Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مدينة الصواريخ في خرم‌ آباد: تهديد عسكري في قلب التراث الإيراني

تضم قاعدة تُصنف واحدة من أهم مخازن الصواريخ في قلب جبل "سفيد كوه"

مدينة "خرم آباد" الإيرانية عاصمة محافظة لورستان (اندبندنت فارسية)

ملخص

تعكس حالة "خرم ‌آباد" العسكرية تعقيد العلاقة بين الأمن العسكري والحفاظ على التراث، حيث أدى تموضع منشآت صاروخية في منطقة ذات قيمة تاريخية استثنائية إلى خلق بيئة عالية الأخطار، تهدد سلامة المواقع الأثرية وسكان المنطقة على حد سواء، وتطرح تساؤلات مستمرة حول تداعيات هذا التداخل بين البعدين الأمني والحضاري.

تخضع عملية تموضع المنشآت العسكرية في مختلف دول العالم لجملة من البروتوكولات والمعايير، من بينها حماية التراث التاريخي، وصون الموارد الطبيعية، وضمان أمن المجتمعات البشرية. ويعني ذلك أن إقامة أي منشأة عسكرية يجب ألا تتحول إلى مصدر تهديد للبيئة أو الآثار الحضارية أو حياة السكان.
غير أن هذه المعايير لا تراعى في إيران، إذ تقام المنشآت العسكرية بصورة لافتة، وأحياناً بشكل متعمد، في محيط المواقع التاريخية والطبيعية أو بالقرب من التجمعات السكانية، في سياق يُفهم منه توظيف هذه العناصر ضمن منظومة الحماية، بما يشبه استخدام "الدروع البشرية".

ويعد ما يعرف بمدينة أو قاعدة "الإمام علي" الصاروخية في مدينة "خرم ‌آباد" في محافظة لورستان مثالاً بارزاً على هذا النهج، إذ تصنف واحدة من أهم مخازن الصواريخ في قلب جبل "سفيد كوه"، مع ما يترتب على وجودها من تهديد مباشر لمجموعة واسعة من المواقع التراثية، بما فيها آثار تعود إلى عصور ما قبل التاريخ.

وادي "خرم‌ آباد": تلاقي الجغرافيا والتاريخ

يعد وادي خرم ‌آباد أحد أقدم مواطن الاستيطان البشري في الهضبة الإيرانية، حيث وفر عبر العصور بيئة مناسبة للحياة بفضل موقعه المحاط بسلاسل جبلية مرتفعة مثل سفيد كوه ومخمل‌ كوه، إضافة إلى وفرة الينابيع والأنهار الدائمة.

وتتمثل أبرز سماته الحضارية في وجود مجموعة من الكهوف التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، وتشمل كهوف كلدر، وقمري، وجيلوران، ويافته، وكنجي، إلى جانب الملجأ الصخري غرارجنه. وقد أُدرجت هذه المجموعة في يوليو (تموز) 2025 ضمن قائمة التراث العالمي لـ"اليونيسكو"، بوصفها الموقع الـ29 لإيران، حيث تبلغ مساحة هذه الكهوف نحو 400 هكتار، فيما يمتد نطاق الحماية إلى 7 آلاف هكتار.

وتظهر المكتشفات الأثرية، بما في ذلك الأدوات الحجرية وبقايا الحيوانات، استمرارية الوجود البشري منذ العصر الحجري القديم الأوسط والحديث، أي قبل أكثر من 50 ألف عام. وكشفت الدراسات في كهف قمري عن دلائل على وجود إنسان نياندرتال قبل نحو 80 ألف سنة.

ولا تقتصر أهمية المنطقة على الكهوف، إذ تحتضن أيضاً قلعة فلك ‌الأفلاك. كما أن الموقع الجغرافي للوادي جعله، عبر التاريخ، بوابة استراتيجية لجبال زاغروس، ومساراً رئيساً للتجارة والتنقل بين المناطق.

ورغم هذه الأهمية الاستثنائية، فإن المنطقة تواجه تهديداً متزايداً نتيجة وجود منشآت عسكرية قريبة، حيث تشكل الاهتزازات الناتجة عن الانفجارات، سواء في الماضي أو خلال الهجمات الحديثة، خطراً مباشراً على سلامة هذه المواقع الأثرية، وقد تؤدي إلى إلحاق أضرار دائمة بها، بما يهدد مصداقيتها العلمية والتاريخية.

القاعدة الصاروخية في قلب زاغروس

تقع قاعدة "الإمام علي" الصاروخية في الجهة الغربية من مدينة "خرم ‌آباد"، ضمن سفوح جبل "سفيدكوه"، في نطاق سلسلة جبال زاغروس. ويوفر هذا الموقع مزيجاً من الحماية الطبيعية وصعوبة الوصول وإمكانيات التمويه، مما يجعله ملائماً للأنشطة العسكرية.

وتشير المعطيات الفنية إلى أن القاعدة تعتمد على بنية تحتية تحت الأرض، تضم صوامع إطلاق عمودية مخصصة للصواريخ الباليستية، من بينها صواريخ "شهاب-3"، إلى جانب شبكة من الأنفاق التي تُستخدم لتخزين المعدات ونقلها وتجهيزها داخل الجبل.

وأظهرت تقارير تحليلية وصور التقطت عقب هجمات جوية، وجود مداخل أنفاق ومنشآت تحت الأرض، مما يرجح وجود منظومة متكاملة لإدارة العمليات الصاروخية داخل هذه القاعدة.

ومن الناحية الاستراتيجية، يتيح هذا الموقع الاستفادة من التضاريس الجبلية في توفير الحماية والتمويه، إلا أنه في المقابل جعل القاعدة هدفاً متكرراً في سياق التوترات الإقليمية، وهو ما يحولها إلى مصدر خطر لا يقتصر على المنشأة ذاتها، بل يمتد إلى المواقع التراثية المجاورة.

وتقدَّر المسافة بين القاعدة وكل من قلعة "فلك ‌الأفلاك" وكهوف "خرم‌ آباد" بنحو 10 إلى 20 كيلومتراً، مما يجعلها ضمن نطاق التأثير المباشر للاهتزازات الناتجة عن الانفجارات، خصوصاً القنابل الخارقة للتحصينات. وقد أدى أحد الانفجارات في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إلى شعور سكان المدينة بهزة قوية اعتقدوا في البداية أنها زلزال.

انفجارات متكررة وغموض في الأسباب

شهدت القاعدة الصاروخية في مدينة "خرم‌ آباد" خلال الأعوام الماضية سلسلة انفجارات، بعضها وقع خلال الهجمات العسكرية الأميركية- الإسرائيلية في عامي 2025 و2026، فيما بقيت أسباب أخرى غير واضحة.

ومن أبرز هذه الحوادث انفجار أكتوبر 2010، الذي أعلنت السلطات أنه ناجم عن انتقال حريق إلى مخزن للذخيرة، وأسفر عن مقتل 18 شخصاً وإصابة 14 آخرين، بينما تحدثت مصادر غير رسمية عن أعداد أكبر. ورغم إعلان الحداد، لم تقدم السلطات تفسيراً حاسماً، في حين أشارت تقارير إعلامية دولية إلى احتمال وقوف جهات استخباراتية وراء الحادثة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما وقعت حادثة مشابهة في أكتوبر 2023، حين سُمع دوي انفجار قوي ترافق مع اهتزازات أرضية، من دون تسجيل نشاط زلزالي من قبل مركز الجيوفيزياء في جامعة طهران. وقدمت السلطات تفسيرات متباينة، تراوحت بين نشاط زلزالي ضعيف وأعمال حفر أنفاق، في حين رجحت تقارير خارجية فرضية الهجمات بالطائرات المسيرة.

وخلال ما عُرف بـ"حرب الأيام الـ12"، أشارت تقارير إلى إطلاق نحو 70 صاروخاً من هذه القاعدة باتجاه إسرائيل، وسقوط قتلى من عناصر الحرس الثوري، إضافة إلى استهداف مداخل الأنفاق ومواقع الرادار المحيطة بقنابل خارقة للتحصينات.

حادثة الطائرة: روايات متباينة

من القضايا المثيرة للجدل المرتبطة بالمنطقة، حادثة سقوط طائرة "توبوليف 154" التابعة لشركة "إيران إيرتور" في فبراير (شباط) 2002، التي كانت متجهة من العاصمة طهران إلى مدينة خرم‌ آباد في محافظة لورستان، وأسفرت عن مقتل جميع ركابها البالغ عددهم 119 شخصاً.

وعلى رغم أن الرواية الرسمية عزت الحادثة إلى خطأ من الطيار، فإن وقوعه بالقرب من القاعدة الصاروخية أثار شكوكاً واسعة، خاصة مع تداول شهادات محلية عن سماع أصوات انفجارات وإطلاق نار. وأشير أيضاً إلى اختفاء بعض الشهود وفرضت إجراءات أمنية مشددة على موقع الحادثة.

وفي ظل توقيت الحادثة بعد أشهر من هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، ومع حالة التأهب العسكري آنذاك، بقي احتمال استهداف الطائرة بنيران الدفاع الجوي نتيجة خطأ في التقدير، أحد السيناريوهات التي بقيت حاضرة في النقاش العام من دون تأكيد رسمي.

وتعكس حالة "خرم ‌آباد" أيضاً تعقيد العلاقة بين الأمن العسكري والحفاظ على التراث، حيث أدى تموضع منشآت صاروخية في منطقة ذات قيمة تاريخية استثنائية إلى إنتاج بيئة عالية الأخطار، تهدد سلامة المواقع الأثرية وسكان المنطقة على حد سواء، وتطرح تساؤلات مستمرة حول تداعيات هذا التداخل بين البعدين الأمني والحضاري.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من الشرق الأوسط