Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ملحمة "غيرنيكا" تواجه عنف الحروب الراهنة

تحفة بيكاسو تكشف أسرارها في عرض رقمي باريسي

"غيرنيكا" بيكاسو تواجه الحروب الراهنة في عرض رقمي (مؤسسة بيكاسو)

ملخص

"الفن هو الممكن"، صفة تكاد تختصر المشهد الثقافي في باريس اليوم، وهي تزدحم بمواعيدها ومفاجآتها الفنية التي تمزج بين سحر الفن الغامر الذي بات يكتسح الذائقة البصرية، والمعارض الاستعادية الكبرى. فمن جهة، تنجح تقنيات الواقع الافتراضي في جذب الذواقة لاستكشاف كنوز المتاحف البعيدة وتقريب المسافات الفنية، ومن جهة أخرى، تواصل المتاحف الرسمية إعادة تقييم تجارب رواد الحداثة، من الانطباعية وما بعدها، كما نرى في معرض ماتيس بالـ"غراند باليه" ومعرض رينوار في متحف "أورسيه". أما درّة هذه العروض الرقمية، فتتجلى في إعادة اكتشاف تحفة بيكاسو "غيرنيكا"، تلك اللوحة المحفوظة في مدريد (متحف رينا صوفيا) التي لا تزال تتربع على عرش الفن بوصفها أيقونة خالدة للسلام وصرخة إنسانية مدوية ضد العنف.

في شارع توارين داخل حي الماري الباريسي، وحيث ترتفع جدران "فندق ساليه" التاريخي شاهدة على عبقرية القرن الـ20، يستعد متحف بيكاسو الوطني لفتح نافذة سحرية على التاريخ. ليس المعرض المرتقب في الثامن من أبريل (نيسان) المقبل مجرد استعراض للوحات ساكنة، بل هو "بعث رقمي" لأكثر اللحظات تراجيدية وصدقاً في تاريخ الفن الحديث، ولادة "غيرنيكا".

عند تقاطع تاريخ الفن والانغماس الحسي، يقدم عرض "تحولات غيرنيكا" طريقة مبتكرة لفهم تاريخ هذا العمل ذي البعد العالمي، رحلة تتماهى مع مجموعات متحف بيكاسو الوطني التي تتيح استيعاب مجمل مسيرته، بما تضمه من دراسات أولية ووثائق أرشيفية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بابتكار هذه التحفة. وتكتمل هذه التجربة بتناغمها الفريد مع قاعات الطابق الثالث للمتحف، المخصصة لأعمال بيكاسو خلال الحرب العالمية الثانية وطوال فترة الاحتلال النازي لباريس في الأربعينيات.

يتتبّع المسار الافتراضي نشأة اللوحة، منذ تكليف بيكاسو إنجازها لمصلحة المعرض الدولي في باريس عام 1937، انتقالاً إلى محطات مفصلية، من أنقاض مدينة "غيرنيكا" التي ألهمت العمل، إلى محترف الفنان في باريس، وصولاً إلى مستقرها النهائي في متحف الملكة صوفيا كأيقونة عالمية للسلام. ويرتكز السرد على شهادتين استثنائيتين خوان لاريا، عضو الوفد الجمهوري وحلقة الوصل مع بيكاسو، والمصورة دورا مار التي وثقت بكاميراتها وبموقفها المناهض للفاشية مراحل إنجاز العمل الثماني.

اللوحة كفعل سياسي

تُعد "غيرنيكا" واحدة من أكثر اللوحات التي كُتب عنها في التاريخ، ليس فقط لجماليتها، بل لثقلها السياسي والرمزي. رسمها بيكاسو كرد فعل على قصف مدينة غيرنيكا الإسبانية من قبل الطيران النازي والفاشي الإيطالي خلال الحرب الأهلية الإسبانية. واختار اللونين الأبيض والأسود مع درجات الرمادي ليعطي طابعاً توثيقياً يشبه الصحف اليومية في ذلك الوقت، وليركز على المعاناة والدراما من دون تشتيت الألوان. وتظهر اللوحة رموزاً شهيرة مثل الثور (الذي يمثل التضحية أو القوة) والحصان الجريح والمصباح الذي يشبه "العين الرائية" أو وهج القنبلة.

ورفض بيكاسو التفسير الحرفي لرموزه، مدافعاً عن اللوحة كفعل سياسي، ويُذكر أنه حين سأله ضابط نازي في مرسمه "هل أنت من فعل هذا؟"، أجابه بحدة "لا، بل أنتم من فعلتم ذلك!". ووصفها الكاتب ميشيل ليريس عام 1937 بأنها "إعلان حداد" حطم الجدران بين الفن والواقع المرير.

عاشت اللوحة "هجرة" طويلة جابت خلالها العالم لدعم اللاجئين الإسبان، واستقرت في متحف الفن الحديث (MoMA)  بنيويورك لعقود، حيث رهن بيكاسو عودتها بسقوط ديكتاتورية فرانكو. ولم تعُد "غيرنيكا" لمدريد إلا عام 1981 مع بزوغ فجر الديمقراطية، لتُلقب بـ "آخر جندي يعود من الحرب الأهلية".

شهود على ولادة الصرخة

لم تكُن "غيرنيكا" لتكتمل ملامحها لولا تلك الحلقات الضيقة من المبدعين الذين أحاطوا ببيكاسو في مرسمه الباريسي. وفي قلب تجربة الواقع الافتراضي، سيجد الزائر نفسه "ظلاً" ثالثاً إلى جانب المصورة دورا مار والشاعر بول إيلوار.

كانت دورا مار، بعدستها السريالية، وثقت تحولات "المرأة الباكية" وهي تنتقل من صرخة صامتة في مسودة ورقية إلى أيقونة كونية للألم. ولولا صورها، لما أدرك العالم كيف تطور التكوين من خطوط بسيطة إلى ملحمة معقدة. فلم تكُن دورا مجرد مصورة، بل كانت "الوجه" الملهم لبيكاسو الذي قال عنها "دورا هي المرأة الباكية... رسمتها بأشكال معذبة ليس بدافع السادية، بل لأنها كانت تجسد لي الواقع بسبب طبيعتها القلقة وتأثرها بالسياسة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما إيلوار، فكان "صوت الضمير" لبيكاسو، وشاهداً على التحولات التي طرأت على "الدراسات التحضيرية" حين كان بيكاسو يمحو ويضيف ويشوّه الملامح، مستخدماً التكعيبية ليس كنمط فني، بل كأداة للتعذيب البصري. ومن خلال التقنية الصوتية في العرض، يتماهى همس إيلوار الشعري مع ضربات فرشاة بيكاسو الغاضبة، إذ إن إيلوار آمن بأن بيكاسو لم يرسم في "غيرنيكا" مشهداً للحرب، بل رسم "جوهر العذاب".

الفن هو الكذبة

تكمن أهمية المعرض (المستمر حتى السادس من أيلول-سبتمبر 2026) في قدرته على تفكيك "مختبر بيكاسو"، حيث تمنح تجربة الواقع الافتراضي الزائر فرصة لرؤية "تشريح" اللوحة وتتبع تحولاتها، من نظرة الثور إلى المنديل الذي استحال خنجراً يمزق وجه المرأة. إنها رحلة في "مطبخ الإبداع" الذي لا يراه الزائر عادة في المتاحف التقليدية، حيث تتحول الأوراق الصفراء القديمة إلى بيئة ثلاثية الأبعاد تنبض بالحياة.

وتؤكد سيسيل ديبري، رئيسة متحف بيكاسو، أن هذه التقنية ليست استعراضاً بل "ضرورة تاريخية"، فبينما تقبع اللوحة في مدريد، تظل جذورها ونشأتها مرتبطة بباريس. ونجح المخرج نيكولا تيبو في دمج الأرشيف التاريخي بمشاهد تخيلية لأطلال مدينة "غيرنيكا"، مما يجعل المشاهد يشعر ببرودة الأنقاض وحرارة الإبداع في آن واحد.

وتشكل استضافة "فندق ساليه" لهذه التجربة الغامرة، دعوة إلى اكتشاف "غيرنيكا" ليس كمجرد عمل فني، بل كروح هائمة تسكن كل جرح إنساني، وتُبعث اليوم لتذكرنا بأن الفن هو الناجي الوحيد من الدمار، وتدعونا كذلك إلى إعادة قراءة بيكاسو ليس كفنان تشكيلي وحسب، بل كمناضل خاض معاركه باللون والخط، مؤكداً مقولته "الفن هو الكذبة التي تجعلنا ندرك الحقيقة".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة