ملخص
تأزم فضيحة قروض السيارات يهدد صناعة السيارات البريطانية بكُلف تعويضات هائلة قد تصل إلى مليارات الجنيهات، وسط انقسام داخل القطاع وتخوف من انسحاب الشركات المصنعة من البلاد، فيما تستعد الجهات التنظيمية لمعركة قانونية جديدة قد تعيد الأزمة إلى المحاكم.
قنبلة التعويضات في ملف قروض السيارات على وشك الانفجار مرة أخرى، إذ تستعد "هيئة السلوك المالي" في بريطانيا للكشف هذا الأسبوع عن أحدث محاولاتها لوضع برنامج يهدف إلى تعويض ضحايا فضيحة العمولات الزائدة التي تتواصل فصولاً منذ فترة طويلة.
تتلخص المسألة المطروحة في عمولات دُفعت إلى وكلاء بين عامي 2007 و2024، وتؤكد الهيئة التنظيمية أن المستهلكين لم يطلعوا عليها، ومن المحتمل أن أكثر من أربع من كل 10 عقود وُقعت في هذا الصدد بين هذين العامين تؤهل أصحابها إلى الحصول على تعويضات.
الكُلف باهظة ويُقدر مجموعها بـ11 مليار جنيه إسترليني (14.5 مليار دولار)، تتألف من تعويضات بقيمة 8.2 مليار جنيه ومصاريف إدارية بمبلغ 2.8 مليار جنيه، والمبلغ يعتمد على معدل استجابة المؤهلين، وإذا قُدمت المطالبات المؤهلة كلها فقد تصل كُلف التعويضات وحدها إلى ما يقارب 10 مليارات جنيه إسترليني.
صحيح أن الإجمالي لا يمثل سوى جزء يسير من مبلغ الـ44 مليار جنيه إسترليني الذي كان ليستحق لو لم تنقض المحكمة العليا في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي حكم محكمة الاستئناف ذي الصلة الصادر عام 2024، فقد قضت المحكمة العليا بأن الوكلاء لا يتحملون "واجب الأمانة" تجاه المستهلكين، ولفتت إلى أن الوكيل يمكنه من الناحية القانونية توجيه العميل إلى جهة إقراض ذات علاقة بالوكيل والحصول على أجر في مقابل ذلك، فقُوبل حكم المحكمة برد فعل سلبي، وأفادت شركات إدارة المطالبات بأن 4 مليارات جنيه إسترليني سُرقت من الضحايا ضمن برنامج مهين للتعويضات في ملف قروض السيارات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
المشكلة هي أن أحد المطالبين نجح في إثبات العكس أمام القضاء، ويرجع ذلك جزئياً لضخامة العمولة التي سددها (25 في المئة من مبلغ القرض نفسه و55 في المئة من إجمال رسوم الائتمان التي لم يُكشف عنها للعميل)، واعتبرت المحكمة الاتفاق "علاقة غير عادلة" بموجب قانون الائتمان الاستهلاكي، ويُشار إلى أن "هيئة السلوك المالي" تفيد بأن القطاع انتهك قواعدها التنظيمية.
أما القطاع نفسه فمنقسم حول الخطوة التالية التي يجب اتخاذها، ويبدو أنه يعتقد أن الضحايا يسعون وراء أموال لا يستحقونها بمساعدة هيئة تنظيمية لا تنفك تتجاوز حدودها وعدد كبير من الأشخاص المتعطشين إلى مكافآت في قطاع إدارة المطالبات.
ماذا نفعل إذاً؟ بعض مؤسسات الإقراض التقليدية الكبيرة، أي المصارف، ستتحمل الضربة الكبرى وتلتزم بالقواعد لأنها لا تريد الآن سوى طي الملف برمته، ولقد خصصت أموالاً ضخمة لذلك الغرض، وخصص "لويدز"، أكبر هذه المؤسسات، ملياري جنيه إسترليني، وكذلك تعرف كيفية التعامل مع برامج التعويض الجماعية، فلقد تعاملت مع برامج كهذه قبلاً ولا تزال تحتفظ بمسؤولين سبق وأن تعاملوا مع فضيحة تأمينات حماية الدفعات [تأمينات بيعت على نطاق واسع مع قروض بطرق مضللة]، ويمكن الاستعانة بخبراتهم مجدداً.
بعض مؤسسات الإقراض الأخرى لا تزال تشعر بظلم شديد، وقد تختار الطعن في قرار الجهة التنظيمية عبر المحاكم، وقد ينشأ ضغط مضاد ويمكن لمجموعات من المستهلكين و/أو شركات لإدارة المطالبات أن تجادل بأن البرنامج ليست سخياً بما يكفي، وتتقدم بدعاواها الخاصة.
من الصعب التقليل من شأن مدى الفوضى التي قد تترتب على ذلك، فقد تفلس بعض المؤسسات الائتمانية الأصغر التي تعمل بهوامش ربح ضيقة، مما يضيف مزيداً من التعقيد، وكذلك يبدو أن شركات تصنيع السيارات التي تمتلك مؤسسات إقراض تابعة لها لم تخصص مبالغ كافية لمعالجة المسألة، وقال لي مصدر في القطاع "تتجاهل شركات تصنيع السيارات هذه المشكلة تماماً".
على سبيل المثال خصصت شركة "بي إم دبليو" التي تمتلك مؤسسة إقراض تُسمى "ألفيرا" مبلغ 200 مليون جنيه إسترليني، وهو ما يمثل عُشْر المبلغ الذي خصصه "لويدز"، وقرأتُ مذكرة وضعها محلل ويجري تداولها حالياً وتُقدر حصة المطالبات التي ستترتب على كل مؤسسة إقراض، إذ تحدد حصة "لويدز" بـ17 في المئة وذلك من خلال شركته المتخصصة "بلاك هورس فاينانس"، وحصة "بي إم دبليو" (بما في ذلك "ألفيرا") عند حوالى تسعة في المئة، ولذلك فحتى لو كان "لويدز" قد خصص مخصصات زائدة فستكون المصارف في الغالب متحفظة جداً في هذا الشأن، ويتضح عندها مكمن المشكلة.
تغض شركات تصنيع السيارات الطرف عن المسألة وهذا أمر مفهوم، فلقد أنهكت بالفعل بسبب تداعيات "بريكست" وتعاني في التعامل مع المنافسة الشديدة الناجمة عن الصين، وهي غير راضية عن برنامج وزيرة المالية رايتشل ريفز القاضي بفرض رسوم على السيارات الكهربائية في مقابل استخدام الطرق، المعروف باسم ساخر "ضريبة التلوث المخصصة للسيارات الكهربائية"، وتكافح من أجل جني الأرباح، والآن تبرز هذه المشكلة الجديدة.
ماذا لو قررت شركات تصنيع السيارات التخلي عن الاستثمار في المملكة المتحدة باعتباره مشروعاً فاشلاً؟ هذا هو آخر ما تريده الحكومة بالنظر إلى الكلفة الاقتصادية، لكن في السياق نفسه هي لا تريد حقاً أن تشارك بأي شكل من الأشكال في حل المشكلة، فهل تريد أن تكون الطرف الذي يحرم الناخبين من التعويضات التي وُعدوا بها؟
في آخر مرة كتبتُ فيها عن هذا الموضوع ذكرتُ مدى الفائدة التي سيجنيها الاقتصاد إذا تدفقت إليه دفعة مالية ضخمة من تعويضات المستهلكين تُقدر بمليارات الجنيهات الإسترلينية، وكان ذلك بالطبع قبل أن يبدأ دونالد ترمب بإلقاء القنابل على طهران، ويمكن الآن لملايين الجنيهات التي ينالها المستهلكون كمكاسب غير متوقعة أن تساعد في درء خطر الركود الحقيقي، وهذا سبب إضافي يدفع الحكومة إلى تمني أن تتمكن هيئة السلوك المالي من حل المشكلة.
وفي الوقت نفسه سنتمكن بعد أسبوع أو أسبوعين من تنفيذ برنامج الهيئة من تقييم مدى التعقيد الذي قد يواكب التنفيذ، وإذا كانت الشائعات المتداولة صحيحة فسيحقق بعض المحامين مكاسب كبيرة، لأن المسألة ستعود للمحاكم مرة أخرى.
© The Independent