Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عودة بلا مناسبة إلى كتاب دي بوفوار الأكثر أهمية

صاغته وأصدرته أواخر سنوات الـ40 من القرن الـ20 بعد سنوات من العمل وبالتعاون مع رفيق دربها الفيلسوف جان بول سارتر

سيمون دي بوفوار (1908-1986) (غيتي)

ملخص

يمكن القول إن "الجنس الآخر" ليس كتاباً عن المرأة، بل هو عمل فلسفي عميق يرينا الشريط الفرنسي، كيف أنه يعيد التفكير في مفاهيم الهوية والحرية والاختلاف، ويدعو إلى عالم أكثر عدالة، عالم ينظر فيه إلى الإنسان، امرأة كان أم رجلاً، بوصفه كائناً حراً قادراً على تشكيل مصيره.

منذ زمن بعيد، لم يعد كتاب المفكرة الفرنسية سيمون دي بوفوار "الجنس الآخر"، والذي يعنون في ترجمات عديدة له بـ"الجنس الثاني"، وهو استخدام غير دقيق، كما سنرى في سياق النص التالي، لم يعد في حاجة إلى أن يقدم نفسه، ولا ذكره يحتاج إلى مناسبة أو تبرير. فهو الكتاب النسوي الأكثر شهرة في تاريخ الفكر النسائي التحرري، إن لم يكن واحداً من أهم الكتب الفكرية التي صدرت أواسط القرن الـ20.

ومع ذلك ها هي السينما الوثائقية التلفزيونية تدنو منه الآن في شريط تعيد محطة "آر تي" الثقافية الفرنسية - الألمانية، في هذه الأيام، عرضاً له يتسم بأهمية كبيرة لمجرد أنه يحمل جديداً يتعلق بالكتاب من الواضح أن التركيز لم يكن كافياً عليه من قبل.

فإذا كان من المعهود عن الكتاب أن كاتبته صاغته وأصدرته أواخر سنوات الـ40 من القرن الـ20 بعد سنوات من العمل وبالتعاون، غير المعلن، إنما البديهي في تلك المرحلة، مع رفيق دربها الفيلسوف جان بول سارتر، فإن ما يذكر عادة أقل من ذلك هو ما أضافته إلى الكتاب الجولة التي كانت بوفوار قد قامت بها في الربوع الأميركية خلال السنوات السابقة على صياغتها للكتاب، وهي جولة يأتي هذا الشريط ليحكي لنا عن الدور الذي لعبته في وضع المفكرة لكتابها مستقية بعض أهم تفاصيله من أحدث ما كان مطروحاً في الفكر الأميركي الحديث في ذلك الحين من أفكار ونظريات، سياسية واجتماعية، بل حتى علمية وطبية تتعلق تحديداً بقضية المرأة التي نعرف على أية حال أنها طرحت في أميركا كما في بريطانيا، وفي عديد من البلدان الغربية الناطقة بالإنجليزية، قبل أن تطرح في فرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية اللاتينية.

 

السجال الغائب في الحقيقة أن ما يطرحه الشريط حول هذا الموضوع لم يكن جديداً تماماً، لكن الربط بين الجولة الأميركية وما عايشته بوفوار خلالها، كان مغيباً إلى حد كبير، وها هو هذا الشريط يتنطح ليؤكد أن المفكرة ما كان لها أن تجعل من كتابها تلك الحالة الفكرية الفريدة ذات الهالة الفائقة الحضور والأممية التوجه، لو لم تستقِ كثيراً من الأفكار الجديدة والسجالات المتنوعة، إبان تلك الجولة.

وهو أمر قد يكون من شأنه بالنسبة إلى أصحاب العقول الضيقة على أية حال، أن يخلق "معركة فكرية" بين الأميركيين والفرنسيين، لكنه لم يفعل، وهذا أحسن ما كان من شأنه أن يحدث ليبقي الشريط عند حدود التلاقي الفكري والعلمي، بل حتى الإبداعي بين الأمم. ومن الجيد أن يظهر هذا التلاقي هنا من خلال سفر فكري لا يحتاج إلى مزيد من الشهرة القائمة على المعارك أو حتى على الملاحظات العابرة، حتى يؤكد مكانته.

من الكتاب إلى الصورة يحمل الشريط على مدى أكثر من ساعة ونصف الساعة عنوان "على خطى سيمون دي بوفوار"، وفيه تركز صاحبتا العمل ناتالي ميدورا وفاليري أوريا، على الكتاب، وتلاحقان من ناحية تأثره برحلة دي بوفوار الأميركية (1947-1948)، ومن ناحية ثانية تأثيره في عدد كبير من مذكرات الحركات النسوية الأميركية، ومن بينهن الفيلسوفة جوديث ميلر التي تخبرنا في الشريط كم أن الكتاب أدى دوراً في تكوينها الفكري، النسوي وغير النسوي.

وتؤكد لنا ميلر كيف أنها تعتبر "الجنس الآخر" من أهم الأعمال الفكرية في القرن الـ20، "بل يمكن اعتباره حجر الأساس للفكر النسوي الحديث".

مفاهيم الحداثة الفكرية، ومهما يكن، نعرف أن الكتاب صدر عام 1949 في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كانت أوروبا تعيد التفكير في مفاهيم الحرية والإنسان والهوية، فجاء هذا العمل ليطرح سؤالاً جذرياً: ماذا يعني أن تكون المرأة "امرأة" في مجتمع يحدد لها أدوارها مسبقاً؟ بصورة أساسية، ينتمي الكتاب إلى سياق الفلسفة الوجودية التي ارتبطت باسم جان بول سارتر، رفيق بوفوار الفكري، إذ تتبنى الكاتبة الفكرة الأساسية القائلة إن الإنسان لا يولد بهوية جاهزة، بل يصنع ذاته عبر أفعاله وخياراته.

من هنا جاءت عبارتها الشهيرة: "لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك"، وهي جملة تلخص المشروع الفكري للكتاب بأكمله. وينقسم "الجنس الآخر" إلى جزءين رئيسين: الأول بعنوان "الوقائع والأساطير"، والثاني بعنوان "التجربة المعاشة".

في الجزء الأول، تسعى بوفوار إلى تفكيك الصورة التي رسمها التاريخ والفكر الذكوري عن المرأة، فتعود إلى البيولوجيا، والتحليل النفسي، والمادية التاريخية، لتبين أن هذه المجالات لم تكن محايدة، بل أسهمت في ترسيخ دونية المرأة. وتحلل الأساطير الأدبية والدينية التي صورت المرأة إما ككائن ملائكي طاهر أو كإغواء وخطر، مما جعلها دائماً "الآخر" في مقابل الرجل، في قلب الحياة.

أما في الجزء الثاني، فتنتقل بوفوار إلى تحليل التجربة الحياتية للمرأة، بدءاً من الطفولة، مروراً بالمراهقة، ثم الزواج والأمومة والعمل. وتوضح كيف تشكل المرأة اجتماعياً لتقبل أدواراً محددة، وكيف تربى على الطاعة والتبعية، مما يمنعها من تحقيق ذاتها ككائن حر.

وتبرز الكاتبة أن القمع لا يأتي فقط من الخارج، بل قد تتبناه المرأة نفسها نتيجة التربية والتنشئة. ولعل واحداً من أهم المفاهيم الأساسية في الكتاب هو مفهوم "الآخر" L’Autre، إذ ترى بوفوار أن الرجل يمثل "الذات" أو "المطلق"، بينما تعرف المرأة بوصفها "الآخر"، أي الكائن الثانوي التابع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهذا التقسيم ليس طبيعياً أو بيولوجياً، بل هو نتاج تاريخ طويل من الهيمنة الثقافية والاجتماعية. وهنا تلتقي أفكارها مع تحليلات أوسع في الفلسفة الوجودية حول العلاقة بين الذات والآخر.

امتداد اجتماعي لم يكن تأثير "الجنس الآخر" فكرياً فحسب، بل امتد إلى الحركات الاجتماعية، حيث أصبح مرجعاً أساساً للحركة النسوية في أوروبا وأميركا خلال ستينيات وسبعينيات القرن الـ20. وقد أثار الكتاب جدلاً واسعاً عند صدوره، إذ اعتبره البعض صادماً بسبب صراحته في تناول موضوعات مثل الجسد، والجنس، والأمومة، بينما رأى فيه آخرون عملاً تحررياً يفتح آفاقاً جديدة لفهم وضع المرأة.

من الناحية الأسلوبية، يجمع الكتاب بين التحليل الفلسفي والسرد الأدبي، إذ تستعين بوفوار بأمثلة من الأدب والفن لتوضيح أفكارها، مستحضرة أعمال كتاب كبار مثل غوستاف فلوبير وستاندال، لتبين كيف أسهم الأدب في تشكيل صورة المرأة. وهذا ما يمنح الكتاب بعداً ثقافياً واسعاً يتجاوز حدود الفلسفة النظرية. وعلى رغم مرور عقود على صدوره، لا يزال "الجنس الآخر" نصاً حياً ومؤثراً، إذ تظل عديد من القضايا التي يطرحها، مثل عدم المساواة والتمثيلات النمطية، حاضرة في النقاشات المعاصرة.

ومع ذلك، فقد تعرض الكتاب أيضاً لنقد لاحق، بخاصة من تيارات نسوية جديدة رأت أنه يعكس تجربة المرأة الغربية البيضاء بصورة أساسية، ولا يأخذ في الاعتبار تنوع تجارب النساء عبر الثقافات.

في النهاية، يمكن القول إن "الجنس الآخر" ليس كتاباً عن المرأة بل هو عمل فلسفي عميق يرينا الشريط الفرنسي، كيف أنه يعيد التفكير في مفاهيم الهوية والحرية والاختلاف، ويدعو إلى عالم أكثر عدالة، عالم ينظر فيه إلى الإنسان، امرأة كان أم رجلاً، بوصفه كائناً حراً قادراً على تشكيل مصيره.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة