Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محمد مظلوم يترجم "أوديسة" هوميروس بالشعر الحر

صيغة حديثة تتصدى للنص الملحمي انطلاقا من ترجمات إنجليزية ومراجع نقدية

أوديسيوس على متن المركب بريشة ج. و. واترهاوس (متحف هوميروس)

ملخص

 لا تزال ترجمة ملحمتي هوميروس "الإلياذة" و"الأوديسة" تمثل تحدياً كبيراً في العصر الراهن، من ناحيتي اللغة والأسلوب وكذلك "المضمون" بأبعاده المتعددة، التاريخية والميثولوجية والحضارية والثقافية... هذا ما عبر عنه مترجمو هاتين الملحمتين في العالم الذين خاضوا هذا الميدان، فنجح بعضهم نجاحاً كبيراً، فيما لم يبلغ بعضهم الآخر الغاية المرجوة.

لعل السؤال الملح الذي يواجه مترجم هوميروس هنا، يدور حول اختيار هوية الترجمة نثرية أم شعرية؟ وقد اختار كثر الصيغة النثرية التي تغري بها أصلاً الطبيعة السردية التي تتميز بها الملحمتان الشعريتان، والتي تجعل من الوقائع والأحداث الكبيرة ركيزة بنيوية، ينطلق منها فعل النقل ويعود لها، ملتزماً خطها السردي الأفقي والمتعرج، وأفقها الملحمي والشعري.  

بعد ترجمتين عربيتين نثريتين لـ"الأوديسة" أنجز أولاهما المصري أمين سلامة عام 1961 (مع مقدمة وملخصات)، والثانية السوري حنا عبود عام 2007، عطفاً على ترجمة حرة و"مؤلفة" صاغها الكاتب المصري دريني خشبة ببراعته اللغوية وبلاغته العالية، وصدرت في 1945، يخوض الشاعر والمترجم العراقي محمد مظلوم "غمار" الأوديسة ولكن شعراً، في صيغته الحرة التي لا تخلو من بعض الوزن في أحيان ، سالكاً مسلك العلامة سليمان البستاني الذي عرّب "الألياذة" شعراً، ولكن بالوزن والقافية.

على أن الترجمتين الشعريتين تختلفان كل الاختلاف، فالأولى نهضوية مع انفتاح على الخصائص البيانية القديمة، والثانية حداثية وعصرية، وفيها حافظ مظلوم على الروح الهوميرية الملحمية وبلاغته الشعرية من غير أن يلتزم طبيعة البيت الشعري الإغريقي. واللافت أن "الأوديسة" في صيغها الثلاث لم تترجم عن اللغة الأصلية، الإغريقية أو اليونانية، بل عن لغة وسيطة هي الإنجليزية. ولكن ما يجب الانتباه له هنا أن محمد مظلوم، الشاعر أصلاً، راجع أكثر من ترجمة بين الترجمات الإنجليزية التي تبلغ الـ80، واختار ترجمة  روبرت  فيتزجرالد  (1961) التي يعدها الأكثر شعرية وبلاغية وجمالية ووضوحاً من بقية الترجمات. وهي لم تقع كما يوضح، تحت وطأة ما يمليه الوزن التقليدي اليوناني، وتنجو من النثرية المباشرة.

يعتبر محمد مظلوم في المقدمة أن ترجمته هذه هي الترجمة الشعرية الأولى عربياً لـ"الأوديسة"، وقد حقق عبرها رغبة شخصية قديمة، ذات بعد عراقي "ملحمي"، يتمثل في حروب العراق والتيه الأوديسي والعودة للديار، ناهيك عما هناك من صلة ممكنة، بين التجربة الهوميرية وملحمة كلكامش الرافدينية. وهذه المقارنة قابلة للنقاش والمقاربة الشعرية والملحمية. ويعترف مظلوم أنه كان شرع في ترجمة "الإلياذة" سابقاً لكنه قرر قلب الترتيب الهوميري، على أن يعود لـ"الإلياذة"، كما فعل فيتزجرالد.

ترجمة فيتزغرالد

وكانت ترجمة فيتزجرالد نالت إجماعاً لدى النقاد والباحثين، على ريادتها وفرادتها لغوياً وبنيوياً وجمالياً. وقيل عنه إنه "تمكن من التقاط موسيقى الإغريق عند هوميروس وأصغى إلى الطريقة التي يتحدث بها أبطاله في ما بينهم". وخارج الفضاء الإنجليزي يمكن الكلام مثلاً عن ترجمة الشاعر الكبير فيليب جاكوتيه "الأوديسة" عن اليونانية، معتمداً نظام الشعر الحر، المقطعي، وقد بدت ترجمته من عيون الترجمات الفرنسية التي بلغت حتى الآن 25. وبدأت منذ القرون الوسطى، على يد شعراء وأدباء متضلعين من اليونانية ومنهم الشاعر المعروف لوكونت دو ليل في القرن الـ19.

انصبت خطوات محمد مظلوم الأولى، كما يفيد على اختيار الأسلوب في الترجمة، خصوصاً أن ترجمة فيتزجرالد ذات شكل إيقاعي، لا يشبه النثر ولا نوعاً من الخطاب المنطوق أو غيرالشعري. وحرص مظلوم على أن يكون النص متناغماً مع إيقاعه المتميز الذي يمكن سماعه بسلاسة عند قراءة النص بصوت عالٍ. هكذا استخدم بنية الشعر الحر من الوزن، لكونه الإيقاع المناسب للشعر السردي العادي. واعتمد أيضاً الإيقاع المنتظم وبناء الجملة بمرونة من دون التقيد بالوزن، هروباً من الحشو الزائد، وحفاظاً على تدفق الإيقاع وتداعيه. وحرص على أن تكون ترجمته دقيقة وقابلة للقراءة وسلسة، كما يقول، وعلى أن تبقى بلاغتها ظاهرة بوضوح. وجمع مظلوم في ترجمته بين إيقاعات وعبارات معاصرة وأخرى ذات نكهة تراثية، حفاظاً على الروح الملحمية. ولعل دليله هنا هو أن لغة هوميروس لم تعُد اليوم لغة الشعر والأدب اليونانيين المعاصرين، وباتت تُقرأ في صيغتها القديمة والصيغة الحديثة.

ويرى مظلوم أيضاً أن ترجمته هي "نص آخر"، فهي هنا تنطوي على "تفسير"، والترجمة الفضلى برأيه، هي التي توفر نافذة شفافة يمكن القارئ أن يرى من خلالها النص الأصلي. طبعاً قضية التفسير في الترجمة قضية سجالية، يرفضها مترجمون ونقاد كثرٌ، ولعلها تمثل ضرورة في ترجمة ملاحم في الحجم الهوميري، ذات أبعاد سردية ومرجعية متعددة ومعقدة في أحيان.

قضية تاريخية

يتطرق محمد مظلوم في المقدمة إلى قضية إشكالية قديمة، تتمثل في عدم إقبال العرب على كتابة الملحمة، على رغم إلمامهم ببعض الشعراء الملحميين وأعمالهم. وهذا ما كان تطرق إليه بإسهاب سليمان بستاني في مقدمته المرجعية والبحثية لـ"الإلياذة" المعرّبة. ويطرح مظلوم السؤال الآتي "لماذا لم يتصدَّ أي شاعر عربي عبر القرون لترجمة الأوديسة؟". ويسأل أيضاً "لماذا لا يجرؤ الشاعر العربي على تقديم ملحمة من لغة أخرى؟". وما يزيد من حيرته أن هوميروس كان معروفاً لدى العرب منذ نحو 1300 عام، أي منذ العهد العباسي وبداية حركة الترجمة عن الإغريقية. ويؤكد ورود إشارة إلى هذه المعرفة بهوميروس وأعماله، لدى شيخ المترجمين العرب العراقي المسيحي حنين بن إسحاق العبادي. ويعود مظلوم لأسماء أخرى ذكرت هوميروس وأوردت القليل من أقواله، ومنهم ابن أبي أصيبعة الذي كان ينشد "شعراً بالرومية لأوميروس"، وأبو حيان التوحيدي وابن خلدون وابن العبري والشهرستاني وابن النديم وابن سينا وسواهم...

في مقدمته الشهيرة التي تصلح أن تكون كتاباً على حدة بل مجموع "مقالات" عدة (مقالة في هوميروس، مقالة في الشعر العربي، مقالة في الشعرية العربية، مقالة في الترجمة، مقالة في الأدب المقارن...)، تطرق البستاني إلى قضية إعراض العرب عن نقل أعمال هوميروس إلى العربية ورده إلى أسباب ثلاثة هي الدين وإغلاق فهم اليونانية على العرب وعجز النقلة عن نظم الشعر العربي. والإعراض عن "الإلياذة "عربياً يفاجىء حقاً من يلم بآدابهم (العرب)، إذ كانوا من أحرص الشعوب على علوم الأدب وأحفظهم للشعر وأشغفهم بالنظم. ويقول البستاني "فلقد يأخذك العجب لبقاء الإلياذة محجوبة عنهم وهي منتشرة هذا الانتشار بين قبائل الأرض...". ولعله في ترجمته "الإلياذة" أسدى خدمة كبيرة إلى حركة الترجمة أولاً التي ازدهرت خير ما ازدهرت خلال العصر العباسي، وإلى الأدب العربي ثانياً، إذ نقل إلى متنه تحفة عالمية أضحت في صيغتها العربية جزءاً من تراثه التليد.

أما "الأوديسة"، فمن المعروف أنها تحتل مكانة فريدة وعالية بين الأعمال الأدبية التي أسست الأدب الغربي. وقد كُتبت على الأرجح في القرن الثامن قبل الميلاد، وهي لا تكتفي بسرد مغامرات بطل أسطوري، بل تقدّم تأملاً عميقاً في الإنسان والزمن والذاكرة والهوية والرغبة الإنسانية في العودة للأرض الأم أو "النوستوس". ولئن كانت "الإلياذة" تحتفي بالحرب والمجد والعنف البطولي، فإن "الأوديسة" تستكشف عالم التيه والاختبارالذاتي والتحدي والحيلة والحب والوفاء...

24 نشيداً

ومعروف أن "الأوديسة" تتألف من 24 نشيداً، تنتظم وفق بنية سردية معقدة ومحكمة الحبك. وعلى خلاف السرد الخطي المباشر، يعتمد هوميروس بناءً حلزونياً يبدأ بخوض الأحداث والوقائع، حين يكون أوديسيوس محتجزاً في جزيرة الحورية كاليبسو. أما مغامراته السابقة مع العملاق بوليفيموس وسيرسي وحوريات البحر وكاريبديس وسكيلا، فيرويها لاحقاً على لسانه، حين يحلّ ضيفاً في بلاط الفياكيين.

تمنح هذه البنية النص بعداً ملحمياً وتأملياً في آنٍ واحد، إذ يصبح البطل راوِيَ أسطورته الخاصة، مما يضفي على الملحمة عمقاً نفسياً نادراً في نص يعود لتلك الحقبة المبكرة. وهذا ما انتبه له محمد مظلوم، فعمد إلى نسج الأبعاد النفسية التي ندت عن المواجهات الخطرة التي عاشها أوديسيوس خلال مغامرته الأرضية والماورائية.

ومن الواضح أن أوديسيوس يتميّز عن سائر أبطال هوميروس بصفة جوهرية هي "الميتيس"، أي الذكاء الماكر والحيلة. فإذا كان أخيل يجسد القوة الجسدية والبطولة الحربية، فإن أوديسيوس هو بطل الكلمة والتخطيط والقدرة على التكيف. إنه ينتصر بالعقل أكثر مما ينتصر بالسيف.

أما سفر أوديسيوس، فيتجاوز حدود المغامرة الجغرافية ليغدو رحلة وجودية عميقة. فكل جزيرة يزورها تمثل إغواءً أو مأزقاً إنسانياً، النسيان عند آكلي اللوتس والخلود العقيم عند كاليبسو وفقدان الإنسانية عند سيرسي والإغواء القاتل عند حوريات البحر.

وتجسد هذه المراحل الأخطار الكبرى التي تتهدد الإنسان، نسيان الذات ورفض الزمن والانفصال عن العالم البشري. وفي كل مرة، يختار أوديسيوس بعد الامتحان، الفناء والمخاطرة والعودة. وبهذا المعنى، تمثل "الأوديسة" رؤية إنسانية عميقة، فأن تكون إنساناً يعني أن تتقبل الألم والشيخوخة والموت، بدلاً من الارتماء في وهم خلود بلا معنى.

رمز إيثاكا

أما إيثاكا، فهي ليست مجرد مكان جغرافي، بل إنها رمز متعدد الدلالات. فهي جزيرة صغيرة فقيرة، تقف على النقيض من الممالك الباذخة والوعود الإلهية التي تعرض على أوديسيوس. ومع ذلك، فهي تمثل الحقيقة العميقة لهويته. فالعودة لإيثاكا تعني استعادة الاسم ودور الملك والزوج والأب.

لكن العودة ليست سهلة ولا بسيطة. فيتنكّر أوديسيوس في هيئة شحاذ، ويراقب بصمت انحطاط قصره الذي استولى عليه خُطاب زوجته بينيلوبي، ولا يستعيد مكانته إلا عبر الامتحان الأخيرالمتمثل في قوسه. العودة إذاً هي بمثابة إعادة بناء للذات بعد الفقد وغدر الزمن. ولعل بينيلوبي، بوفائها العنيد وذكائها الذي يوازي ذكاء زوجها، تُعدّ إحدى أكثر الشخصيات النسائية تعقيداً في الأدب القديم. وحيلتها في نسيج الكفن تعكس، بصورة "مرأوية"، حيلة أوديسيوس ذاته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في "الأوديسة" تؤدي الآلهة دوراً أساسياً، لكنها لا تلغي مسؤولية الإنسان. فأثينا تحمي أوديسيوس، وبوسيدون يطارده، وزيوس يحكم بين الطرفين، على أن يبقى الإنسان صاحب قراره. ففي نظر هوميروس لا حتمية مطلقة في القدر، ولا حرية كاملة للإنسان، بل تفاعل معقد بين الإرادة البشرية والقوى الإلهية.

لقد تمكن محمد مظلوم ببراعة الشاعر والعارف بأسرار اللغة، والمتمرس في فعل الترجمة عن الإنجليزية، أن ينقل  بالشعر الحر، هذه الأجواء السردية التي لا بد من الوقوف عندها خلال الكتابة عن "الأوديسة"، وما يرافقها من أحداث ووقائع، وتواريخ وبقع جغرافية، بحرية وبرية، في نص ملحمي يطمح أولاً وآخراً أن "يشعرن" الملحمة، ويردها إلى أصلها النشيدي، ولكن عبر لغة حديثة ومعجم معاصر لا ينقطع عن جذوره. وعلى خلاف ترجمة سليمان اليازجي الرهيبة لـ"الإلياذة" التي عدّت بمثابة الحدث الكبير في مطلع القرن العشرين العام 1902، وتُعد حتى الآن تحفة شعرية نهضوية وكلاسيكة، عالية الصنعة والسبك، دافقة البيان والبلاغة ، مما جعل قراءتها لدى الأجيال الجديدة صعبة ومغلقة وربما وعرة، خصوصاً  في ما سعى البستاني إليه فيها، من اشتقاقات وتراكيب غير مألوفة، إنطلاقاً من النص الإغريقي الذي ركن إليه مع اعتماد الترجمة الفرنسية.

ولعل محمد مظلوم حاول ان يوجه تحية في مطلع النشيد الاول من ترجمته "الاوديسة" إلى سلميان البستاني، فعرّب السطر الاول قائلاً: "غني يا ربة الوحي فيّ، واروي بلساني قصة / الرجل الذي برع في شتى صنوف التباري"، بينما استهل البستاني النشيد الاول من ترجمته "الإلياذة" قائلاً: "ربة الشعر عن آخيل بن فيلا/ أنشدينا/ واروي احتداماً وبيلا". على أن ربة الشعر منحت مظلوم قدرة كبيرة على تعريب "الأوديسة" وشعرنتها، فاتحة أمامه أفق الشعر الحر، وفضاء اللغة العربية الحديثة ذات الجذور الأديمية، ومشرعة امامه أيضا القدرة على صوغ الحكايات والأساطير والحيل السردية في اسلوب شعري ملحمي وعبر نفس نشيدي رثائي واحتفالي، وإيقاع متهاد ومتدفق.

وختاماً لا بد من الوقوف أمام الهوامش والحواشي التي اعتمدها مظلوم في سياق النص المترجم، فهي حافلة بالإيضاحات والتفاسير والشروح، النقدية والعلمية، التي تساعد القارئ على فهم أسرار النص ومغاليقه، و إدراك معجمه التاريخي والجغرافي واللغوي.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة