ملخص
تظل العودة إلى النصوص المؤسسة للقانون الدولي من ميثاق الأمم المتحدة إلى تعريف العدوان لعام 1974 خطوة ضرورية لفهم الإطار القانوني للحرب.
في صباح السبت الـ28 من فبراير (شباط) أطلقت إسرائيل وأميركا هجمات عسكرية مشتركة على الأراضي الإيرانية، في ضربات وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ عقود، بينما ردت طهران بإطلاق صواريخ باتجاه أهداف إسرائيلية وأميركية في المنطقة طاولت دولاً ليست أطرافاً بالحرب وتعتبر دولاً محايدة منها دول الخليج وحتى لبنان.
تم تبرير الهجمات الأولية من أميركا وإسرائيل بأنها وقائية، وصرح الطرف الإيراني بأن الرد كان من مبدأ الدفاع عن النفس، رأى مختصون بأن هذا النوع من الردود يعد في القانون الدولي توسعاً غير مشروع لمسرح النزاع لأنه ينقل الحرب إلى دول ثالثة لم تكن طرفاً فيها.
إلا أن الدول الخليجية التزمت الحياد، مؤكدةً مراراً أنها لن تسمح باستخدام أجوائها في أي حرب أميركية ضد إيران، لكن الحياد وكذلك مبادرات التقارب وإصلاح العلاقة مع طهران كانت مشروطة دائماً بوقف إيران ممارساتها لانتهاك سيادة الدول العربية وتقويض أمنها.
بدأت العديد من التفسيرات القانونية تفرض نفسها في سياق هذه الحرب، محاولة إيجاد صياغات قانونية تحاول من خلالها الإجابة على تساؤل مهم يتعلق بشرعية هذه الحرب من الناحية القانونية، خصوصاً على مستوى الأطراف المتصارعة، وهل أن ما يجري حالياً يتوافق مع معايير القانون الدولي، أم إنه يمثل خرقاً صريحاً لمبادئ هذا القانون.
الحروب التي تبدأ بلا توافق ولا هدف غالباً ما تتحول إلى صراعات طويلة ومكلفة
يرى الكاتب والباحث السعودي يوسف الديني أن تقييم قانونية الضربات الأولية يجب أن يبدأ من القاعدة الأساسية في النظام الدولي المعاصر، وهي حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية كما نصت عليه المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، هذه القاعدة لا تسمح باستخدام القوة العسكرية إلا في حالتين محددتين بوضوح، الأولى تفويض صريح من مجلس الأمن الدولي، والحالة الثانية الدفاع الشرعي عن النفس في حال وقوع هجوم مسلح أو وجود تهديد وشيك لا يمكن دفعه بوسائل أخرى.
ونقلا عن "الغارديان"، صرح الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، لبرنامج "توداي" على إذاعة "بي بي سي 4"، بأن مجرد تخطيط إيران لصنع قنبلة كان كافياً لتبرير الهجمات.
يتابع الديني، في الحالة الراهنة، لا يبدو أن الضربات الأميركية والإسرائيلية استندت إلى تفويض من مجلس الأمن، ما يجعل المسوّغ القانوني الوحيد الممكن هو ادعاء الدفاع عن النفس. غير أن هذا الادعاء يواجه إشكالية قانونية واضحة، إذ إن معيار الدفاع الشرعي في القانون الدولي يتطلب توافر شرطين أساسيين الضرورة والتناسب، بمعنى أن يكون الخطر وشيكاً بحيث لا يمكن تفاديه إلا باستخدام القوة، وأن تكون الضربات محدودة بقدر ما يكفي لإزالة هذا الخطر. في المقابل، تشير الوقائع والتحليلات المتداولة إلى أن الضربات جاءت في سياق حملة أوسع تتجاوز مجرد تحييد تهديد فوري، لتدخل في إطار أهداف استراتيجية أوسع مثل إضعاف النظام الإيراني أو تغيير موازين القوة الإقليمية.
وانطلاقاً من ذلك، يرى الديني أن استخدام القوة خارج إطار واضح من الشرعية الدولية لا يفتح طريقاً للاستقرار بقدر ما يعمّق الفوضى الإقليمية. فالتجارب السابقة في العراق وليبيا وأفغانستان أظهرت أن الحروب التي تبدأ بلا توافق دولي واضح ولا هدف سياسي محدد غالباً ما تتحول إلى صراعات طويلة ومكلفة. ولهذا يبدو لي أن الضربات الأولى، حتى لو قُدمت لها مبررات أمنية، ستظل قانونياً موضع جدل واسع، وأن الطريق الأكثر انسجاماً مع قواعد القانون الدولي كان ينبغي أن يمر عبر الدبلوماسية والآليات متعددة الأطراف لا عبر القوة العسكرية.
حرب وقائية
يعتقد الباحث السعودي بأن ما يحدث يقترب من مفهوم الحرب الوقائية أكثر من كونه دفاعاً شرعياً مباشراً. وينوه على أن هذا المفهوم ظل محل انتقادات واسعة في القانون الدولي منذ الحرب العالمية الثانية، لأنه يفتح الباب أمام الدول لاستخدام القوة استناداً إلى تقديرات سياسية أو استخباراتية حول تهديدات مستقبلية محتملة، وهو ما يقوض مبدأ حظر استخدام القوة ويهدد الاستقرار الدولي.
إضافة إلى ذلك، فإن أي تقييم قانوني لا يقتصر على قرار استخدام القوة فحسب، بل يمتد أيضاً إلى طريقة استخدامها. فإذا ثبت أن العمليات العسكرية أدت إلى أضرار واسعة بالمدنيين أو استهدفت منشآت مدنية بشكل غير متناسب، فإن ذلك يثير أسئلة إضافية حول مدى الالتزام بقواعد القانون الإنساني الدولي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى فراس الياس الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والسياسات الدفاعية في الشرق الأوسط، أن مثل هذه الحجة أو التبرير القانوني تبقى ضعيفة، ولا تستند إلى تعبير حقيقي عما نصت عليه المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، التي اشترطت ضمن شروط أخرى لتطبيق هذه المادة هو "وقوع هجوم فعلي مسلح، أو على الأقل وجود خطر وشيك لا يمكن دفعه بوسائل أخرى"، مع ضرورة التأكيد هنا بأن الولايات المتحدة كانت تخوض مفاوضات دبلوماسية مع إيران قبل ساعات من وقوع الهجوم العسكري.
وفي هذا السياق، يميز كثير من فقهاء القانون الدولي بين مفهومين مختلفين: الدفاع الوقائي Anticipatory Self-Defense، الذي يفترض وجود تهديد وشيك للغاية، والحرب الوقائية Preventive War، التي تقوم على توجيه ضربة استباقية لمنع خطر محتمل في المستقبل. ويذهب قطاع واسع من الفقه الدولي إلى أن الحرب الوقائية لا تتوافق مع نص المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، لأنها تفتح الباب أمام تبرير استخدام القوة بناءً على تقديرات سياسية أو أمنية غير قابلة للتحقق القانوني.
ولتعزيز هذا الإطار القانوني، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1974 القرار رقم (3314) المعروف باسم "تعريف العدوان". وقد جاء هذا القرار ليقدم معياراً تفسيرياً يساعد في تحديد متى يُعد استخدام القوة عملاً عدوانياً. فقد نصت المادة الأولى من القرار على أن العدوان هو "استخدام القوة المسلحة من قبل دولة ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، أو بأي طريقة لا تتفق مع ميثاق الأمم المتحدة".
هل انتهكت إيران القانون الدولي في ردها؟
بعد تعرض إيران للهجوم، صرّح وزير خارجيتها، عباس عراقجي، لشبكة NBC بأنها كانت تتصرف دفاعاً عن النفس. مع ذلك، استُهدف فندق ومطار في دبي، وبحسب "الغارديان" اتهم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إيران بشنّ هجمات "عشوائية" ضد دول ليست طرفاً في النزاع.
تعد الهجمات المتعمدة على أهداف مدنية غير قانونية بموجب القانون الدولي الإنساني، كذلك تُحظر الهجمات على دول ليست طرفاً في النزاع.
ويعلق الديني، حتى لو افترضنا أن الضربات الأولى التي استهدفت إيران كانت محل نزاع قانوني، أو حتى اعتبرها البعض غير مشروعة، فإن ذلك لا يمنح الطرف المتضرر حرية مطلقة في الرد العسكري. فالقانون الدولي يعترف للدول بحق الدفاع الشرعي عن النفس، لكنه يضع لهذا الحق قيوداً واضحة، أهمها أن يكون الرد ضرورياً ومتناسباً وموجهاً حصراً نحو مصدر الهجوم. ومن هذا المنطلق، فإن تقييم الرد الإيراني يجب أن ينطلق من مدى التزامه بهذه المعايير.
أما بالنسبه للمشكلة الحقيقية بحسب تقدير الباحث، هي أن بعض الضربات الإيرانية لم تبقَ محصورة في نطاق المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل امتدت إلى فضاء إقليمي أوسع، بما في ذلك تهديد أو استهداف مناطق في دول لا تشارك في العمليات العسكرية. هذا النوع من الردود يُعد في القانون الدولي توسيعاً غير مشروع لمسرح النزاع، لأنه ينقل الحرب إلى دول ثالثة لم تكن طرفاً فيها.
وفي حالة الخليج تحديداً، فإن مثل هذه الضربات يصعب تفسيرها باعتبارها جزءاً من الدفاع الشرعي، بل تبدو أقرب إلى انتهاك سيادة دول محايدة وتعريض أمن المدنيين للخطر. كذلك يفرض القانون الإنساني الدولي قواعد صارمة في إدارة العمليات العسكرية، أبرزها التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية وضرورة تجنب الهجمات العشوائية أو غير المتناسبة.
فإذا أدت الصواريخ أو الهجمات الانتقامية إلى إصابة مناطق مدنية أو بنية تحتية غير عسكرية، فإن ذلك يشكل خرقاً واضحاً لهذه القواعد، حتى لو جاء الرد في سياق الدفاع عن النفس. فالقانون الدولي لا يقبل منطق "المعاملة بالمثل" في انتهاك القواعد الإنسانية، بل يفرض على جميع الأطراف الالتزام بها بغض النظر عن سلوك الخصم.
قال الياس بأن العمليات العسكرية تخضع لقواعد القانون الدولي الإنساني، وبخاصة المبادئ التي كرستها اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية لها. ومن أهم هذه المبادئ مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، ومبدأ "حظر الردود والهجمات العشوائية" التي قد تسبب خسائر غير متناسبة في صفوف المدنيين. وهي حالة رافقت أغلب الردود الإيرانية على الهجمات التي كانت تتعرض لها، وهو ما جعل إيران في وضع قانوني لا يقل حرجاً عن الوضع الذي وقعت فيه كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
وعليه، فإن شرعية الرد العسكري الإيراني لا تتوقف فقط على كونه رداً على هجوم مسلح، بل أيضاً على الطريقة التي يُمارس بها هذا الرد. فإذا استهدفت العمليات العسكرية أهدافاً عسكرية مرتبطة مباشرة بالنزاع، فقد يُنظر إليها باعتبارها ممارسة لحق الدفاع عن النفس. أما إذا امتدت لتشمل أهدافاً مدنية أو دولاً لا تشارك في النزاع، فإن ذلك قد يشكل انتهاكاً وخرقاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني.
التصعيد المتبادل لا يقود إلى حل
ومن وجهة نظر الديني، يرى بأنه لا يمكن تبرير توسيع الحرب إلى محيط إقليمي أوسع بحجة الرد على الهجوم، لأن مثل هذا السلوك يهدد مباشرة أمن الملاحة والطاقة والاستقرار الاقتصادي في منطقة يعتمد عليها العالم بأسره. ولهذا فإن أي رد يتجاوز حدود المواجهة المباشرة مع الطرف المعتدي ويتحول إلى استهداف لدول أخرى أو منشآت مدنية يمثل، في تقديري، انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي.
وبناءً على ذلك، يبدو له أن منطق التصعيد المتبادل بين الطرفين لا يقود إلى حل بقدر ما يقوّض أسس النظام الدولي.
فكما أن الضربات الأولية التي تُنفذ من دون غطاء قانوني دولي تثير إشكالات خطيرة، فإن الردود التي توسع دائرة الحرب وتضرب دولاً محايدة تطرح بدورها إشكالات لا تقل خطورة. وفي النهاية، يبقى استقرار المنطقة رهيناً بالعودة إلى قاعدة بسيطة لكنها أساسية: احترام سيادة الدول والالتزام بقواعد القانون الدولي بدل الانزلاق إلى حروب بلا استراتيجية واضحة.
وعن المواد القانونية الناظمة لاستخدام القوة يبين الياس أن ميثاق الأمم المتحدة الصادر في عام 1945، أكد في المادة (2 الفقرة 4) من الميثاق على قاعدة مركزية في القانون الدولي المعاصر، جاء فيها أن جميع أعضاء الأمم المتحدة "يمتنعون في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، أو على أي نحو لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة". وقد اعتُبرت هذه المادة منذ عام 1945 حجر الأساس في نظام حظر الحرب العدوانية، وأحد أهم قواعد القانون الدولي الآمرة.
غير إن هذا الحظر القانوني لاستخدام القوة لم يكن مطلقاً، فقط أجاز ميثاق الأمم المتحدة في مواده الأخرى، حالتين استثنائيتين فقط لاستخدام القوة، الحالة الأولى هي عندما يفوض مجلس الأمن الدولي استخدام القوة بموجب الفصل السابع من الميثاق، إذا اعتبر أن "هناك تهديداً للسلم أو إخلالاً به أو عملاً من أعمال العدوان"، وفقاً لما تنص عليه المادتان (39 و42) من الميثاق. أما الحالة الثانية فهي "حق الدفاع عن النفس"، وهو الحق الذي تقره المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تنص على أنه "ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا وقع هجوم مسلح".
القانون الدولي في اختبار القوة
ويرى الباحث في شؤون الشرق الأوسط بأن هذه الحرب تكشف عن الفجوة المستمرة بين النصوص القانونية والنظام السياسي الدولي. فالقانون الدولي يضع قواعد واضحة نسبياً بشأن استخدام القوة، لكنه يعتمد في تطبيقه إلى حد كبير على إرادة الدول وعلى موازين القوة في النظام الدولي. ولهذا كثيراً ما تتحول النزاعات المسلحة إلى ساحة يتداخل فيها القانون بالسياسة، إذ يسعى كل طرف إلى بناء رواية قانونية تبرر أفعاله أمام المجتمع الدولي.
وفي نهاية المطاف، يبقى الحكم القانوني النهائي على مثل هذه النزاعات مسألة معقدة قد تستغرق سنوات من التحقيقات والجدل الدبلوماسي والقانوني. ومع ذلك، فإن العودة إلى النصوص المؤسسة للقانون الدولي من ميثاق الأمم المتحدة إلى تعريف العدوان لعام 1974، تظل خطوة ضرورية لفهم الإطار القانوني الذي يُفترض أن يحكم استخدام القوة في العلاقات الدولية.