ملخص
يقوم المسرح الواقعي عند الكاتب الأميركي يوجين أونيل على تعرية الداخل النفسي للشخصيات، فهو يتأثر، في هذا السياق، بعلم النفس الحديث، وخصوصاً التحليل النفسي
هم إذاً ثلاثة من كبار الكتاب الذين انصرفوا إلى الإبداع المسرحي خلال العقود الصاخبة التي تمفصلت بين القرنين الـ19 والـ20، وخاضوا "الكفاح" المسرحي لخلق واقعية اجتماعية متنوعة أتت أولاً من النروج مع هنريك إبسن، ثم من موسكو الروسية مع أنطون تشيكوف، لتواصل مسيرتها بعد ذلك مع النيويوركي يوجين أونيل، الذي نقدمه هنا كواحد من مبدعي الثلاثية التي سبق أن قدمنا من أفرادها إبسن وتشيخوف، ويحين هنا دور أصغرهم سناً، ولكن ربما أكثرهم نقدية في واقعيته، حتى وإن كانت دربه قد تعاكست مع درب زميليه.
فلئن كان هذان قد بدآ غائصين في شاعرية ما أوصلتهما إلى الواقعية، فإنه هو انطلق أولاً من الواقعية لـ"يبارحها" إلى الشاعرية في سنواته الأخيرة.
واقعية درامية
يعد يوجين أونيل (1888 - 1953) أحد أبرز رواد المسرح الأميركي الحديث، وقد ارتبط اسمه بمحاولة تأسيس مسرح جاد يتجاوز التسلية السطحية نحو معالجة قضايا الإنسان بعمق نفسي واجتماعي.
وإذا كان يصنف ضمن تيارات متعددة، من التعبيرية إلى الرمزية، فإن جذوره الأساسية تظل متصلة بما يمكن تسميته "الواقعية الدرامية"، التي منحها بعداً جديداً في سياق القرن الـ20.
ولد أونيل في نيويورك في عائلة مسرحية، إذ كان والده ممثلاً مشهوراً، مما جعله يعيش منذ طفولته في أجواء الكواليس والتنقل المستمر. غير أن هذه الحياة لم تكن مستقرة، بل اتسمت بالاضطراب، وهو ما انعكس لاحقاً في اهتمامه بالشخصيات القلقة والممزقة.
كما أن تجاربه الشخصية، من العمل في البحر إلى معاناته مع المرض والإدمان، شكلت مادة خاماً لمسرحه، مانحة إياه صدقية واقعية نادرة.
وتتجلى الخصائص الواقعية في مسرح أونيل أولاً في اختياره لمواضيعه، إذ ركز على الإنسان العادي في صراعه مع ذاته ومع محيطه. ففي أعمال مثل "آنا كريستي" و"الرغبة تحت أشجار الدردار" و"رحلة يوم طويل إلى الليل"، نرى شخصيات تنتمي إلى طبقات اجتماعية مختلفة، لكنها تشترك في شعور عميق بالاغتراب والعجز. لا يقدم أونيل بطلاً تقليدياً، بل أفراداً عالقين في أزماتهم النفسية، يعجزون عن الخلاص منها.
تعرية الداخل
من الناحية الفنية، يقوم المسرح الواقعي عند أونيل على تعرية الداخل النفسي للشخصيات. فهو يتأثر، في هذا السياق، بعلم النفس الحديث، وخصوصاً التحليل النفسي، إذ تتحول الخشبة إلى فضاء للكشف عن اللاوعي والصراعات المكبوتة. الحوار عنده لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يكشف عن طبقات خفية من المعنى، وغالباً ما يتسم بالتوتر والتكرار، بما يعكس حالة الشخصيات المضطربة.
كما أن الواقعية عند أونيل لا تعني الاكتفاء بنقل الواقع الخارجي، بل الغوص في "حقيقته الداخلية". لهذا، نجده يمزج بين الواقعية وتقنيات أخرى، مثل الرمزية والتعبيرية، من دون أن يفقد حسه الواقعي. ففي بعض أعماله، يستخدم الإضاءة أو الأقنعة أو المونولوجات الداخلية، ليس للابتعاد من الواقع، بل لتعميق فهمه.
وهنا تكمن خصوصيته: واقعية لا تكتفي بالسطح، بل تنفذ إلى الجوهر. وتظهر سمة أخرى من سمات الواقعية في اهتمامه بالزمن، حيث تتسم مسرحياته بإحساس ثقيل بالماضي الذي يطارد الحاضر.
في "رحلة يوم طويل إلى الليل" تحديداً، يتحول الزمن إلى عنصر درامي أساسي، إذ تنكشف تدريجاً أسرار العائلة، ويتضح كيف أن الماضي، بأخطائه وآلامه، لا يزال يتحكم في مصائر الشخصيات، هذه الرؤية تعكس فهماً واقعياً عميقاً لطبيعة التجربة الإنسانية.
أخيراً، يمكن القول إن أونيل أسهم إلى جانب هنريك إبسن وأنطون تشيكوف، ولو في أزمنة متفرقة، في تطوير الواقعية المسرحية عبر توسيع حدودها. فهو لم يكتف بتصوير الواقع الاجتماعي، بل جعل من المسرح أداة لاستكشاف النفس البشرية في تعقيدها وتناقضاتها. وبذلك، مهد الطريق لمسرح حديث يوازن بين الصدق الواقعي والابتكار الفني، ويمنح المتفرج تجربة إنسانية كثيفة ومؤلمة في آن واحد.
حيوية وتنوع
ومهما يكن فإن يونيل يعتبر، إلى جانب تنيسي ويليامز وآرثر ميلر، وقبلهما أحياناً، أعظم كاتب مسرحي أنجبته أرض أميركا الشمالية خلال القرن الـ20، ولعله الأكثر حيوية وتنوعاً بين الكتاب الأميركيين على الإطلاق.
يوجين أونيل لم يكن بحاجة، عند آخر حياته، لأن يتزوج تشارلي شابلن من ابنته أونا فيصبح صهره، حتى ينال مزيداً من الشهرة. بل يقال إنه كان ضد هذا النوع من الشهرة ولم يكن راضياً عن ذلك الزواج، بيد أن هذا الأمر لم يكن الوحيد الذي أثار غضب يوجين أونيل ومرارته، فنحن إذا قرأنا مسرحياته العديدة وتفرسنا في معانيها ورسالاتها، تكشف لنا من خلالها كاتب لم يكف عن التنديد بخلو المجتمع الأميركي، وربما المجتمع الإنساني بصورة عامة، من القيم، كما من التنديد بالروح المادية المسيطرة على قرننا الـ20 هذا.
ومع ذلك لم يكن أونيل كاتباً طوباوياً خيالياً يسعى إلى البحث عن عوالم أفضل، كان بالأحرى من أكثر كتاب أميركا واقعية، وواقعيته هذه طبعت الأدب الأميركي في طول القرن الـ20 وعرضه، بحيث لن يكون من الخطأ القول إن "واقعيات" تنيسي ويليامز وكليفورد أوديتز وآرثر ميلر، إنما ولدت من رحم واقعيته.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
العرب عرفوه عن قرب
يوجين أونيل الذي رحل عن عالمنا في عام 1953، هو إلى هذا، أكثر كتاب المسرح الأميركيين ترجمة إلى اللغة العربية، إذ إن معظم مسرحياته ذات الفصول الثلاثة، وبعض مسرحيات الفصل الواحد، عرفت على الدوام طريقها إلى لغة الضاد وكان لها حضورها في الحياة المسرحية العربية، في بغداد كما الكويت، وفي دمشق كما بيروت.
وهو ولد في عام 1888 في مدينة نيويورك، لأب كان ممثلاً مشهوراً في زمنه. ويوجين - على عادة كبار الكتاب والمبدعين الأميركيين - خاض عدداً من المهن المتنوعة، قبل أن ينصرف إلى الكتابة، إذ نراه في صباه بحاراً وبائعاً ومنقباً عن الذهب في أقاصي الغرب الأميركي، وبعد ذلك نراه في شبابه صحافياً لامعاً، قبل أن يقرر ذات يوم اقتفاء خطى أبيه والعمل كممثل مسرحي.
وهكذا وجد الشاب نفسه في خضم الحياة المسرحية، إذ تضافر لديه حبه لهذا الفن مع تجاربه الحياتية المتنوعة وحبه للأدب، لينتج هذا كله ذلك الكاتب الذي سينال في عام 1936 جائزة نوبل الأدبية فيكون واحداً من قلة من كتاب المسرح نالوها. ولكن قبل الحصول على نوبل، كان لا يزال على أونيل، أن يكتب ويثبت مكانه في عالم الكتابة، وكانت بدايته الحقيقية في هذا المجال حين انضم إلى المسرح الاختباري في 1916 برفقة ممثلي فرقة "برنستاون"، وهناك كتب أولى مسرحيات الفصل الواحد، التي اشتهرت في ما بعد مثل "الإبحار شرقاً إلى كارديف" (1916) و"قمر الكاريبي" (1918).
نحو واقعية تعبيرية!
غير أن بدايته الكبيرة الحقيقية كانت مع مسرحية "ما وراء الأفق" ذات الفصول الثلاثة، التي كتبها عام 1920، واتسمت بطابع واقعي - طبيعي طغى على معظم أعمال أونيل بعد ذلك، حتى وإن كانت روايته الثانية "الإمبراطور جونز" جاءت تعبيرية الاتجاه، في تحدثها عن صعود وسقوط إمبراطور زنجي في واحدة من جزر الهند الغربية.
في عام 1921 عاد أونيل لأسلوبه الواقعي في مسرحية "آنا كريستي"، التي وصف فيها حياة فتاة ليل وتوبتها عند ميناء نيويورك.
ومن أبرز مسرحيات أونيل في تلك الحقبة الفنية من حياته نذكر: "القرد الكثيف الشعر" (1922) و"رغبة تحت شجرة الدردار" (1924)، وهي مسرحية اقتبستها السينما مرات عديدة.
أما المرحلة التالية من عمله فخصصها لانتقاد هيمنة القيم المادية على مجتمع اليوم، وعبر فيها عن مرارة شديدة وسط قوالب شاعرية مميزة، ومن أبرز نتاجات هذه المرحلة: "النبع" (1925) و"الإله العظيم براون" (1926) و"اليعازر يضحك" (1927). غير أنه بعد ذلك عمد إلى سلوك منهج تجريبي تجلى في بعض نصوص اتبعت أسلوب تيار الوعي، كما حاول الاقتباس من المسرح اليوناني ("أوريستيا" التي جعل أحداثها تدور بعد الحرب الأهلية).
أما العقود التي تلت فوزه بجائزة نوبل فأنتج فيها بعض أعظم أعماله وأكثرها تنوعاً مثل "الكوميث الثلجية" و"رحلة الليل الطويلة إلى النهار"، وغيرها من أمثال تلك الأعمال التي رسخته كاتباً كبيراً وجعلت النقد الذي يعتبره الاستمرار الطبيعي للسويدي سترنبدبرغ والنروجي ابسن، ويجعل له مكانة أساسية في تاريخ المسرح العالمي لا المسرح الأميركي وحده.