ملخص
يبدو أن الرئيس الأميركي، وبناء على المواقف التي صدرت عنه خلال الأيام الأخيرة، أصيب بنوع من المفاجأة بعد قرار طهران تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وما نتج منه من تأثيرات سلبية في أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي، فالخطوة الإيرانية جاءت في وقت كان البيت الأبيض يعتقد بأن حجم الضربات التي تلقتها إيران واتساعها قد يدفعانها إلى العودة لطاولة التفاوض بالشروط التي يريدها.
قد لا يكون مستغرباً أو مستبعداً أن تلتزم القيادة الإيرانية جانب الحذر الشديد في التعامل مع الدعوة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العودة لطاولة التفاوض، فالتجارب السابقة سواء قبل شهر أو في يونيو (حزيران) عام 2025، انتهت إلى نوع من الخديعة الأميركية، إذ لم تسهم طاولة التفاوض في تعطيل قرار الحرب المتخذ.
ويبدو أن الرئيس الأميركي، وبناء على المواقف التي صدرت عنه خلال الأيام الأخيرة، أصيب بنوع من المفاجأة بعد قرار طهران تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وما نتج منه من تأثيرات سلبية في أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي، فالخطوة الإيرانية جاءت في وقت كان البيت الأبيض يعتقد بأن حجم الضربات التي تلقتها إيران واتساعها قد يدفعانها إلى العودة لطاولة التفاوض بالشروط التي يريدها.
ما من شك في أن النظام الإيراني، بقيادته الجديدة، لا يريد الاستمرار في الحرب ويرغب في التوصل إلى اتفاق ينهي المسار التدميري الذي يطاول الأصول الاقتصادية والعسكرية والحياتية، إلا أن استمرار واشنطن بالضغوط وتمسكها بالشروط التي وضعتها والسقوف العالية، يحولان ويمنعان هذه القيادة من التجاوب في هذه المرحلة، فتفضل الاستمرار في المواجهة وخيار التصعيد والحرب، مراهنة على إمكان الدفع باتجاه تسوية مختلفة لا تكون فيها في موقع المهزوم أو المستسلم.
المسودة الأميركية التي يتولى ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صياغتها بالتفاهم مع ترمب وتتضمن 15 نقطة، بحسب بعض التسريبات الصادرة عن طهران التي تكشف عن أنها باتت على اطلاع على ما تتضمنه هذه الورقة، تؤكد على جوهر المطلب الأميركي بتسليم كامل المخزون الإيراني من اليورانيوم المخصب بدرجة 60 في المئة، إضافة إلى الموافقة على عدم امتلاك السلاح النووي مطلقاً.
وحتى الأحد الماضي، كانت واشنطن تراهن على وجود أشخاص داخل قيادة النظام يكونون أكثر استعداداً للتفاوض والتعامل معها، وتمحورت تقديرات داخل الإدارة الأميركية حول أن الشخصية القادرة على القيام بهذا الدور هي رئيس البرلمان الجنرال محمد باقر قاليباف، إلا أن قرار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بصفته رئيساً للمجلس الأعلى للأمن القومي وبعد اطلاعه على رأي المرشد الجديد، بتعيين الجنرال محمد باقر ذو القدر أميناً لمجلس الأمن القومي خلفاً لعلي لاريجاني، حمل رسالة أن لا تراجع في المواقف التصعيدية لدى المرشد الجديد.
واختيار ذو القدر يعني أن الرسالة الإيرانية لواشنطن تقول بصراحة إن الوقت لم يحِن بعد لأي نوع من التنازلات، وإذا ما كان هناك أي إمكان لذلك، فلن يكون بناء على الشروط الأميركية أو التسليم بالمطالب التي وضعتها، بخاصة في ما يتعلق بالنقاط التي تعتبرها هذه القيادة المسار الجدي للتوصل إلى أي حل حقيقي.
والنظام الإيراني لن يضع مخزون اليورانيوم على طاولة التفاوض، كما البرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي لأن أي تنازل في هذه النقاط يعني أن النظام سيكون أمام مساءلة داخلية معقدة وخطرة، تبدأ من سؤال عن أسباب رفضه التجاوب مع هذه النقاط في كل المفاوضات السابقة مع علمه بأن ذلك سيضعه أمام خيار حرب مفتوحة لم يتردد البيت الأبيض في الحديث عنها والاستعداد لها، وكان واضحاً في إيصال رسائله بكل شفافية عندما أشرك خلال الجلسة الأخيرة للمفاوضات في العاصمة العمانية مسقط قائد القيادة الوسطى للقوات الأميركية الجنرال براد كوبر بدلاً من فريق فني وتقني، ولا تنتهي هذه المساءلة بسؤال حول ما تكبدته إيران والدولة من خسائر كبيرة ودمار واسع أصاب البنى التحتية بمختلف مستوياتها وفي جميع القطاعات الحياتية والاقتصادية والعسكرية.
وواشنطن التي تريد التفاوض تحت النار، انسجاماً مع المعادلة التي طرحها ترمب بداية رئاسته "السلام بالقوة"، تدفع القيادة الإيرانية نحو مزيد من التشدد، بالتزامن مع تراجع منسوب الثقة بالإدارة الأميركية، بخاصة أن المفاوضات المقترحة تترافق أيضاً مع مستوى جديد من التهديدات تطاول منشآت الطاقة، بالتزامن مع حشد قوات تدخل برية استعداداً لإمكان السيطرة على بعض الجزر أو أجزاء من البرّ الإيراني المشرف على مضيق هرمز لتحرير الملاحة فيه وسحب هذه الورقة من يد النظام، بالتالي تدفع النظام بقيادته الجديدة ومؤسسة "حرس الثورة" إلى الاستمرار في السير داخل الهاوية العسكرية بعيداً من خيار التسليم والتفاوض بشروط مفروضة.
ولعل المؤشر على خيار طهران التصعيدي قد يكون اللعب على مسألة التلويح بإمكان أن يتراجع المرشد الجديد عن فتوى سلفه في تحريم امتلاك السلاح النووي لأن هذه الفتوى أصدرها المرشد السابق ضمن سياق تاريخي وسياسي ودولي كان يستدعي طمأنة المجتمع الدولي على الطموحات النووية للنظام، وبما أن أية فتوى لأي مرجع أو ولي للفقيه لا تلزم من يخلفه، فيعني ذلك أن الخليفة قادر، وبناء على السياقات التاريخية والمصلحية والسياسية، أن يذهب إلى رأي مختلف عن رأي سلفه، أي إنه ربما يعمد إلى إصدار فتوى تبيح للصناعات العسكرية الإيرانية الذهاب إلى خيار امتلاك هذا النوع من السلاح أو التهديد به، بهدف خلق توازن ردع وفرض معادلة جديدة تربط بين تخلي طهران عن هذا الطموح أو المسار مقابل القدرات النووية لإسرائيل، وفتح الطرق أمام شرق أوسط خالٍ من أسلحة الدمار، يعيد التوزان بين طهران وتل أبيب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهذا الخيار الذي من المحتمل ألا يكون مستبعداً لدى طهران، سيضع إدارة الرئيس الأميركي أمام أزمة جديدة حول جدوى الحرب التي شنها ضد النظام الإيراني، وتدفعه ربما إلى تعزيز الجهود لإقناع دول "الناتو" بخوضها إلى جانبه، انطلاقاً واعتماداً على مخاوف هذه الدول من الآثار السلبية لامتلاك طهران قدرات عسكرية نووية تهدد الاستقرار الدولي وتزعزع المعادلات السياسية وموازين الردع في هذه المنطقة من العالم.
أمام هذه المواقف المتشددة لطرفي الصراع، يبدو أن فرص التسوية لا تزال بعيدة، وأن الأمور تبدو محكومة أيضاً بمنطق التصعيد المتبادل، بخاصة مع شعور النظام الإيراني بأنه استطاع إحراج الإدارة الأميركية، وأنه اقترب من تحقيق "نصر" استراتيجي، ويتجلى هذا الشعور في الدعوة التي وجهها "مقر خاتم الأنبياء" الذي يقود ويدير المعركة والحرب لبناء وإقامة نظام إقليمي بعيداً من الوجود الأميركي، مما يعني في المحصلة أن طهران لا تزال تدرج في شروطها للحل تفكيك القواعد الأميركية في الشرق الأوسط كرد على مطلب واشنطن تفكيك برنامجيها النووي والصاروخي والتخلي عن نفوذها الإقليمي.