Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قانون مقاطعة إسرائيل في لبنان… من ركيزة الهوية إلى سؤال المرحلة

عضو الحزب الجمهوري الأميركي توم حرب: الدولة اللبنانية باتت أمام استحقاق لا مناص منه واتخاذ قرار جريء

أقر لبنان قانون مقاطعة إسرائيل عام 1955 (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي)

ملخص

مع تدرج الموقف الرسمي اللبناني بحيث بلغ حدّ القبول أخيراً بإجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، بات النقاش حول مدى إمكانية مراجعة الإطار القانوني المنظِّم للعلاقة مع إسرائيل ينزل تدريجاً من فضاء المحظورات السياسية إلى فضاء النقاش الجدي. في المقابل يرفض فريق لبناني المس بهذا الإطار القانوني، مُعتبِراً كل تليين في موقف المقاطعة خطوةً أولى في مسار التطبيع.

منذ سبعة عقود، لم يكن قانون مقاطعة إسرائيل في لبنان مجرد نص تشريعي عابر، بل تحول إلى أحد أعمدة الهوية السياسية للدولة، وحدودها غير المرئية في مواجهة من تصفه بـ "العدو". قانون صدر عام 1955، لكنه ظل حياً في كل مفصل سياسي وأمني واقتصادي، يرسم الخط الفاصل بين المسموح والمحظور، ويُجرم أي تواصل مع إسرائيل بوصفه خرقاً لثوابت وطنية لا تقبل المساومة.

وبين نصوصه الصارمة وتطبيقاته المتبدلة، بقي هذا القانون مرآة لتحولات لبنان نفسه، من دولة تحاول تثبيت موقعها في صراع إقليمي مفتوح، إلى ساحة تتقاطع فيها الحسابات السياسية والواقعية.

أما اليوم، ومع تبدل المشهد الإقليمي وتسارع التحولات، يعود هذا القانون إلى الواجهة، لا بوصفه إرثاً قانونياً فحسب، بل كسؤال مفتوح عن معنى المقاطعة وحدودها في زمن يتغير بسرعة كبيرة.

تغير المناخ السياسي الداخلي

ظل هذا القانون لعقود طويلة يمثل خطاً فاصلاً لا يمكن تجاوزه، لا لأسباب قانونية وحسب، بل لأن المناخ السياسي الداخلي وطبيعة موازين القوى من جهة، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لنقاط عدة في لبنان من جهة أخرى، كانا يُحيطان هذا الخط بسياجٍ من المحرمات يصعب اختراقه.

إنما منذ اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 ومع تدرج الموقف الرسمي اللبناني بحيث بلغ حد القبول أخيراً بإجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، بات النقاش حول مدى إمكانية مراجعة الإطار القانوني المنظِّم للعلاقة مع إسرائيل ينزل تدريجاً من فضاء المحظورات السياسية إلى فضاء النقاش الجدي، وهو نقاشٌ لا تُغذيه رغبة في التطبيع، بقدر ما تفرضه ضرورات واقعية صارت عصية على التجاهل.

قد يسأل البعض كيف يمكن لمفاوضات مباشرة أن تحصل بين الدولتين في ظل قانون منع التواصل، وكيف يمكن لوفد لبناني أن يُفاوض على ترسيم الحدود البرية مع إسرائيل ونقاط خلافية أخرى في ظل قانون يُجرم أي شكلٍ من أشكال التواصل المباشر أو غير المباشر؟ وكيف يمكن صون الحقوق اللبنانية الحدودية والسيادية في مفاوضات تقنية معقدة من دون امتلاك أدواتٍ قانونية مرنة تتيح التحرك في هوامش الضرورة الدبلوماسية؟

كل هذه الأسئلة تطرح بعد تجارب سابقة اضطرت خلالها الوفود اللبنانية إلى التعامل مع الوسطاء الأميركيين بأساليب محاطة بقيودٍ قانونية معقدة درءاً للوقوع في شبهة مخالفة نصوص قانون المقاطعة، وكان هذا التوتر الدائم بين ضرورات التفاوض ومتطلبات القانون يُفضي في كثير من الأحيان إلى إبطاء الإجراءات وتعقيد الحلول.

رسالة من أعضاء الكونغرس

اللافت حالياً أن الكلام عن قانون التواصل مع إسرائيل بصيغة تعليق العمل به بدأ الحديث عنه من الولايات المتحدة الأميركية، إذ يستعد أعضاء في الكونغرس الأميركي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لإرسال رسالة رسمية إلى السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، يطالبونه فيها بالتواصل مع المسؤولين اللبنانيين والضغط عليهم لتعليق تطبيق القوانين التي تجرم التواصل بين اللبنانيين والإسرائيليين.

ويقول هؤلاء النواب الأميركيون إن هذه القوانين تعقد تطبيق القرار الأممي 1701 الخاص بجنوب لبنان، وتزيد من أخطار التصعيد العسكري على طول الحدود اللبنانية الجنوبية، وما يمنح هذه الخطوة ثقلاً استثنائياً أنها تصدر عن برلمانيين أميركيين من حزبَين متنافسَين، معظمهم من أصولٍ لبنانية، مما يُضفي على الرسالة طابع الضغط السياسي الموجه لا مجرد الإفصاح عن موقف. 

خلفية الطرح وتوقيته

يكشف مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية، العضو في الحزب الجمهوري توم حرب، أن عدداً من اللبنانيين المقيمين في الولايات المتحدة يعملون منذ سنوات بالتنسيق مع أعضاءٍ في الكونغرس لإيصال رسالة ضغط واضحة إلى بيروت، وجاء توقيت هذا التحرك مرتبطاً بالمستجدات الميدانية، إذ أفضت المواجهات الأخيرة بين إسرائيل و"حزب الله" إلى تصاعد الزخم السياسي لدى اللبنانيين في الخارج. ويلخّص حرب الهدف بعبارة مباشرة "تشجيع التواصل بين اللبنانيين والإسرائيليين بعيداً من الخوف والمحظورات القانونية، مع السماح للجنوبيين الموجودين في إسرائيل بالعودة إلى وطنهم"، في إشارة إلى آلاف اللبنانيين الذين كانوا ينتمون إلى "جيش لبنان الجنوبي" الموالي لإسرائيل، والذين غادروا لبنان عام 2000 إلى الداخل الإسرائيلي.

ويشرح أنه في صلب هذه المسألة إشكالية قانونية تمس حياة آلاف اللبنانيين في الداخل والخارج على حدٍ سواء، "فكل مواطن لبناني يضطر إلى التواصل مع إسرائيليين، سواء في عمله الإعلامي أو التجاري، يتعرض للملاحقة القضائية أمام المحكمة العسكرية".

وفي هذا السياق، يستحضر حرب مشروع قرار تقدّم به عضو الكونغرس غريغ ستوبي منذ نحو عامين تحت مسمى Pagers Act، وقد تضمّن بنداً صريحاً يدعو إلى إلغاء اختصاص المحكمة العسكرية اللبنانية في النظر بقضايا التواصل مع الإسرائيليين خارج لبنان.

ويتابع "لا تقتصر التداعيات على اللبناني المقيم في أميركا، بل تمتد لتطاول اللبنانيين العاملين في الخارج، حيث غالبية دول العالم لديها علاقات طبيعية مع إسرائيل، وعدد من الشركات التي يعمل فيها لبنانيون في الغرب أو الشرق يترأسها مديرون إسرائيليون، مما يضع الموظف اللبناني أمام خيارين مرين، إما ترك عمله أو البقاء فيه مع خطر الملاحقة القضائية عند عودته إلى لبنان".

ويكشف حرب عن استعداد التحالف الأميركي الشرق أوسطي لتنظيم مؤتمر يجمع أميركيين من أصول لبنانية وعربية، إلى جانب إسرائيليين، غير أنه يقر بأن كثيرين قد يحجمون عن المشاركة خشية التبعات القانونية في بلدانهم الأصلية، وهو ما يجسّد بحد ذاته عمق الأزمة التي يسعى المؤتمر إلى معالجتها. وفي المحصّلة، يرى حرب أن الدولة اللبنانية باتت أمام استحقاق لا مناص منه وهو اتخاذ قرار جريء بشأن هذا الملف، في ظل واقع متغيّر لا تستطيع معه إبقاء مواطنيها رهينة تشريعات لم تعد تتلاءم مع طبيعة العلاقات الدولية الراهنة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رؤيتان على مستوى الداخل

ينقسم اللبنانيون بشكل حاد في مسألة التطبيع مع إسرائيل، بين مؤيد ورافض، وقد تجرأ أخيراً مواطنون وحتى سياسيون وكتاب في الأشهر الأخيرة على المطالبة علناً بإقامة علاقات طبيعية مع الدولة الإسرائيلية.

وهناك فريقٌ يرى في مراجعة الإطار القانوني للتواصل ضرورةً سيادية حتمية تقتضيها معطيات المرحلة، لا تنازلاً عن المبادئ، ويعتبر هذا الفريق أن صون السيادة اللبنانية على أرضه وحدوده يستلزم أدوات دبلوماسية فعّالة، ومنها القدرة على التفاوض المباشر حين تستوجبه الضرورة. في المقابل، يرفض فريقٌ آخر أي مسٍّ بهذا الإطار القانوني، مُعتبِراً كل تليينٍ في موقف المقاطعة خطوةً أولى في مسار التطبيع المرفوض، ومدخلاً لتآكل الثوابت.

يقول الصحافي والباحث السياسي علي ضاحي "إن طلب تعليق قانون حظر التواصل بين لبنان وإسرائيل من بعض النواب الأميركيين من أصول لبنانية، لا يستهدف فقط فتح قنوات تقنية، بل يمس مباشرة بمعادلة العداء لإسرائيل التي يقوم عليها جزء أساسي من النظام السياسي اللبناني منذ 2006. أي أنه ليس تعديلاً قانونياً بل مساس بعقيدة سياسية أمنية لدى فريق كامل في الداخل".

ويعتبر ضاحي أن "حزب الله" ينظر إلى أي تواصل مباشر مع إسرائيل على أنه تطبيع مرفوض بالكامل، بغض النظر عن العناوين، تقنية، تفاوضية أو أمنية. وبالنسبة له، أي تعديل في هذا القانون يعني إسقاط أحد خطوط المواجهة الأساسية وتحويل الصراع من صراع مفتوح إلى صراع قابل للإدارة السياسية، وهذا ما يرفضه.

ويعتبر الباحث السياسي أن الطرح بتعليق العمل بقانون حظر التواصل بين لبنان وإسرائيل غير قابل للتنفيذ داخلياً ويأتي ضمن ضغوط أميركية لإعادة تشكيل موقع لبنان في الصراع الإقليمي، وتوقيته مرتبط بمحاولة استثمار نتائج الحرب في غزة والضغط على جبهة الجنوب، وبالتالي، فإن "حزب الله" وحلفاءه سيتعاملون معه على أنه استهداف سياسي مباشر لهذا الفريق ولمعادلة الردع القائمة.

ويختم ضاحي "المسألة ليست خلافاً على قانون، بل صراع على هوية لبنان الاستراتيجي، فهل يبقى في موقع العداء المنظّم عبر الردع والوسطاء، أم يتم دفعه نحو تواصل سياسي تدريجي تحت سقف الضغوط الدولية".

تعليق قانون المقاطعة مشروط بتحقق السلام والانسحاب

في القراءة القانونية للمسألة يؤكد الخبير القانوني الدكتور عادل يمين أن أي مراجعة لقانون مقاطعة إسرائيل أو تعليق العمل به لا يمكن أن تتم إلا عبر تشريع جديد يصدر عن مجلس النواب، تطبيقاً لمبدأ موازاة الصيغ والأصول القانونية. أما على الصعيد السياسي، فيشترط يمين جملةً من المتطلبات التي لا غنى عنها قبل الشروع في أي نقاش من هذا القبيل، في مقدمتها تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في المنطقة، والانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، والإفراج عن جميع الأسرى اللبنانيين، ووقف الاعتداءات على لبنان والتعهد بعدم استئنافها، فضلاً عن إيجاد حل لأزمة اللاجئين الفلسطينيين على الأراضي اللبنانية، وكفالة حق لبنان في استثمار موارده الطبيعية من دون تهديد أو عرقلة.

وختم "أما في حال تحررت الأرض اللبنانية وأُطلق سراح الأسرى وحقق لبنان سائر مطالبه، من دون أن يتحقق السلام الإقليمي الشامل، فعلى لبنان الاكتفاء حينها باتفاقية الهدنة المبرمة عام 1949 إطاراً ناظماً للعلاقة مع إسرائيل".

تفاصيل قانون مقاطعة إسرائيل

وبالعودة إلى قانون مقاطعة إسرائيل، الصادر في 23 يونيو (حزيران) من عام 1955، فتنص مادته الأولى على "يحظر على كل شخص طبيعي أو معنوي أن يعقد بالذات أو بالواسطة اتفاقاً مع هيئات أو أشخاض مقيمين في إسرائيل أو منتمين إليها بجنسيتهم أو يعملون لحسابها أو لمصلحتها وذلك متى كان موضوع الاتفاق صفقات تجارية أو عمليات مالية أو أي تعامل آخر أياً كانت طبيعته. وتعتبر الشركات والمؤسسات الوطنية والأجنبية التي لها مصانع أو فروع تجميع أو توكيلات عامة في إسرائيل في حكم الهيئات والأشخاص المحظور التعامل معهم طبقاً للفقرة السابقة بحسب ما يقرره مجلس الوزراء بقرار ينشر في الجريدة الرسمية".

وفي المادة الثانية "يحظر دخول البضائع والسلع والمنتجات الإسرائيلية بأنواعها كافة إلى لبنان وتبادلها أو الإتجار بها، وكذلك السندات المالية وغيرها من القيم المنقولة الإسرائيلية".

ولناحية العقوبات، جاء في المادة السابعة من القانون أنه يعاقب كل من يخالف أحكام المادتين الأولى والثانية بالأشغال الشاقة الموقتة من ثلاث إلى عشر سنوات وبغرامة مالية. ويمكن أن يحكم عليه أيضاً بالمنع من مزاولة العمل وفقاً للمادة 94 من قانون العقوبات.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير