Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صفحات مجهولة من سيرة مضطربة عاشتها ليلى مراد

المطربة اليهودية التي شهرت إسلامها عانت الدونية القانونية والاستبعاد

المطربة المصرية ليلى مراد (غيتي)

ملخص

تقدم المؤرخة والأكاديمية المصرية حنان حماد صاحبة الذكريات الفريدة مع المطربة ليلى مراد (1918–1995)، مقاربة جديدة ومختلفة لسيرتها المضطربة وتجربتها الغنائية والسينمائية، مبرزة الخلافات الأسرية التي حولت مسألتها إلى قضية عامة.

على امتداد الأعوام تطورت علاقة أستاذة التاريخ الحديث في جامعة تكساس الأميركية مع المغنية الذائعة الصيت، وانتقلت بها من الحيز الشخصي إلى مجال البحث الجندري، وتبلورت في كتاب جديد عن المطربة  ليلى مراد صدرت ترجمته العربية حديثاً عن دار كتب خان في القاهرة تحت عنوان "الماضي المجهول... نجمة مصر اليهودية المسلمة".

 الكتاب الذي صدر قبل أربعة أعوام عن جامعة ستانفورد الأميركية يقدم قراءة جندرية لتاريخ مصر الحديث تأسيساً على رحلة المطربة الشهيرة، ويضيف إلى رصيد مؤلفته التي أصدرت عدداً من الكتب والدراسات البارزة حول الجندر والثقافة الشعبية في مصر.

فازت المؤرخة البارزة بجائزتين أميركيتين عن كتابها "الجنسانية الصناعية... النوع والتحولات الاجتماعية في مصر"، الأولى هي جائزة الكتاب العربي الأميركي، والثانية هي "جائزة المنظمة القومية لدراسات المرأة".

تبدأ حماد كتابها، الذي ترجمته بسمة ناجي، بوعي ورهافة، من هاجس شغلها حول أسباب اعتزال المطربة الشهيرة وهي في أوج مجدها، على رغم شعبيتها الكبيرة، فقد أجبرت مراد على الاعتزال بعد ثلاثة أعوام من تمكن الضباط الأحرار من الاستيلاء على السلطة عام 1952، وقت أن كانت في عمر 37 سنة، وتوقفت مسيرة نجاحها فجأة، على رغم أنها ناضلت طوال عقود من أجل العودة للفن، ولكن دون جدوى.

استغرقت رحلة المؤلفة لتفسير هذا اللغز أكثر من عقد كامل، خاضت فيه تحديات التعامل مع أرشيفات لم يعد معظمها متاحاً، أو صار في حال لا تسمح بالاعتماد عليه، وقرأت مئات المؤلفات التي تخص الحياة الفنية في العالم العربي، إلى أن تمكنت من كتابة سيرة تغاير السير المكتوبة سلفاً عن المغنية الشهيرة، إذ تأسس عملها على إعادة قراءة أعمالها ومسيرتها عبر استعمال نظريات الجنسانية وأدواتها، بهدف تفادي الاضطراب الذي وصم السير السابقة، سواء من ناحية المنهجية أو دقة المعلومات، ناهيك بتحليل الخطاب المرتبط بأفلامها في السياق التاريخي وطبيعة صناعة الترفيه في تلك الحقب.

لعل ما عاشته ليلى مراد، منح المؤرخة فرصة تقديم سردية تاريخية تشير إلى الكيفية التي يتعاطى بها الناس مع النجمات، وكشفت عن بعض المسكوت عنه في حياة مواطنيها طوال قرن كامل، بل في حياة المطربة ذات الأصول اليهودية، ومن ثم توفر سيرتها مادة خصبة للاشتباك مع صورتها الراسخة، وتطرح أسئلة جديدة وثيقة الصلة بالمجال العام المعاصر، يتقاطع فيها الاجتماعي مع الديني والسياسي والهوياتي أيضاً.

اعتناق الإسلام

يقرأ الكتاب مسيرة المطربة الكبيرة باعتبارها مادة يمكن من خلالها تحليل التحولات التاريخية عبر دراسة تطلعاتها الفردية ومشاعرها وآلامها، ويسلط الضوء على الحقائق الفوضوية والمتناقضة لتقويض النساء بأنفسهن قواهن عمداً أو بغير قصد، من خلال توظيف أدوات النظام الأبوي وتعزيز سلطاته.

نشأت مراد في أسرة من الطبقة المتوسطة في القاهرة خلال فترة ثلاثينيات القرن الـ20، التي شهدت تنوعاً عرقياً ودينياً انسجم مع مكونات العصر شبه الليبرالي الذي عرفته مصر عقب ثورة 1919.

لم تلتزم ليلى الغناء تحقيقاً لطموحها الشخصي، بل وسيلة لكسب العيش بعدما تراجعت فرص والدها زكي مراد في سوق الغناء، بعدما كان ملحناً ومطرباً مشهوراً، لكنه نجح، بفضل علاقاته المهنية، في تقديمها للمخرج السينمائي محمد كريم، الذي أطلق مسيرتها الفنية بعد مشاركتها في فيلم "يحيا الحب" (1938)، الذي مثلته وهي لا تزال مراهقة أمام المطرب محمد عبدالوهاب.

ثم خاضت تجارب عدة مع مخرجين آخرين، أبرزهم رائد السينما الواقعية كمال سليم، والمصري اليهودي توجو مزراحي، الذي حولها إلى علامة تجارية ومكنها من فرض شروطها للعمل كنجمة، بعدما أنجز سلسلة من الأفلام تحمل اسمها، وكانت تعكس فهمه العميق لتسويق السينما كمنتج للاستهلاك الجماهيري، يلبي حاجات الناس من مختلف الطبقات. واستطاع إعادة تشكيل إنتاج السينما كمزيج من الفن والصناعة، وصاغ خطاباً يقوم على الكوميديا الاجتماعية ويعمل على صهر الهويات العرقية والدينية، وبحسب المؤلفة "تضمنت أفلامه التجارية أفكاراً عظيمة حول الجنس والنوع الاجتماعي".

بعد خمسة أفلام معه، صقلت ليلى مواهبها وأرست البنية الأساسية لمسيرتها، وتحولت من شابة رومانسية معزولة عن الواقع إلى امرأة راشدة تتمتع بالقدرة على التفاوض والمناورة. وعام 1945 تزوجت بالممثل أنور وجدي، وشكلت معه الثنائي الأشهر في تاريخ السينما المصرية، وعاشا معاً تجربة فنية ثرية، في مقابل حياة زوجية معقدة، فخلال فترة زواجهما، التي استمرت نحو سبعة أعوام، تطلقا ثلاث مرات.

ويبدو لافتاً أن مراد سجلت في تلك الأعوام وثيقة اعتناقها الإسلام، وأشهرت ذلك رسمياً عام 1948 في أعقاب أول حرب عربية إسرائيلية، مما وضعها في سياق مضطرب.

ترى المؤلفة أن قرار اعتناق الإسلام وتوقيته يتيحان فهماً أعمق للتشابك بين السياسات الاجتماعية والدينية والجندرية، فقد تمتع الزوج وجدي بجميع الامتيازات المنصوص عليها في الشريعة الإسلامية، في حين كانت الدونية القانونية من نصيب النجمة الكبيرة، ثم أضاف الصراع العربي - الإسرائيلي وضعاً أكثر تعقيداً لهذه الزيجة، ومع تنامي خلافاتها الأسرية تحولت مسألة ديانتها إلى قضية عامة.

عقب شهر واحد من وصول الضباط الأحرار إلى السلطة في مصر، حظرت سوريا أغنياتها وأفلامها بسبب شائعة دعمها لإسرائيل وزيارتها لها، إلا أن كونها مسلمة مثل الحجة المركزية في دحض أي صلة بينها وبين إسرائيل.

وخلال التحقيقات الرسمية التي أجرتها مصر، استبعدت صفتها اليهودية صراحة من جوهر الهوية المصرية التي أرادها الحكام الجدد، وتدريجاً تحولت الديانة إلى موضوع للاستقطاب ضمن عمليات الاستيعاب لبناء الهوية المعاصرة، وظلت تقدم باعتبارها عربية إسلامية حصراً، في حين أنها كانت قبل 1948 نجمة يهودية مشهورة تقبلها المجتمع من دون غضاضة.

واصلت المغنية عملها بعدما حشدت كل الأطراف المحبة لها اعتناقها للإسلام والتزامها الهوية العربية كدليل براءة لمواجهة الإشاعات، وقدمت أغنيات عدة لدعم النظام الجديد، لكنها اعتزلت فجأة بعد عرض فيلمها "الحبيب المجهول" من إخراج حسن الصيفي عام 1955، وعقب عام واحد من زواجها من المخرج فطين عبدالوهاب عام 1954، وبعد وفاة زوجها الأول أنور وجدي.

عبر تاريخها، أدت ليلى مراد بطولة 28 فيلماً، وظلت أعلى نجمات السينما المصرية أجراً، وحافظت على مساحة متفردة لم تتأثر، بما تحقق للمطربات اللاتي توالى ظهورهن على الساحة خلال النصف الأول من القرن الماضي.

يختبر الكتاب فرضية أخرى تخص فرص كتابة التاريخ الاجتماعي لأي أمة من خلال تتبع حياة نجومها ونجماتها، موضحاً أن غالب الدراسات حول الفنانات العربيات ركزت على قدراتهن الاستثنائية ونجاحهن في ترسيخ مكانتهن كأيقونات وطنية، لا سيما أم كلثوم وفيروز.

نجمة في الظل

على رغم اعتزالها المباغت، لم تفقد ليلى مراد شعبيتها أبداً، وظلت واحدة من المطربات الأكثر شهرة في العالم العربي، وبقيت اسماً مألوفاً في الثقافة الشعبية. واستناداً إلى تلك المفارقة، عملت حنان حماد على كتابة سيرة جديدة للمغنية، واضعة في الاعتبار ضرورة البحث في دوافع اعتزالها، والدور الذي لعبته جنسانيتها في بناء صورتها عبر أطوارها المختلفة، والأهم كيف أثرت علاقتها مع أحد الضباط الأحرار (وجيه أباظة 1917–1994) في دفعها إلى الظل بعد علاقة سرية.

تؤكد المؤلفة أن المغنية الشهيرة أنكرت مسألة إنجابها طفلها الأول نظراً إلى رفض الأب تسجيل الاعتراف بهذا الطفل، لكنها في المقابل سعت بهدوء للتواصل مع من يمكنهم الضغط عليه للاعتراف بأبوته والموافقة على تسجيل الطفل (رحل خلال الشهر الماضي) في السجلات الرسمية، واتخذت الخيار المؤلم بعدم اللجوء إلى المحكمة لإجبار أباظة على منح اسمه لطفلها خوفاً من العواقب.

يرى الكتاب أن ليلى مراد وقعت في شراك التحولات الكبرى التي عاشها العالم خلال حقبة الخمسينيات من القرن الماضي وحتى توقيع اتفاقية الصلح بين مصر وإسرائيل عام 1979، ومن ثم تزامنت حياتها مع الاضطرابات التي جلبتها نشأة إسرائيل، مما جعلها تعايش بحث المصريين عن تعريف لهوياتهم الوطنية عبر حقب عدة انتقلت فيها البلاد من الليبرالية إلى القومية العربية، وثقافة السلام إلى الإسلاموية، وأثرت في حياتها وحياة أسرتها ومسيرتها الفنية، بخاصة بعدما قام كل من النظام السياسي والمعارضة ببناء شخصية المغنية وتوظيف إرثها لخدمة أجندات متنافسة حول قضايا عدة.

لم تكن مراد امرأة قوية دوماً، كما لم تكن امرأة قليلة الحيلة كذلك، فقد عاشت سيدة استثنائية منتمية إلى أقلية دينية، ومع ذلك عكست حياتها في كثير من الأحيان الواقع الجنساني للديناميات الاجتماعية والسياسية التي عاشتها النساء المصريات في مراحل زمنية مختلفة.

صحيح أنها تزوجت برجال ذوي شهرة وسلطة، إلا أنها طلقت منهم، وعاشت عبر تاريخها أزمات كشفت هشاشتها وضعفها أمام أنظار الجمهور أثناء بحثها عن الحب والحماية، مما قادها إلى علاقة مع أحد الضباط الأحرار الشباب جرى التعتيم عليها تماماً، إذ كانت حينها أماً لطفلين من أبوين مختلفين، لذا لم تفلت من حكم البطريركية الاجتماعية، بل كانت "تكافح من أجل النجاة في ظل التحولات السياسية وتغييرات سوق الترفيه وصناعة السينما".

من جهة أخرى توفر السيرة التي كتبتها حنان حماد لليلى مراد فرصة لدراسة حياة الزوجات اليهوديات والمتحولات إلى الإسلام، وطبيعة ما عاشته الأسر المتعددة الديانات في مصر المعاصرة، ومن ثم تستعمل قصة المغنية لإعادة سرد تاريخ الثقافة والسياسة في مصر، مع تأمل دور النجمات في صناعة الترفيه والمعايير الاجتماعية المزدوجة التي خضعن لها. ويبرز في الوقت نفسه الدور الذي أدته صناعة السينما في البناء الاجتماعي للهويات المجندرة والجنسانية والأخلاقيات العامة في مصر والعالم العربي، فالثقافة الجماهيرية ليست ترفيهاً محايداً، بل أداة لصياغة الوعي الجمعي وإعادة إنتاج التراتبيات الاجتماعية.

مذكرات مفقودة

سعت حماد إلى قراءة سيرة مراد استناداً إلى ما روته بنفسها في مناسبات عدة، ولجأت إلى سير غيرية كتبها محمد السيد شوشة وصالح مرسي وأشرف غريب وحنان مفيد وآخرون. وترى أن تلك السير أتاحت أمامها فرصة استكشاف الذات والمجتمع، وأظهرت الكيفية التي بنى المصريون من خلالها صورة لماضيهم، وهي صورة تعددية وإيجابية من وجهة نظرها في نهاية المطاف، فقد حول المصريون المغنية البارزة إلى رمز لمصريتهم، فما يعنيه أن تكون مصرياً حقيقياً يتحدى السرديات الكبرى القائلة بأن كونك عربياً ومسلماً شرط أساس لتحقيق مصريتك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في سياق آخر، ينظر الكتاب إلى أفلام ليلى مراد كإحدى صور الخطاب الذي يعبر عن الحداثة ويتعاطى معها، فإذا كان إنتاج الأفلام يهدف إلى الترفيه، إلا أنه يسهم في تشكيل الوعي العام حول النوع الاجتماعي وجنسانية النساء وغيرها من القضايا، وتبرز أهميته في عملية البناء الثقافي للبرجوازية. وعبر تاريخها الفني الثري أدت مراد دوراً في تكوين الثقافة الشعبية العربية وتغيير القيم السائدة.

وعلى رغم أن مراد عملت مع مخرجين من الذكور مثل محمد كريم وتوجو مزراحي ويوسف وهبي وأنور وجدي، وغيرهم، فإن أفلامها جسدت مفارقة تحقق النجمة الأنثى في صناعة يهيمن عليها الذكور، لذا نجحت في تعزيز مسيرتها الفنية ضمن الهيكل الاجتماعي القائم، وأصبحت هي نفسها أداة في إدامة القيم المحافظة في ما يتعلق بالنوع الاجتماعي.

تحلل حماد تلك الأفلام من منظور نسوي، لتكشف كيف عبرت عن القلق المجتمعي في شأن حياة المدينة، وأسهمت في تعزيز العذرية كمكون ضروري للمثل الجنسانية الحديثة، وكرست كي تغلب الحب على الفجوة الطبقية.

يثير الكتاب نقطة مهمة تتعلق بفضل الصحافة الشعبية أو صحافة "النميمة" في كتابة التاريخ الفني، فقد حظيت باهتمام خاص من المؤلفة التي درست الإعلام سابقاً، وعملت في الصحافة فترة قبل أن تدرس التاريخ في الولايات المتحدة، إذ ترى حماد أن تلك النوعية من الصحافة توفر مادة خصبة للبحث والتحليل، وتعتبر مصدراً قيماً للتاريخ والنوع الاجتماعي، بشرط توافر بعض الضوابط المنهجية في التعاطي معها كساحة للصراعات الثقافية والفنية.

تشير حماد إلى أن شعبية تلك النوعية من المجلات لا ترجع إلى رسائل زائفة تفرضها مجموعات مهيمنة من أعلى لأسفل على عموم الجماهير، وإنما لأن الجمهور يؤدي دوراً نشيطاً في تلقي رسائلها، ويعيد تدويرها بالقبول الانتقائي أو بالرفض.

وظفت حماد في الكتاب مجموعة واسعة من تلك المجلات، بغرض التركيز على دور الثقافة الشعبية في السرد التاريخي، بعد أعوام من تعرض تلك المجلات لما تسميه المؤلفة "الإقصاء المنهجي"، لافتة إلى أخطار فقدها نظراً إلى تردي أوضاع الأرشيفات العامة.

وتكشف في هذا الإطار عن عثورها على سيرة شبه مجهولة للمطربة الراحلة نشرتها مجلة "الكواكب" بين منتصف يناير (كانون الثاني) ونهاية فبراير (شباط) من عام 1957، لكن تلك الأعداد تعرضت للتلف داخل دار الكتب المصرية. وترجح حماد، التي عثرت على تلك الأعداد من مصدر خاص، أن هذا التلف كان متعمداً، ولم يأت اعتباطاً أو بسبب سوء الاستعمال أو الإهمال، مما يبرر عدم ذكر تلك المذكرات ضمن الكتب التي تناولت سيرتها، وهو ما يشير إلى الجهل بوجودها أصلاً.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة