Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين الحروب والسياسة... نتنياهو غارق في دوامة السلطة الإسرائيلية

نجحت الحملات العسكرية "الناجحة" في إنقاذه مراراً من السجن جراء محاكمته في مخالفات فساد

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

ملخص

على رغم الضربات الموجعة في طهران والاغتيالات النوعية وتدمير منظومات الدفاع الجوي، وصولاً إلى استهداف المنشآت النووية الإيرانية بالقصف الأميركي المنسق معها، يعوّل نتنياهو اليوم على الولايات المتحدة في حسم مسار الحرب، في ظل الاستنزاف على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.

في يونيو (حزيران) الماضي وبعد وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة لإنهاء الصراع الذي استمر 12 يوماً بين إسرائيل وإيران، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن تل أبيب "حققت انتصاراً تاريخياً سيبقى لأجيال"، وأشاد بالجيش الأميركي الذي "دمر" موقع التخصيب تحت الأرض في "فوردو" (موقع نووي إيراني سري سابق وحصين لتخصيب اليورانيوم) وأنهى الحرب على هذا الأساس.

وأكد كلام نتنياهو رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير حين قال إن "إسرائيل أرجعت مشروع إيران النووي أعواماً إلى الوراء، وينطبق الأمر نفسه على برنامجها الصاروخي"، إلا أن نتنياهو وخلال أقل من عام على تصريحاته تلك عاد لشن هجوم واسع النطاق ضد إيران بالتحالف مع الولايات المتحدة الأميركية في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، متخذاً من برنامجها النووي والصاروخي ونفوذها الإقليمي ذريعة لتحقيق هدف الحرب ألا وهو إسقاط النظام الإيراني.

وفيما بدا خطابه السياسي بعد 20 يوماً من الحرب ينسجم مع ما يقوله الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في شأن "تحقيق إنجازات هائلة لا ترتكز بالضرورة على إسقاط النظام"، تشير استطلاعات الرأي العام في إسرائيل إلى تآكل صورته في عيون الإسرائيليين، كيف لا وما زال كثير منهم يعيشون ليل نهار حال إنهاك بعد أكثر من شهر من الركض إلى الملاجئ هرباً من الصواريخ، إلى جانب الأضرار الاقتصادية والاجتماعية والمادية التي خلّفتها الحرب.

ووفقاً لما ذكرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية فقد تكبد الجيش الإسرائيلي خلال الأيام الـ20 الأولى من الحرب على إيران نحو 6.4 مليار دولار.

وتأتي هذه الأعباء فوق كلفة الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والتي بلغت نحو 400 مليار شيكل (129 مليار دولار) وفق تقرير بنك إسرائيل لعام 2025، الصادر في مارس (آذار) الماضي، في مؤشر إلى تصاعد الضغوط واحتمالات تدهور الأوضاع الاقتصادية في إسرائيل.

ومع دخول الحرب شهرها الثاني، كشف استطلاع للرأي نشرته القناة "12"الإسرائيلية اتساع الفجوة بين تطلعات إسرائيل من الحرب التي بادرت إليها والواقع الذي يحمل سيناريوهات مجهولة، إذ إن نسبة تأييد الحرب بين المجتمع الإسرائيلي انخفضت من 90 في المئة في الأسابيع الأولى إلى 60 في المئة حالياً.

التخوف الأكبر الذي يعبر عنه الإسرائيليون اليوم، وفقاً لمحللين هو أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد يضجر من الحرب ويعلن نهايتها قبل أن يحقق شيئاً مهماً، مثل الشروط التي وضعها أمام الإيرانيين في المفاوضات التي قوبلت برد سلبي.

تخبط وشكوك

يدرك الإسرائيليون اليوم أن هدف إسقاط النظام الإيراني لن يتحقق وأن الحرب التي يشنها نتنياهو بلا هدف عسكري صرف سيقودهم إلى حال من عدم اليقين، فإسرائيل وسط ما يجري الحديث عنه بين واشنطن وطهران، فقدت قدرتها على التأثير في إيقاع الحرب، ولا تستطيع التحكم بمسار المفاوضات أو موعد نهايتها.

وبينما يتراكم الدخان في سماء تل أبيب، يؤكد محللون إسرائيليون أن فتح الباب نحو تصعيد غير مسبوق ضد إيران بعد شهور طويلة من حرب استنزاف في غزة لم تحقق أهدافها السياسية، ما هو إلا طوق نجاة لنتنياهو لإنقاذ نفسه من قرار محكمة يزج به في السجن على أثر محاكمته المستمرة منذ أعوام بمخالفات فساد.

كذلك فإنها محاولة جديدة ليفرض نتنياهو نفسه كقائد لأمة يهددها الخطر، فاستمرار الاحتجاجات والمظاهرات ضده توقف منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب، لأن التجمعات محظورة حالياً، وبات معظم النقاش في إسرائيل يصب نحو الحرب لا حول ضرورة تسريع محاكمته، فيما اصطفت أحزاب المعارضة، المنتقدة لسياساته على الدوام، إلى سباق حول تأييد الحرب وتشديد الهجوم على إيران، في تعبير عن وحدة إسرائيلية داخلية.

في المقابل لم يكتف نتنياهو وسط كل تلك الضغوط الأمنية والاقتصادية جراء الحرب، بإطلاق يد حكومته المتطرفة للدفع بتشريعات ضمن خطة إضعاف جهاز القضاء للسيطرة عليه، بل تقدَّم بطلب عفو إلى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ.

وعلى رغم أن النظام القضائي في إسرائيل وصف الخطوة بأنها "غير مسبوقة" وتهدد استقلاله بصورة خطرة، ذكرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية أن طلب العفو الذي تقدم به نتنياهو أحيل إلى قسم العفو في وزارة العدل الإسرائيلية، وأن هناك مراسلات عامة وآراء إضافية في شأنه قيد الدراسة.

مناور بارع

منذ صعوده إلى صدارة المشهد السياسي الإسرائيلي عام 2009 يعرف نتنياهو كمناور بارع في الهرب من الأزمات لا قائداً يميل إلى الحلول، فكلما اشتد عليه الخناق داخلياً وزاد العداء له وتأرجحت مؤشرات الاستطلاع سلباً حول شعبيته، اختار إشعال أزمة هنا أو هناك، وأضحى قطاع غزة مع تعاظم دور "حماس"، منذ عام 2006 ساحته المفضلة لتطبيق ذلك.

ووفقاً لما رصده محللون وصحافيون وكتاب، فإن نتنياهو لم يخض حروب غزة 2012 و2014 و2019 و2021 بحثاً عن حسم عسكري لتدمير أنفاق "حماس" والحد من قدراتها العسكرية، بل هرباً من مآزق داخلية.

وبحسب الكاتب الصحافي بن كاسبيت، الذي يُعرف بانتقاده الشديد لنتنياهو وألف كتباً عنه، فالهدف الاستراتيجي للرجل يستند إلى مدى قدرته في السيطرة على ديوان رئيس الحكومة أطول فترة ممكنة، وذلك عبر تحييد الخصوم الخارجيين والمنافسين الداخليين على حد سواء.

 

 

وفيما كان الإسرائيليون يتظاهرون في الشوارع عام 2023 احتجاجاً على قيادة نتنياهو، شنت "حماس" هجوماً مباغتاً على مستوطنات غلاف غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 دفعته إلى شن حرب مستعرة ضد غزة حظي من خلالها في البداية بتأييد واسع وشامل، إلا أن تزايد الخسائر واشتداد المعارك على مدى عامين متتاليين جعلا شعبيته أكثر هشاشة مما كانت عليه منذ أعوام، ففي الربع الأخير من عام 2024 اعتقد نحو 70 في المئة من الإسرائيليين أن نتنياهو يجب أن يستقيل.

ومع احتدام الانتقادات الداخلية الشديدة اللهجة وما رافقها من احتمالات بانتهاء مسيرته السياسية بسبب إطالة أمد الحرب وعزلة إسرائيل عالمياً وعدم قدرته على تحرير الأسرى الإسرائيليين المحتجزين في غزة، فتح نتنياهو في يونيو 2025 مواجهة مع إيران استمرت 12 يوماً، مكنته وفق مراقبين من تعطيل أو إبطاء الإجراءات القانونية المتعلقة بتهم الفساد الموجهة إليه، ودفع خصومه السياسيين في الداخل إلى الالتفاف حوله، وحشد تضامناً عالمياً يبرر حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، مما عزز قيادته للبلاد من أجل التخلص من المنشآت النووية والصواريخ الباليستية الإيرانية.

فشل سياسي

هذه المرة، هاجمت وسائل إعلام إسرائيلية الأداء السياسي والعسكري لحكومة نتنياهو، مؤكدة أنه يضلل الجمهور الإسرائيلي بخطابات نصر زائفة، وفي نقد حاد لإدارته في الحرب الحالية على إيران، لفتت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، إلى أن إسرائيل أهدرت موارد وطاقات هائلة على هدف وصفته بـ"غير الواقعي أبداً" وهو إسقاط النظام في إيران، معتبرة أن هذا المسعى من نتنياهو استنزف مقدرات إسرائيل من دون جدوى، فالردّ الصاروخي الباليستي، بما فيها صواريخ من نوع "فرط صوتي" تمكن في كثير من الأوقات خرق القبة الحديدية والوصول إلى أهدافها، محققة دماراً لم تعهده إسرائيل من قبل.

ومع نهاية اليوم الـ30 لاندلاع الحرب، أحصت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية مقتل 23 إسرائيلياً جراء الصواريخ الإيرانية، في حين قالت وزارة الصحة الإسرائيلية إنها أجلت 5689 مصاباً إلى المستشفيات، بينما أفادت بيانات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي بأن 4800 إسرائيلي أخلوا منازلهم، وأشارت إلى أن إيران خلال الفترة نفسها، أطلقت أكثر من 550 صاروخاً وأكثر من 765 مسيّرة على إسرائيل.

وبحسب معطيات رسمية صادرة عن سلطة الضرائب الإسرائيلية، قبل أيام، سجل الإسرائيليون حتى الأحد الماضي 21552 طلباً لصندوق التعويضات عن أضرار الممتلكات جراء الهجمات الصاروخية التي تعرضت لها الجبهة الداخلية الإسرائيلية منذ بدء الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران في الـ28 من فبراير الماضي.

ووفقاً للمحلل العسكري في صحيفة "يسرائيل هيوم"، يوآف ليمور، فإن الانطباع السائد اليوم هو أن إسرائيل والولايات المتحدة دخلتا مرة أخرى إلى حرب مع إيران بلا أهداف واضحة أو خطة خروج منها.

في حين اعتبر المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل أن استمرار الحرب مدة شهر آخر أو أكثر "ستكون بمثابة حرب استنزاف بالنسبة إلى إسرائيل بكل ما يعني ذلك، من خلال تعرض جبهتها الداخلية لضربات صاروخية."

انتصارات عسكرية

وعلى رغم نجاح إسرائيل بقيادة نتنياهو على مدى عقود في توجيه ضربات قاسية ونوعية لأعدائها، وتحقيق اغتيالات وازنة، واختراقات عميقة، فإن ذلك لم يقف حائلاً أمام تغطية فشله السياسي، فبعد ما يقرب من العامين من الحرب على غزة وإنزال خسائر كبيرة في الأرواح ونزوح معظم سكان القطاع، وتدمير شبه كامل لمؤسساته وبنيته التحتية، لم يتمكن نتنياهو من إعلان نصر واضح أو حاسم، فالأنفاق الموجودة في غزة لا تزال تمثل إشكالية كبيرة للجيش الإسرائيلي الذي لم يتمكن وفق كثير من التحليلات من تدمير القوى العسكرية لـ"حماس" بشكل كامل، ولا من تفكيك بنيتها التحتية، واستبدل ذلك بفرض حصار مطبق على القطاع، وتجويع غير مسبوق لسكانه.

ووفق ترجيحات "معهد الأمن القومي الإسرائيلي" فإن الكتائب الـ24 التي تمتلكها "كتائب القسام" التابعة لحركة "حماس" قد دُمرت أو أُنهكت بشدة، لكنها احتفظت بقدرة على إعادة التجميع على مستوى الخلية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي لبنان على رغم أنها شنّت حرباً ساحقة على "حزب الله" استهدفت أسلحته وصواريخه الاستراتيجية واغتالت قيادات عسكرية وأمنية وسياسية وازنة، لا تزال إسرائيل تواجه صعوبة في تقليص حجم إطلاق القذائف الصاروخية والمسيرات.

وبحسب المراسلة العسكرية لصحيفة "إسرائيل اليوم"، ليلاخ شوفال، فإن "حزب الله" لا يزال تحت ضغط كبير، لكنه يواصل إطلاق مئات الصواريخ يومياً، معظمها على قوات الجيش في جنوب لبنان، ونحو 100 صاروخ على الأراضي الإسرائيلية، في حين ذكرت "قناة إسرائيل 24" أن الحزب أطلق نحو 600 صاروخ ومسيرة خلال 24 ساعة معظمها على الجيش الإسرائيلي بجنوب لبنان.

وعلى رغم الضربات الموجعة في طهران والاغتيالات النوعية وتدمير منظومات الدفاع الجوي، وصولاً لاستهداف المنشآت النووية الإيرانية بالقصف الأميركي المنسق معها، يعوّل نتنياهو اليوم على الولايات المتحدة في حسم مسار الحرب، في ظل الاستنزاف على المستويين الاقتصادي والاجتماع.

وحسب ما أوردت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عبر موقعها الإلكتروني، حذر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، خلال اجتماع للمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت)، قبل أيام من "انهيار" الجيش، في ظل اضطراره إلى القتال في جبهات عدة، إضافة إلى قوانين لم تُسن بعد، مثل تجنيد الحريديين في صفوفه.

وقال زامير إن "الجيش يفتقر إلى 15 ألف جندي، بينهم 8 آلاف مقاتل"، وأضاف رئيس الأركان أن الحكومة "لا تتناول أيًّا من الحلول المطروحة على جدول الأعمال، مثل قانون تجنيد مختلف، وتمديد الخدمة بالقوات النظامية، وتعديلات على قانون الاحتياط".

وأضاف رئيس الأركان "أرفع أمامكم 10 أعلام حمراء (في إشارة إلى خطورة الوضع في الجيش والنقص في قواته)، وبهذا المعدل، سينهار الجيش الإسرائيلي على نفسه".

تلك التصريحات تلقفها رئيس الوزراء الأسبق والمرشح الأقوى في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة نفتالي بينيت، ليهاجم نتنياهو حيث وصفه بأنه "لا يعرف كيف ينتصر"، قائلاً "في غزة، حيث أعلن النصر 10 مرات، لا يزال هناك 30 ألف عنصر من قوات النخبة لدى ’حماس‘".

وأضاف بينيت "في الجبهة الشمالية، تمكّن ’حزب الله‘ من ترميم قوته قبل أن نتمكن نحن من إعادة إعمار كريات شمونة ويمطرنا بمئات الصواريخ يومياً"، مردفاً "هذا هو نتنياهو الحقيقي لا يحسم الأمور، يعرف كيف يبدأ ولا يعرف كيف ينهي، متردّد، ويقود حكومة مشلولة، لا تملك حلولاً لأي شيء"، وفق تعبيره.

وعلى رغم أن كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل قد ادعتا في بداية الحرب أنها عملية قصيرة، تهدف إلى إسقاط النظام، فإن الحرب بدأت تتجه نحو مسار حرب استنزاف معقدة، وفيما ينجح النظام الإيراني وفق محللين في الصمود أمام الهجمات الأميركية – الإسرائيلية، والرد عليها، تصعّد إسرائيل هجماتها في الجبهة الشمالية مع "حزب الله"، في ظل تهديدات باجتياح بري واسع للبنان.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير