ملخص
شهد لبنان زيادة في الأسعار بحدود 20 في المئة على مستوى مختلف السلع والخدمات بفعل الزيادة في أسعار المحروقات. وتسود حال من القلق بعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على حرب الإسناد الثانية دون وضوح أفق الحل. ويعاني لبنان دوامة تضخمية بفعل استيراد المشتقات النفطية من الخارج، وعدم امتلاك الدولة مخزونات استراتيجية لمواجهة أزمة طويلة، فيما الاعتماد الكبير يبقى على القطاع الخاص.
يعد المواطن اللبناني الحلقة الأضعف في دوامة التضخم التي أطلقها التهاب أسعار المحروقات، إذ تشهد الأسواق حالاً من الإرباك والفوضى، ويسعى التجار لحماية أنفسهم من خلال رفع عشوائي للأسعار التي تجاوزت أحياناً مستوى 20 في المئة خلال أسبوع واحد، وصولاً إلى التقنين في بيع السلع وتقديم الخدمات، فيما اتجهت السياسات الحكومية نحو "خفض وزن ربطة الخبز من أجل الحفاظ على سعرها"، وتراجع التغذية الكهربائية إلى أربع ساعات يومياً بفعل غلاء الفيول، فيما تتسع دائرة الخوف ومنسوب القلق بسبب الاستهدافات العنيفة في مختلف المحافظات اللبنانية، والتحذير من نتائج كارثية لاستمرار الحرب الهوجاء التي دخلت أسبوعها الرابع، وتزايد احتمالات الغزو البري وتقطيع أوصال المناطق الجنوبية.
الضربات المتتالية
ولم يكن اللبنانيون قد استفاقوا بعد من ضريبة الدولارات الأميركية الأربعة التي فرضتها الحكومة اللبنانية لتغطية زيادة أجور موظفي القطاع العام، حتى باغتتهم الارتفاعات اليومية المتسارعة في جدول أسعار المحروقات مع بدء الحرب الحالية، إذ بلغ سعر صفيحة البنزين (20 ليتراً، 95 أوكتان) مليونين و364 ألف ليرة لبنانية، أي نحو 26.5 دولار أميركي، أما سعر صفيحة المازوت فقد بلغ مليونين و295 ألف ليرة لبنانية أي 25.6 دولار أميركي.
أثقلت تلك الزيادات كاهل المواطنين والموظفين، ودفعت شريحة واسعة منهم إلى المطالبة بتطبيق أنظمة العمل من بعد على غرار ما كان يحصل إبان جائحة كورونا، فيما ناشد رئيس رابطة التعليم الثانوي جمال عمر المسؤولين من "باب الإنسانية" بصرف مساعدة اجتماعية عاجلة للأساتذة المتعاقدين والملاك في ظل الأوضاع الصعبة التي تمر بها البلاد. وأصدر وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط قراراً بخفض وزن ربطة الخبز 25 غراماً بعد الارتفاعات التي طاولت صناعة الرغيف، وخصوصاً ارتفاع أسعار المازوت وتجاوز سعر الطن منه ألف دولار أميركي، وما نتج منه من ارتفاع في كلفة النقل وزيادة تشغيل المولدات الخاصة.
في موازاة ذلك، بدأ أصحاب المولدات الكهربائية الخاصة زيادة ساعات التقنين وفرض علاوات إضافية على سعر "الأمبير"، ويتحدث مواطنون عن زيادة 30 في المئة على التعريفة السابقة بحجة غلاء المازوت. ويتخوف المواطنون من ارتفاع الفاتورة على أعتاب فصل الصيف، إذ اضطر ذوو الدخل المحدود لخفض حجم المشاركة ليتلاءم مع القوة الشرائية.
ونبه رئيس جمعية حماية المستهلك في لبنان الدكتور زهير برو من التأثيرات المباشرة لفاتورة المحروقات في سائر السلع والخدمات، إذ تنعكس بصورة مباشرة وفورية على مولدات الكهرباء والاشتراكات ومحطات البنزين، ناهيك بالتأثير الآلي على أسعار السلع بسبب غلاء كلف النقل. وتحدث برو عن "استغلال التاجر اللبناني للأزمات من أجل زيادة الأسعار دون أن يخشى آليات الضبط"، مطالباً بتدخل الدولة "من أجل قمع الفوضى وفرض معاييرها، وحض المؤسسات الكبرى والمستوردين على عدم رفع الأسعار بصورة عشوائية، لأن زيادة الواحد في المئة التي يفرضها المستورد تتجاوز الـ10 في المئة عندما تصل إلى متاجر التجزئة والمفرق"، بالتالي "لا بد من تدخل وزارة الاقتصاد لترتيب العلاقات ومراقبة الأسعار وتأمين وصولها إلى المتضررين من الحرب. ويجب مراقبة الإيجارات في ظل الظروف الراهنة". وأشار إلى زيادة 12 في المئة على سعر ربطة الخبز في ظل الأزمة الحالية.
النفط الملتهب
يعيش لبنان والمنطقة في قلب الأخطار، ويتحدث المتخصص في ملف الغاز والنفط الدكتور غازي محمود عن تأثير كبير للحرب الأميركية الإسرائيلية - الإيرانية على أسعار النفط، مع تهديد الملاحة في مضيق هرمز التي تؤثر في خُمس إمدادات النفط العالمية. ويلفت إلى اختلاف الخط البياني للارتفاعات الذي يمكن وصفه بالجنوني خلال الأسبوع الأول، إذ تجاوز عتبة 100 دولار أميركي، ومن ثم الاضطراب والتذبذب بفعل خطابات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتناقضة، والهدوء النسبي مع الإفراج عن كميات هائلة من النفط لمنع وصوله إلى مستويات استثنائية.
ولا يستبعد غازي محمود الدخول في حقبة من التأقلم مع الأزمات، على غرار ما عاشته الأسواق بعد اندلاع الحرب الأوكرانية – الروسية، التي انتقلت من جنون الأسعار ثم العودة إلى مرحلة الاستقرار بعد تجاوز "مرحلة الفقاعة"، بالتالي "قد لا نكون أمام ارتفاع دائم في الأسعار لأن في نهاية الحرب نكون أمام تفاهمات ومساعٍ نحو الاستقرار، وكلما كانت النهاية قريبة للحرب كان تعافي الأسواق ممكناً، وحماية مستقبل الدول والبشرية".
ويضع غازي محمود "سيناريو التأقلم مع الحرب" في خانة أسوأ الاحتمالات، معتبراً أن "الحرب قد تكون طويلة لأن الحسم قد لا يكون قريباً والمفاوضات تشوبها الغموض، وأن صمود النظام الإيراني قد يقود إلى مزيد من العمليات الحربية أو حتى تنفيذ إنزال في جزيرة خرج الإيرانية من أجل السيطرة على 90 في المئة من النفط الإيراني المستورد من دون تدمير منشآت الطاقة، على رغم خطورة السيناريو الحالي".
من جهة أخرى، يأمل المتحدث ذاته في "نهاية سريعة للحرب لما لها من تأثيرات وانعكاسات سلبية تطال مصالح معظم دول العالم"، محذراً من "قصف منشآت الطاقة ودوامة الردود العنيفة وغير العقلانية التي تطال شظاياها مختلف دول المنطقة، وخطر حرمان العالم من 40 في المئة من الواردات النفطية، والدخول في حقبة جديدة من الانكماش الاقتصادي العالمي الذي لن تكون الصين والهند وكوريا الجنوبية في منأى منه".
غلاء الغذاء
ودخل لبنان ضمن دوامة من التضخم في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار المحروقات التي طاولت مختلف القطاعات، فهي لم تتوقف عند عتبة قطاع النقل مع ارتفاع التعريفة بمعدل يزيد على 50 في المئة، إذ شهدت المتاجر زيادة ملحوظة في أسعار مختلف السلع الغذائية، انعكست مباشرة على المستهلك. وجاءت الأعباء شديدة على ذوي الدخل المحدود. ويتوقع نقيب أصحاب السوبرماركت في لبنان نبيل فهد زيادة إضافية على أسعار السلع تراوح ما بين 5 و10 في المئة، ويقر بأن الزيادة ستكون عامة وستشمل قائمة السلع الأساس، منوهاً بأن "السلع موجودة بوفرة ولا يوجد أي تأخير في سلاسل التوريد".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ورداً على سؤال حول تأثير أزمة مضيق هرمز على سلاسل التوريد، يوضح فهد أن "بعض شركات الشحن تبحر حول أفريقيا للبضائع من الشرق الأقصى وجنوب آسيا. ولكن دون أي تأثير في المخزون".
من جهته، يؤكد المتخصص الاقتصادي الدكتور بلال علامة على وجود "حال تضخمية كبيرة بفعل ارتفاع أسعار المحروقات"، مقدراً "الزيادة النهائية عند حدود 20 في المئة حتى الآن، وتقوم بعض السوبرماركت بزيادتها بصورة مقطوعة على الفاتورة، وما يرافقها من حجم الضريبة على القيمة المضافة".
ويتوقع علامة زيادات إضافية على أسعار مختلف السلع والخدمات في حال طال أمد الأزمة الحالية، إذ تسهم جملة عوامل في تلك الارتفاعات من زيادة كلف النقل والشحن، وبوالص التأمين التي تضاعفت 10 مرات تقريباً، وهو ما سيؤدي إلى تضخم شامل.
لبنان بلا حصانة
وانعكس ارتفاع سعر المحروقات بصورة مباشرة على لبنان ودول الجوار كافة بسبب تراجع المعروض، في مقابل ارتفاع في دالة الطلب حسب الخبيرة النفطية لوري هايتايان، التي لفتت إلى استيراد لبنان للمحروقات من الخارج سواء كانت على صورة مازوت أو بنزين أو كيروزين الطائرات، مع شكوك في حجم المخزونات التي تمتلكها الشركات المستوردة، إذ يفترض مقارنة الأسعار بين موعد وصولها والتسعيرة الرسمية حالياً. وتشير هايتايان إلى أن "تلك الارتفاعات جاءت بعد فترة قصيرة من الزيادة التي فرضتها الحكومة على أسعار المحروقات، قبل أن تأتي الأزمة الحالية لتزيد العبء على المواطن اللبناني العادي، الذي سيكون عليه تحمل سلسلة الغلاء التي ستطرأ على مختلف الخدمات، إذ إنه ومنذ عام 2019 تتبع الدولة اللبنانية استراتيجية نقل العبء إلى المواطن، بخلاف الإجراءات التي اتبعتها الدول الأوروبية في أعقاب اندلاع الحرب الأوكرانية - الروسية، وتقديمها حزم دعم لمواطنيها".
وتطرقت هايتايان إلى مسألة المخزون الاستراتيجي لدى الدول لمواجهة الأزمات والذي يستمر لمدة تقارب 90 يوماً، متحدثة عن "كميات محدودة في منشآت النفط داخل طرابلس (شمال لبنان) غير القادرة على الاستمرار لفترات طويلة". ولا تستغرب من زيادة التقنين على مستوى الكهرباء العمومية، متأثرة بتراجع الكميات المستوردة من العراق بفعل إعلانه "القوة القاهرة" وتقييد عمليات التوريد إلى الخارج. وتعتقد هايتايان أن مختلف الدول المعنية بالأزمة ومن ضمنها لبنان، قد تلجأ إلى سياسات الحد من الطلب وإعادة تنظيم العمل، والإغلاق المبكر للمؤسسات التجارية من أجل الحد من الطلب، أو حتى تقييد النقل بالسيارات الخاصة، ناهيك باتباع خطوات التقنين أو إطفاء المولدات بسبب عدم قدرة الدولة على استيراد كميات كافية للاستهلاك المتزايد، ومحدودية النقد الأجنبي.