ملخص
كانت مهمة باكستان شبه مستحيلة، فبينما كان يُنتظر من فانس التوصل إلى اختراق دبلوماسي مع إيران، كان نائب الرئيس لا يسعى إلى الموازنة بين مطالب ترمب الطموحة والتنازلات الإيرانية المحدودة وحسب، بل إلى إثبات نفسه لقاعدته الشعبية المعارضة للتدخلات الخارجية.
غالباً ما يبقى نواب الرئيس في الولايات المتحدة بعيدين من الضوء أو قد يُزج بهم في مهمات مستحيلة ومكلفة سياسياً، كما الحال مع آخر ثلاث أشخاص تولوا هذا المنصب. على رغم علاقتهما العلنية المستقرة لكن جو بايدن أعرب لأعوام في الخفاء عن استيائه من التهميش الذي تعرض له من باراك أوباما. كذلك لمحّت كامالا هاريس لاحقاً إلى أن أنانية بايدن وتهميشه لها في السياسة الخارجية كانت من أسباب خسارتها الانتخابات الرئاسية، أما مايك بنس فكان عرضة النفي والتشويه السياسي بعدما تجاهل مطالب ترمب بعدم المصادقة على الانتخابات التي خسرها.
ولذلك عندما قرر جي دي فانس (41 سنة) الترشح لمنصب نائب الرئيس، كان مدركاً لهذه التحديات التي واجهت أسلافه، خصوصاً أن نائب ترمب في الولاية الأولى كان مجرداً من أي نفوذ أو ظهور بارز، في مقابل سطوة ترمب السياسية والإعلامية التي لا مثيل لها. وكان فانس يدرك أيضاً أن طريقه للرئاسة عام 2028 ستكون أقل وعورة بقربه من قاعدة "ماغا"، فبصفته الرجل الثاني في الحزب الجمهوري لن تفصله إلا خطوة عن المنصب الأهم.
موازنة ترمب و"ماغا"
كان مسار فانس مستقراً حتى اندلعت حرب إيران فسعى إلى النأي بنفسه عنها للحفاظ على دعم قاعدته الشعبية التي تتألف غالبيتها من جمهوريي اليمين الجديد الرافضين للتدخلات الخارجية، لكنه سرعان ما وجد نفسه في خضم عملية التفاوض مع طهران بعدما اختاره ترمب لقيادتها، لتصبح بذلك مهمته الأكبر منذ توليه منصبه. وفيما وجّهت المفاوضات أنظار الأميركيين والعالم نحو السياسي الشاب إلا أن دوره الجديد اقترن بكلفة عالية، لأن فشل المفاوضات سيرتد على صورته وحظوظه للفوز بالرئاسة.
كانت مهمة باكستان شبه مستحيلة، فبينما كان يُنتظر من فانس التوصل إلى اختراق دبلوماسي يضع حداً لخلاف استمر أربعة عقود مع إيران، كان نائب الرئيس لا يسعى إلى الموازنة بين مطالب ترمب الطموحة والتنازلات الإيرانية المحدودة وحسب، بل إلى إثبات نفسه لقاعدة "ماغا" المعارضة للتدخلات الخارجية والتي كانت تراقب أداءه بوصفه مؤشراً على توجهاته في حال ترشح للرئاسة عام 2028.
وعبّر الرئيس ترمب عن صعوبة المهمة الملقاة على كاهل نائبه عندما قال مازحاً بأنه إذا لم يجر التوصل إلى اتفاق "فسأحمّل جي دي فانس المسؤولية"، أما إذا نجحت المفاوضات "فسآخذ أنا الفضل كاملاً"، في حين حاول فانس خفض سقف التوقعات قبل مغادرته إلى باكستان قائلاً إنه "إذا كانت إيران مستعدة للتفاوض بحسن نية، فنحن مستعدون لمد يد مفتوحة"، لكنه حذرها من التلاعب، مشيراً إلى أن ترمب وضع "إرشادات واضحة".
بين فانس وروبيو
بعد فشل المحادثات قال فانس إنه قضى 21 ساعة للتوصل إلى اتفاق لكن من دون اختراق دبلوماسي، في محاولة لتأكيد جديته ورغبته في إنهاء الحرب، وعبّر عن خيبة أمل لم يتردد صداها لدى ترمب، قائلاً، إن فشل المفاوضات يعد "خبراً سيئاً" لإيران والولايات المتحدة، أما الرئيس الأميركي فسارع إلى التعبير عن عدم اهتمامه بنتيجة المحادثات وقال" لا فرق بالنسبة إليّ سواء توصلنا إلى اتفاق أم لا".
وبرزت الكلفة السياسية التي تكبدها فانس في مفارقة لافتة أمس السبت، فبينما كان نائب الرئيس في إسلام آباد يعلن فشل المفاوضات مع إيران، كان خصمه المحتمل للرئاسة وزير الخارجية ماركو روبيو يحضر مع عائلة ترمب نزالاً قتالياً في ميامي، وفي اليوم التالي تصدرت صورة فانس أعمدة الصحف الأميركية مع مفردات "الفشل" و"الانهيار"، فيما بقي روبيو محصناً من تبعات تعثر المحادثات.
وكان روبيو المرشح المفترض للإشراف على المفاوضات بحكم احتفاظه بحقيبة الخارجية ومنصب مستشار الأمن القومي، لكن عدم قيادته لها لم يكن تهميشاً أو ضعفاً بل حقق من ذلك هدفين: تحصين سمعته من كلفة الفشل والمحافظة على اتساق مواقفه الثابتة ضد إيران، ففيما أمِل فانس بأن يكون النجاح في إسلام آباد افتتاحية حملته الانتخابية، ربح روبيو جولة باكرة من جولات الاستحقاق الرئاسي.
الخلافات الباقية
لم يشر فانس في إحاطته الإعلامية إلى إمكان فتح مضيق هرمز أو صمود الهدنة، لكنه قال إن الوفد الأميركي يغادر بعدما قدم "العرض النهائي والأفضل"، وأضاف "لقد أوضحنا بصورة قاطعة ما هي خطوطنا الحمر وما الذي يمكننا التنازل عنه، وما الذي لا يمكننا التنازل عنه"، وفيما لم يكشف نائب الرئيس عن تلك الخطوط الحمر لكن الطرفين أصدرا خلال الأيام التي سبقت المحادثات تصريحات علنية أظهرت استمرار التباعد في مواقفها حول عدد من القضايا الجوهرية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووفق التقارير فقد بقيت ثلاث نقاط خلافية رئيسة، وهي إعادة فتح مضيق هرمز ومصير 900 رطل من اليورانيوم عالي التخصيب ومصير 27 مليار دولار من العائدات الإيرانية المجمدة في الخارج، وفي حين طالبت الولايات المتحدة بإعادة فتح المضيق فوراً أمام حركة الملاحة فقد رفضت طهران تنفيذ هذا المطلب إلا بعد اتفاق سلام نهائي، أما نقطة الخلاف الأخرى فتتعلق بتسليم إيران أو بيع كامل مخزونها من اليورانيوم المخصب.
وأثارت نتيجة المفاوضات تساؤلات عما إذا كان ترمب قد كلّف فانس بمهمة خاسرة سلفاً، في حين أشار مسؤولون أميركيون إلى أن اختيار نائب الرئيس كان رسالة لإيران بأن الإدارة جادة في التوصل إلى اتفاق، وتوقع إستراتيجيون جمهوريون أن تتحول إيران إلى قضية محورية خلال انتخابات عام 2028، على غرار دور حرب العراق في انتخابات عامي 2004 و2008، لكن الخلاف يتمحور حول ما إذا كان فانس وحده المتأثر بهذه الحرب أم أن التأثير سيطاول روبيو، كونهما جزءاً من إدارة واحدة.