Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حقيقة التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل… وأين ستعقد المحادثات؟

يعتبر كثيرون أن المسافة بين إعلان الاستعداد والانخراط الفعلي في مفاوضات مباشرة لا تزال شاسعة وأن الكلام لا يزال للميدان

لم يعد الحديث عن مفاوضات سلام مباشرة بين لبنان وإسرائيل من المحرمات (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي)

ملخص

يؤكد مصدر دبلوماسي في واشنطن أن إطلاق مسار التفاوض اللبناني - الإسرائيلي المباشر ينتظر أجوبة من تل أبيب على تساؤلات تقنية تتعلق بمكان انعقاد المفاوضات، ومستوى التمثيل في الوفود المفاوضة، وإمكان عقد جلسات مباشرة تمهيدية يعرض فيها كل من الطرفين أولوياته، بدلاً من إضاعة الوقت في تبادل المراسلات عبر الوسطاء.

في خضم الحرب التي اندلعت بين إسرائيل و"حزب الله"، وما أفرزتها من تحولات جوهرية في المشهد اللبناني، عاد للواجهة سؤال كان من المحظورات لعقود في السياسة اللبنانية: هل بات التفاوض المباشر مع إسرائيل ممكناً، بل ضرورياً؟ وهل يكون الحزب بخياراته وحساباته ودخوله الحرب مجدداً، قد أوصل لبنان إلى مفاوضات قد تنتهي بما كان يرفض سابقاً؟

مشروعية هذا السؤال لا تقوم على الفراغ، بل ترتكز على تحولات رسمية لافتة. فقد أعلن رئيس الجمهورية جوزاف عون في اجتماعٍ افتراضي دعا إليه الاتحاد الأوروبي بمشاركة 13 دولة، استعداد لبنان للتفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية دولية، مطلقاً مبادرة من أربع نقاط لوقف التصعيد. وفي السياق ذاته، أعلن رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، في أعقاب جلسة طارئة للحكومة، استعداد لبنان للانخراط في مفاوضات على المستوى المدني.

غير أن هذا الطرح الرسمي الصادر عن القيادة اللبنانية، على جديته وما يعكسه من قراءة واقعية لمتطلبات المرحلة، لم يلق صدى لدى الراعي الأساس للعملية، أي الولايات المتحدة، ولا لدى إسرائيل. وعلى الجبهة الداخلية، أغلق رئيس كتلة "حزب الله" النيابية النائب محمد رعد الباب أمام مبادرة رئيس الجمهورية، إذ جدد رفضه قرار الحكومة حصر السلاح وحظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب، مؤكداً حقهم في الدفاع عن نفسهم.

يتجلى من هذا كله أن المسافة بين إعلان الاستعداد والانخراط الفعلي في مفاوضات مباشرة لا تزال شاسعة، وأن الكلام لا يزال للميدان. ويرى المحللون أن نتائج المسار التفاوضي تتوقف على ثلاثة متغيرات رئيسة: الموقف الإسرائيلي من الانسحاب الكامل، وطبيعة الضغط الأميركي ومداه، وقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ قراراتها بجدية وإدارة التوافق الداخلي في مرحلة بالغة الدقة والحساسية.​​

بين مبادرة لبنان وشروط إسرائيل

يؤكد مصدر مقرب من رئيس الجمهورية لـ"اندبندنت عربية" أن لبنان منفتح على التفاوض، غير أن ذلك مشروط بوقف الاعتداءات الإسرائيلية أولاً، ليفتح بعدها الباب أمام محادثات تستند إلى أربعة محاور حددها رئيس الجمهورية.

وهي أولاً إرساء هدنة شاملة وكاملة توقف الاعتداءات الإسرائيلية كافة على الأراضي اللبنانية، ثانياً تأمين الدعم اللوجستي اللازم للقوات المسلحة اللبنانية، ثالثاً بسط القوات المسلحة اللبنانية سيطرتها على مناطق التوتر، وضبط السلاح غير الشرعي، بما يشمل مصادرة أسلحة "حزب الله" ومخازنه ومستودعاته، وفق المعطيات المتاحة.

رابعاً انطلاق لبنان في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية دولية، بالتوازي مع تنفيذ ما سبق، بهدف التوصل إلى ترتيبات تفصيلية شاملة.

وأوضح المصدر أن هذه المبادرة تشكل تطويراً نوعياً للمبادرات السابقة، إذ لم تأت من فراغ، بل هي حصيلة اتصالات مكثفة أجراها رئيس الجمهورية مع الدول العربية والأوروبية والفاتيكان، وقد جرى تعميمها على سفارات الدول المعتمدة في لبنان وكذلك على البعثات اللبنانية في الخارج.

وأشار إلى أنها موجهة في مضمونها إلى الجانب الأميركي والدول القادرة على التأثير في إسرائيل والضغط عليها لوقف عدوانها، بيد أنه أبدى تحفظاً حول حظوظ نجاح المبادرة، مستحضراً في هذا السياق الموقف المتشدد لـ"حزب الله" كما عبر عنه النائب محمد رعد، فضلاً عن الشروط الإسرائيلية المجحفة التي لا توحي بأفق إيجابي قريب، مؤكداً أن الرهان يبقى على حجم الضغط الأميركي على تل أبيب.

الشروط الإسرائيلية

وكشف المصدر عن أن إسرائيل تشترط لوقف عملياتها تجريد "حزب الله" من سلاحه كلياً، وانسحابه إلى ما وراء نهر الليطاني، وتقييد أي تحرك له على الأرض، على أن تعهد الإشراف على تنفيذ هذه البنود إلى قوات أميركية تتمتع بصلاحيات مستقلة من دون الحاجة إلى إذن مسبق من الجيش اللبناني أو التنسيق معه، فيما تأتي المفاوضات المباشرة مع لبنان في مرحلة لاحقة.

وحين سئل عن احتمال استضافة قبرص لمفاوضات محتملة، استبعد المصدر ذلك في المرحلة الراهنة في ضوء استهدافها انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، مؤكداً في الوقت ذاته أن الفكرة لا تزال مطروحة من دون أن يحسم اختيار موقع بديل عن هذه الدولة حتى الآن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التشدد الأميركي لا يعني توقف المسار

تتعامل الإدارة الأميركية بحذر مع المبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية، في ظل معطيات تشير إلى أن إبرام اتفاق سلام مع لبنان لا يمثل أولوية راهنة لواشنطن، وعلى رغم أن السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى تسلم نسخة من هذه المبادرة خلال زيارته القصر الجمهوري قبل أيام، فإن أي رد رسمي لم يصدر عن إدارته حتى الآن.

ويؤكد مصدر دبلوماسي في واشنطن أن الموقف الأميركي من السلطة اللبنانية يقوم على قناعة بأن بيروت أعطيت فرصة لم تحسن استثمارها، ولم تف بالتزاماتها، مما بات جلياً في منطقة جنوب الليطاني التي تبين أنها لا تزال مكتظة بالسلاح والمسلحين، خلافاً لما أعلنته الحكومة وقيادة الجيش اللبناني.

غير أن المصدر ذاته يلفت إلى أن فريقاً من الإدارة الأميركية كان يسعى، ولا يزال، إلى انطلاق مفاوضات مباشرة بين بيروت وتل أبيب، وقد كلفت سفيرها في لبنان متابعة هذا الملف. ويكشف عن أن الجانبين اللبناني والأميركي ينتظران رداً إسرائيلياً على تساؤلات تقنية تتعلق بمكان انعقاد المفاوضات، ومستوى التمثيل في الوفود المفاوضة، وإمكان عقد جلسات مباشرة تمهيدية يعرض فيها كل من الطرفين أولوياته، بدلاً من إضاعة الوقت في تبادل المراسلات عبر الوسطاء.

ويجزم المصدر بأن الجانب اللبناني أبلغ موافقته على الشروع في المفاوضات المباشرة، وأن هذه الموافقة جاءت على مستوى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وكذلك رئيس مجلس النواب، وإن ظلت غير معلنة.

وفي السياق ذاته، علمت "اندبندنت عربية" من مصدر دبلوماسي أوروبي أن المسار التفاوضي لم يغلق بعد، وأنه في حال تعذر على واشنطن متابعته في المرحلة الراهنة بسبب انشغالها بالملف الإيراني، فإن دولة أخرى، يرجح أن تكون أوروبية، قادرة على تهيئة الأرضية المناسبة للتفاوض. وأشار المصدر إلى أن دولة أوروبية محايدة، أخذت على عاتقها، قبيل الحرب الأخيرة، التحضير لمفاوضات مباشرة على أراضيها بطلب لبناني وبصورة سرية، وأنها تواصلت لهذا الغرض مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.​​

من يجر لبنان إلى طاولة التفاوض؟

قد يبدو الحديث عن مفاوضات مباشرة سابقاً لأوانه، ريثما تنجح إسرائيل في فرض جدول أعمالها عبر الميدان، غير أن إعلان رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة استعداد لبنان للتفاوض المباشر تجاوز حدود الخطاب الاستعراضي، والأرجح أن الأمور ستسلك هذا المسار في نهاية المطاف. ورب قائل إن لبنان يساق إلى التفاوض تحت وطأة الضغط لا بإرادة حرة، لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون، هل يكون "حزب الله" بأفعاله وحساباته، قد أوصل لبنان إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل؟

الكاتب والمحلل السياسي جيرار ديب يجد "أن الحزب في الاستباقية التي قام بها قدم هدية مباشرة وذريعة قوية للعدو بالقيام بحرب واسعة على لبنان من أجل تحقيق هدفين، الأول مرتبط بنزع السلاح والثاني يتعلق بأخذ لبنان قسراً إلى طاولة المفاوضات على أمل ألا تكون غير مشروطة". ويضيف "يبدو أن الحزب لم يكن بقارئ جيد لتصاريح مسؤولين إسرائيليين بتطبيق سيناريو غزة على لبنان، بل لم يزل يقاتل على اعتبار أنه سيعيد ترميم مسألة الردع مع الإسرائيلي، وهنا تكمن الإشكالية التي دفعت بالرئيس عون للتسريع في طرح المبادرة".

والمفارقة اللافتة أن الحزب الذي رفع لواء قتال إسرائيل ذريعة لتحرير ما تبقى من أرض وردع العدو، بات اليوم أحد أبرز الأسباب التي تدفع لبنان نحو خيار كان يعد من المحرمات الكبرى. ويعتقد محللون أن الحزب بعد أن انخرط في حرب عام 2024 باسم "وحدة الساحات" دعماً لغزة، من دون أن يحظى بغطاء وطني جامع، خرج من المواجهة وقد تكبد خسائر فادحة في قياداته وبنيته العسكرية وشبكة نفوذه الإقليمي، والمفارقة الأشد وقعاً أن الفراغ الذي خلفه تراجع الحزب هو ذاته ما أتاح للدولة اللبنانية استعادة جزء من صوتها.

فمع تراجع قدرة الحزب على تحديد سقف القرار السياسي، انفتحت مساحة للنقاش لم تكن ممكنة في السابق، وبات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يعلنان استعداد لبنان للتفاوض المباشر من دون أن يواجها الفيتو المعتاد. بعبارة أخرى، أسهمت هزيمة الحزب في تحرير الدولة، لكنها أوقعتها في الوقت ذاته في مواجهة خيارات عسيرة لم تعد لها العدة.

لا مسؤولية على الحزب

في المقابل، يرى الكاتب السياسي عمران زهوي أن تحميل "حزب الله" مسؤولية الدفع نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل هو اتهام لا يستند إلى الوقائع، إذ إن الحزب لم يكن يوماً طرفاً في هذا المسار التفاوضي ولن يقبل به. ويوضح أن الاتفاقات السابقة أبرمت على مستوى الدولة اللبنانية، وأن الحزب التزم بكامل بنودها وأوفى بما ترتب عليه من التزامات، في حين أخل الجانب الإسرائيلي بهذه الاتفاقات بصورة شبه كاملة.

ويستند زهوي إلى جملة من الوقائع، أبرزها انسحاب الحزب من جنوب نهر الليطاني وتعاونه مع الجيش اللبناني، كما يقول، وتسليمه قرار الحرب والسلم إلى الدولة. غير أنه بعد مضي 15 شهراً على اتفاق وقف إطلاق النار، لم تبادر الدولة إلى اتخاذ الإجراءات الكافية، فيما تواصلت الانتهاكات الإسرائيلية التي أوقعت أعداداً كبيرة من القتلى وخلفت دماراً واسعاً في القرى الجنوبية، ويتساءل "إلى متى يصبر أبناء الجنوب والحزب على هذا الواقع؟".

ويرى أن ما جرى كان يجب أن يحدث في وقت أبكر، لا سيما أن أبناء الجنوب كانوا يضغطون على الحزب لفتح الجبهة سعياً إلى العودة لأراضيهم ووقف العدوان، في ظل عجز الدبلوماسية عن تحقيق أية نتيجة ملموسة. ويختم بالقول إن تنازل "حزب الله" عن قرار الحرب لصالح الدولة يعني ضمنياً تخليه عن دوره في دعم القضية الفلسطينية، وتحول وظيفته من قوة ردع إلى قوة دفاعية محدودة المهمات، تقتصر على حماية القرى الجنوبية ومنع احتلال الأراضي. 

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير