابنا".
وشرح لبيد أن ما شهده الكنيست كان بمثابة سرقة أموال الشعب من أجل الحريديين، وقال إن "الكنيست لم يشهد مثيلاً لهذا في تاريخه، فقد أضاف الائتلاف مئات الملايين من الشواكل إلى أحزاب الحريديين في اللحظات الأخيرة، متجاوزاً إطار الموازنة. إنهم لصوص، منفصلون عن الشعب، ينهبون مواطني إسرائيل وهم في الملاجئ".
وتطرق النقاش الإسرائيلي أيضاً إلى التصنيف الائتماني لوكالة "فيتش" التي أبقت النظرة المستقبلية سلبية، إذ حذرت الوكالة من تداعيات استمرار الحرب وارتفاع النفقات الأمنية على الاستقرار المالي، وتوقعت اتساع العجز وارتفاع الدين العام، مع أخطار إضافية ناجمة عن التوترات الإقليمية والانقسام الداخلي.
ونبهت الوكالة من عدم السيطرة المالية ومن حال الاستقطاب السياسي الحاد في إسرائيل. وفي تقديرها، سيستمر ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل، لتصل إلى نحو 72.5 في المئة بحلول عام 2027، وهي مستويات تفوق المعدلات المسجلة في الدول التي تتمتع بالمستوى نفسه من التصنيف الائتماني.
ومع تصعيد التهديد على لبنان بالسيطرة حتى نهر الليطاني وإقامة مواقع عسكرية في مناطق كثيرة هناك، تشمل وبحسب عسكري إسرائيلي جميع القرى الشيعية، تزايدت التحذيرات من احتمالات التدهور الاقتصادي وحتى الأمني لإسرائيل، وجاء أن "ارتفاع النفقات الأمنية، وصعوبة إجراء تعديلات مالية، قد تؤدي إلى خفض التصنيف الائتماني خلال الأعوام المقبلة. بينما خطر توسيع إسرائيل للحرب على "حزب الله" مرتفع.
"متجر الحلويات"
على مدار أعوام الحرب السابقة، أطلقت أوصاف عدة على الموازنة الإسرائيلية وطريقة المصادقة على زيادتها بسبب الحرب أو الاستعداد للحرب. هذه المرة كان أبرز وصف لها هو "متجر الحلويات"، أي إن السياسيين يحصلون على ما يشتهون، فموازنة الأمن ضخمة وموازنات المتدينين والحريديين ضخمة والمستوطنات تحصل على ما تريد من أجل مراضاة وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش حتى وصلت بالمجمل الموازنة المخصصة لمراضاة الائتلاف الحاكم نحو ملياري دولار.
"مثل الأطفال الصغار الذين يرغبون في أكل كل الحلوى داخل المتجر مرة واحدة، وينسون ألم المعدة في أعقاب ذلك"، هكذا وصفت خبيرة الشؤون الاقتصادية ميراف أرلوزوروف إدارة الموازنة والمصادقة عليها من قبل الائتلاف، وتحذر من تداعيات الوضع في ظل تصعيد الحرب والتهديدات مقابل إعفاء الحريديين من الخدمة في الجيش.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب أرلوزوروف فإنه "في ظل الوضع الجيوسياسي المحفوف بالأخطار في إسرائيل، أصبح خطر الأزمة المالية أكبر من أي وقت مضى. من هنا تظهر الأهمية الكبيرة للحفاظ على احتياطات مالية كافية. مثلما في وحدات مخازن الطوارئ التابعة للجيش الإسرائيلي، التي يجب أن تكون مليئة في زمن الحرب، فإن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تعد وحدة تخزين الطوارئ الاقتصادية لإسرائيل، وقد خدمتنا بإخلاص خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة".
"بنك إسرائيل" من جهته سبق وحذر من أن "أحداث الأعوام الأخيرة أظهرت أن الأخطار الأمنية قد تتحقق وتؤدي إلى ارتفاع نسبة الدين العام بسرعة".
وأوصى "بنك إسرائيل" بكبح النفقات الأمنية، مشدداً على أنه "يجب اعتماد مسار واضح وموثوق للنفقات الأمنية، مسار يلبي من جهة الحاجات الأمنية، ومن أخرى يتيح المجال لاستثمارات إضافية في البنى التحتية المدنية. مطلوب قرار حكومي واضح في شأن موازنة الأمن الثابتة على المدى المتوسط، بناءً على تقييم الأخطار الجيوسياسية، مع مراعاة التداعيات الاقتصادية – الاجتماعية لتقليص الموازنة المدنية أو رفع الضرائب".
ويشير تعليق "بنك إسرائيل" هذا إلى حقيقة أن رئيس الحكومة لا يكتفي بعدم كبح النفقات الأمنية، بل من غير الواضح حتى ما هي هذه النفقات وكيف يحددها، بدلاً من تبني توصيات لجنة "ناغل" لمراجعة موازنة الأمن للعقد المقبل. وبحسب البنك المركزي حدد نتنياهو نفسه موازنة للأمن أعلى بثلاثة أضعاف. "ولم يُعتمد هذا التوجيه رسمياً في قرارات الحكومة. ببساطة، أعلن رئيس الحكومة رقم – 350 مليار شيكل في العقد – وكل النظام تم توجيهه بحسب هذا الرقم".
من جهتها، ترى أرلوزوروف أن "البيئة الجيوسياسية التي أوجدتها عملية ’زئير الأسد‘ تقلل من الأخطار التي تهدد النشاط الاقتصادي، في الأقل على المدى القريب، وتحتاج إدارة دقيقة لإطار الموازنة. ومن المهم الحد من زيادة العجز بقدر الإمكان، لتمكين العودة إلى مسار يؤدي إلى نسبة دين أقل من العام الحالي، مما سيخفف من عبء دفعات الفائدة ويتيح مرونة مالية في التعامل مع الصدمات المستقبلية".
"كل الوزراء يحصلون على ما يريدون"، تقول أرلوزوروف وتتساءل "ما الذي حدث لكل التوصيات المهمة لبنك إسرائيل؟ لا شيء. نتنياهو فتح متجر الحلوى بهجمته الشرسة على موازنة الأمن وتصميمه على حماية أموال الائتلاف، وهكذا حدد مسار كل وزراء الحكومة، وعلى رأسهم وزير المالية سموتريتش. الحكومة في زمن حرب شاملة مع إيران غارقة في أجواء اليأس، إذ يحصل كل الوزراء على ما يريدون – كل شيء – على حساب زيادة في العجز لا يمكن السيطرة عليها".
والنتيجة موازنة كارثية، هكذا وصف عدد ما سيتمخض عن هذه الموازنة وحذرت أرلوزوروف من أن "هذه الموازنة تقرب إسرائيل بخطوات ضخمة من خطر الأزمة المالية. صحيح أنه أثناء الحرب تعد الموازنة السيئة أفضل من عدم وجود موازنة، لكن المؤسف أن لا أحد يهتم. نتنياهو، الذي كان يتفاخر ذات يوم بلقب ’خبير الاقتصاد‘ إلى جانب لقب ’السيد أمن‘، أدرك أن لا أحد يصوت في صناديق الاقتراع بناءً على نسبة العجز في الموازنة. لذلك هو تنازل كلياً عن رعاية الاقتصاد الإسرائيلي. لا يهمه وصول الدين إلى 70 أو 80 في المئة طالما أنه يحافظ على الائتلاف بمساعدة أموال الائتلاف، ويسوق صورة ’خبير الأمن‘ واستمرار الحرب بلا قيود من خلال موازنات دفاع لا تنتهي".