Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد قرار طرده... السفير الإيراني لدى لبنان أمام 3 خيارات

مصادر مقربة من قصر بعبدا لـ"اندبندنت عربية": رئيس مجلس النواب نبيه بري "الغاضب" من هذا القرار أعطى رئيس الجمهورية جوزاف عون مهلة حتى غد قبل التراجع عن القرار أو إيجاد مخرج "يبطله"

بعد قرار طرده يجد السفير الإيراني في لبنان أمام خيارات ضيقة (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي)

ملخص

عن كواليس الاتصالات التي سبقت القرار، تكشفت مصادر سياسية مطلعة على التفاصيل للمرة الأولى، وتقول إن وزير الخارجية يوسف رجي أجرى الإثنين الماضي اتصالات مع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، تشاور خلالها معهما وحصل على موافقتهما وفق الأصول الدستورية المتبعة، قبل أن يطلب في اليوم نفسه من الأمين العام لوزارة الخارجية السفير عبدالستار عيسى استدعاء القائم بالأعمال الإيراني فوراً، وهو ما حصل أمس إذ أتى القائم بالأعمال الإيراني وأبلغ بقرار سحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعين محمد رضا شيباني، مع منحه مهلة حتى الأحد لمغادرة لبنان.

في خطوة توصفها مصادر دبلوماسية بأنها "غير مسبوقة" في تاريخ العلاقات اللبنانية- الإيرانية، أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية، أمس الثلاثاء، سحب اعتمادها للسفير الإيراني المُعيَن محمد رضا شيباني، وإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه، مع مطالبته بمغادرة الأراضي اللبنانية في موعد أقصاه الأحد 29 مارس (آذار) الجاري.

واستند القرار إلى آلية "الشخص غير المرغوب فيه" (Persona Non Grata)  المنصوص عليها في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، التي تمنح الدولة المضيفة حق رفض أي دبلوماسي من دون أن تُلزَم بتقديم مبررات .

وقد كشفت مصادر مقربة من قصر بعبدا لـ"اندبندنت عربية" أن رئيس مجلس النواب نبيه بري "الغاضب" من هذا القرار أعطى رئيس الجمهورية جوزاف عون مهلة حتى غد، وتحديداً قبل عقد جلسة حكومية مقررة بعد ساعات، قبل التراجع عن قرار طرد السفير الإيراني أو إيجاد مخرج "يبطل" هذا القرار.

وكانت مصادر صحافية قد كشفت أن ثنائي "حزب الله" وحركة "أمل" طالبا السفير الإيراني بعدم مغادرة لبنان، رافضين تنفيذ قرار الخارجية اللبنانية.

سلسلة انتهاكات إيرانية

لم يأتِ قرار اعتبار السفير الإيراني شخصاً غير مرغوب به في لبنان من فراغ، بل جاء تتويجاً لسلسلة من الاستفزازات والانتهاكات الإيرانية لسيادة لبنان، التي اعتبرتها الدولة اللبنانية تدخلاً في شؤونها الداخلية بما يناقض الاتفاقات الدولية الخاصة بالعلاقات الدبلوماسية بين الدول. ولائحة عدم احترام إيران الأصول والأعراف الدبلوماسية تطول، بدءاً من استدراج إيران لبنان بواسطة "حزب الله" إلى حرب لم يخترها كما أكد مراراً رئيسا الجمهورية والحكومة ووزير الخارجية، مروراً بإعلان الحرس الثوري الإيراني عن تنفيذ عمليات مشتركة مع الحزب من داخل الأراضي اللبنانية، بما يخالف قرار الحكومة اللبنانية بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ"حزب الله"، وصولاً إلى ما كشفه رئيس الحكومة نواف سلام علناً عن وجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني على الأراضي اللبنانية، مؤكداً أنهم يقودون عمليات عسكرية بشكل مباشر.

وسبقت ذلك أسئلة كثيرة حول حيازة السفير الإيراني السابق مجتبى أماني جهازاً من نوع "بيجر"، مما أدى إلى إصابته بهجمات 17 سبتمبر (أيلول) 2024، حينما فجرت إسرائيل عن بعد آلاف أجهزة النداء. إضافة إلى وجود معاون قائد العمليات في الحرس الثوري عباس نيلفروشان قرب الأمين العام للحزب السابق حسن نصرالله لحظة اغتياله عصر 27 من الشهر نفسه.

تشجيع شيعي على كسر قرار الدولة

وعن كواليس الاتصالات التي سبقت القرار، تكشفت مصادر سياسية مطلعة التفاصيل للمرة الأولى، وتقول إن وزير الخارجية يوسف رجي أجرى الإثنين الماضي اتصالات مع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، تشاور خلالها معهما وحصل على موافقتهما وفق الأصول الدستورية المتبعة، قبل أن يطلب في اليوم نفسه من الأمين العام لوزارة الخارجية السفير عبدالستار عيسى استدعاء القائم بالأعمال الإيراني فوراً، وهو ما حصل أمس، إذ أتى القائم بالأعمال الإيراني وتم إبلاغه قرار سحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعين محمد رضا شيباني، مع منحه مهلة حتى الأحد لمغادرة لبنان.

غير أن ردود الفعل الرافضة لم تتأخر، إذ كان رئيس مجلس النواب نبيه بري في طليعة المعترضين، إذ اتصل بالقصر الجمهوري مطالباً بالتراجع عن القرار، مؤكداً أنه لن يمر ولن يُتعامل معه بوصفه أمراً عادياً مقبولاً في أي ظرف، بالتوازي مع تلويح وزرائه بالاستقالة من الحكومة، والتهديد بتعليق مشاركة "الثنائي الشيعي" في الحكومة والامتناع عن حضور جلساتها واعتبارها فاقدة للميثاقية الوطنية في حال لم يتم التراجع عن القرار المتخذ بحق السفير الإيراني.

وقالت وزيرة البيئة تمارا الزين، المنتمية إلى فريق الرئيس بري، في مقابلة إعلامية قبل ساعات إنها لا تستبعد انسحاب وزراء الثنائي من الحكومة على خلفية قرار طرد السفير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتجاوز بري ذلك إلى الاتصال مباشرة بالسفير الإيراني وحثه على البقاء في لبنان. في المقابل، سعى الرئيس عون إلى التواصل مع الرئيس سلام بحثاً عن مخرج أقل حدة، مقترحاً الاكتفاء بتوجيه إنذار للسفير وطلب مغادرة عدد من دبلوماسيي السفارة، كما تكشف المصادر.

وفي خضم هذه الاتصالات المتشعبة، جرى تسريب مقصود يُصور وزير الخارجية يوسف رجي على أنه تصرف منفرداً، في محاولة واضحة لعزله في مواجهة معارضة شيعية متعددة المستويات، حزبية وسياسية ودينية. فعلى وقع دعوات "حزب الله" أنصاره إلى التحرك الميداني احتجاجاً، وتشجيع "الثنائي" السفير الإيراني على التمرد على قرار الخارجية اللبنانية، أصدر الحزب بياناً نعت فيه قرار وزارة الخارجية بأنه يفتقر إلى أي سند قانوني، واتهم الوزير رجي بتغليب المصالح الحزبية على مصلحة لبنان وأمنه واستقراره، داعياً رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى المطالبة بالتراجع الفوري عنه.

ولم يقتصر الاعتراض على الإطار السياسي، بل امتد إلى الأوساط الدينية الشيعية، إذ أعلن كل من المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب رفضهما القاطع للقرار. وذهب الشيخ قبلان إلى أبعد من ذلك حين حذر السلطات اللبنانية من المضي في هذا التوجه، قائلاً "لن نسمح للسلطة المتهورة بنحر لبنان سياسياً أو سيادياً".

السفير الإيراني أمام خيارين: المغادرة أو التوقيف

يرى الأمين العام السابق لوزارة الخارجية السفير ويليام حبيب أن لبنان يجتاز اليوم واحدة من أعقد المحطات وأشدها حساسية في تاريخه منذ الاستقلال. ويؤكد أن السفير الإيراني، الذي لم يُقدم أوراق اعتماده حتى الآن، قد أخل صراحة بأحكام اتفاقية فيينا، التي تُلزم الممثلين الدبلوماسيين الأجانب عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المضيفة، وبالامتناع عن أي تصرف من شأنه تهديد أمنها واستقرارها.

ويصف حبيب القرار الصادر عن وزارة الخارجية بوصفه قراراً سيادياً بامتياز، مُلزِماً للسفير الإيراني تنفيذه في المهلة المقررة. وفي حال إخلاله بذلك، يرى أن على قوى الأمن الداخلي ترحيله وإجباره على المغادرة. أما إذا تمسك بالبقاء على رغم القرار، فإنه يفقد صفته الدبلوماسية بالكامل، ويُعد في حكم الداخل إلى الأراضي اللبنانية بصورة غير مشروعة، خارجاً عن القانون، ومجرداً من أي حصانة حتى لو حمل جوازاً دبلوماسياً، بل يغدو عرضة للتوقيف. ويستحضر في هذا السياق سابقة دبلوماسيين عراقيين جرى توقيفهم بتهمة اغتيال معارض عراقي في لبنان إبان حكم الرئيس السابق صدام حسين، وبقوا رهن الاحتجاز فترة مطولة، على رغم رفض بغداد رفع الحصانة الدبلوماسية عنهم.

وفي تعليقه على دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري و"حزب الله" السفير الإيراني إلى التمرد على القرار وعدم المغادرة، آثر الدبلوماسي المخضرم الاقتصار على القول إنه يستبعد صدور مثل هذا الموقف عن الرئيس بري فعلاً، إذ ينطوي على تناقض صارخ مع مكانته بوصفه الشخصية الثانية في الجمهورية وحارس دستورها. وأضاف أنه يُدرك أن يُقدم تنظيم مسلح على هكذا خطوة، غير أنه يجد صعوبة بالغة في تصديق صدورها عن رئيس مجلس النواب.

السفير يبقى ولكن من دون صلاحيات

في المقابل يقدم الكاتب سمير سكاف مقاربة ثالثة لما قد يحصل إن لم يغادر السفير الإيراني لبنان الأحد المقبل، أي بعد أيام قليلة، ويقول "في الواقع، سيكون من الصعب جداً عليه عدم تنفيذ قرار الحكومة اللبنانية، لأنه أصبح بالنسبة إلى هذه الحكومة غير شرعي وغير مرغوب فيه، ومطالباً بمغادرة البلاد. ولكن حتى لو رفض المغادرة، فلن يكون معترفاً به رسمياً من قبل الحكومة اللبنانية سفيراً لإيران، ولن يكون معتمداً في إطار العلاقات الدبلوماسية اللبنانية–الإيرانية".

وتابع، "تبدو هناك إرادة لدى الحكومة اللبنانية لإعادة ضبط الأمور في ما يخص الوضع الداخلي، لا سيما مسألة التدخل الإيراني في الشأن اللبناني. غير أن ذلك لن يصل إلى حد توقيف السفير الإيراني أو اعتقاله، أو اتخاذ أي إجراء من شأنه زيادة التصعيد في الأزمة الدبلوماسية المستجدة بين البلدين. ومع ذلك، يمكن للحكومة اللبنانية اعتباره خارج الخدمة الدبلوماسية، وبالتالي التعامل معه بصفة زائر لا أكثر. وقد يُنظر إلى هذا الإجراء من قبل بعض الأطراف، كـ"حزب الله" مثلاً، على أنه استفزاز إضافي. لذلك، قد تقتصر الخطوات على منعه من ممارسة مهامه كسفير، بحيث يبقى في لبنان من دون صفة رسمية، أشبه بسائح".

وشدد على أن إجبار السفير الإيراني بالقوة على مغادرة لبنان، فقد يكون أمراً صعباً وقد يزيد من حدة التوتر. لذلك، قد تسعى الحكومة اللبنانية إلى تجنب أي تصعيد إضافي، لا سيما عبر إجراءات تحمل طابعاً إلزامياً أو عسكرياً.

خيارات إيران

ماذا ستفعل إيران؟ سؤال كثر طرحه منذ قرار وزارة الخارجية اللبنانية باعتبار سفيرها شخصاً غير مرغوب فيه في لبنان. يتحدث محللون عن مسارات ثلاثة يمكن أن تسير بها طهران فإما أن تختار التهدئة وإبداء الامتثال للقرار لتفادي مزيد من العزلة الإقليمية في ظرف بالغ الحساسية، وإما أن تلجأ إلى توظيف "حزب الله" ورقة ضغط لإرغام الدولة اللبنانية على التراجع، وإما أن يُفضي التصعيد إلى قطع العلاقات الدبلوماسية كاملاً على غرار ما جرى مع دول خليجية عام 2016.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير