ملخص
خلال الأسابيع الأخيرة، واجهت الصناعات والأسواق المالية والأعمال الصغيرة وقطاع الخدمات حالة من عدم اليقين بل والتوقف الكامل.
في حين أكد مسؤولو النظام الإيراني خلال الأيام الماضية مراراً "استقرار توفير السلع الأساسية" وعدم وجود أي نقص في السوق، تشير مجموعة من البيانات الاقتصادية والتقارير الميدانية وتقييمات الخبراء إلى أن الاقتصاد الإيراني يواجه تحديات جدية في تلبية الحاجات الأساسية للمجتمع.
تزامن الحرب والضغوط الخارجية مع الضعف الهيكلي في السياسات الاقتصادية والاضطراب في سلاسل الإمداد، بخاصة خلال الأشهر الستة الثانية من العام الماضي، قدم صورة مختلفة عن الروايات الرسمية، صورة تشير إلى احتمال حدوث نقص في بعض السلع الأساسية خلال الأشهر المقبلة.
ويأتي تهديد دونالد ترمب، أخيراً باستهداف البنية التحتية للطاقة، وخاصة محطات الكهرباء في إيران في حال عدم إعادة فتح مضيق هرمز، في وقت كان فيه الاقتصاد الإيراني يعاني أصلاً وضعاً هشاً، وارتبط انعكاس هذا التهديد في الرأي العام أكثر بالمخاوف الاقتصادية منه بالجوانب السياسية.
خلال الأسابيع الأخيرة، واجهت الصناعات والأسواق المالية والأعمال الصغيرة وقطاع الخدمات حالة من عدم اليقين بل والتوقف الكامل.
وتشير تقارير منشورة في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام المحلية، على رغم القيود الواسعة على نشر المعلومات، إلى أن الفاعلين الاقتصاديين لا يرون أفقاً واضحاً للمستقبل القريب، ومن مؤشرات ذلك انخفاض الطلب، والحذر في الشراء، وتأجيل القرارات الاقتصادية من قبل المواطنين.
الحكومة، رداً على هذه الظروف، طبقت سياسة توزيع قسائم إلكترونية للسلع ونظام الحصص، إلى جانب تقييد نشر الأخبار والإحصاءات، على شريحة واسعة من المجتمع، وقدمت ذلك كأداة لضبط الأسعار وضمان الوصول إلى السلع الأساسية، ومع ذلك، يرى كثير من الخبراء أن هذه السياسة ليست حلاً مستداماً، بل تمنح الأزمات الاقتصادية الأعمق مجرد مهلة قصيرة.
عجز في الميزان التجاري
تشير البيانات الخاصة بالأشهر الستة الأولى من عام 2025 إلى أن الميزان التجاري لإيران كان سلبياً، وأن حجم الواردات، خصوصاً في قطاع السلع الأساسية، تراجع بصورة ملحوظة مقارنة بالفترات المماثلة من العام السابق بسبب عدم توفير العملة الصعبة اللازمة. ويرى محللون أن هذا الاتجاه يدل على تراجع قدرة البلاد على تأمين حاجات السوق المحلية.
تأثر الاقتصاد الإيراني خلال العام الماضي بمجموعة من العوامل، من بينها الحرب والأزمة الاجتماعية والسياسية الواسعة والعقوبات الدولية، فنتائج المواجهات العسكرية وتشديد العقوبات وارتفاع المخاطر السياسية زادت الضغوط على الاقتصاد، بخاصة في مجالي الاستيراد وتأمين وتخزين السلع الأساسية، مما أدى إلى اضطراب التخطيط لعملية التوريد.
إضافة إلى ذلك، أدت القيود على الوصول إلى الموارد بالعملات الأجنبية وصعوبات التحويلات المالية إلى تعقيد عملية الاستيراد، وأظهرت تجربة العام الماضي، بخاصة في ارتفاع أسعار سلع مثل اللحوم والرز، أن أي اضطراب في الاستيراد يؤدي سريعاً إلى ارتفاع الأسعار وانخفاض المعروض في السوق.
وفي ظل هذه الظروف، يحذر بعض الخبراء من أن الحكومة خلال عام 2025 لم تتوقع تداعيات هذه الأوضاع ولم تتخذ الإجراءات اللازمة لتأمين حاجات السوق للعام الحالي، وهو ما قد يظهر في صورة نقص واسع في السوق بدءاً من منتصف ربيع 2026.
خطر النقص في السوق
يعود جزء كبير من القلق إلى وضع الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تؤدي دوراً أساسياً في توزيع وتأمين السلع الاستهلاكية، وتشير التقارير الميدانية إلى أن كثيراً من هذه الشركات يواجه انخفاضاً في المبيعات وارتفاعا في الكلفة وصعوبة في تأمين المواد الأولية.
وأدى إغلاق أو شبه إغلاق بعض الوحدات الإنتاجية والخدمية، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، إلى اضطراب دورة العرض والطلب. ويحذر ناشطون في السوق من أنه إذا استمر هذا الاتجاه خلال ربيع هذا العام، فسيصبح انخفاض مخزون بعض السلع في السوق ملموساً خلال الأسابيع المقبلة.
ويؤكد عدد من الخبراء الاقتصاديين أنه حتى في سيناريو متفائل، فإن بعض السلع الأساسية ستواجه نقصاً ابتداءً من أواخر أبريل (نيسان) المقبل أو على الأكثر من منتصف مايو (أيار) المقبل. ويأتي هذا التوقع في وقت بدأت فيه مؤشرات أولية لهذا النقص تظهر بالفعل في بعض الأسواق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في الوقت نفسه، أدى القلق من اتساع المواجهات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى زيادة خطر حدوث اضطرابات إضافية في سلاسل الإمداد، وهو ما قد يعطل عمليات الاستيراد والنقل وتوزيع السلع بصورة أكبر.
أزمة الطاقة والمياه
إلى جانب التحديات الاقتصادية، أصبحت حال البنية التحتية للطاقة أحد مصادر القلق، إذ تشير التقارير إلى تضرر بعض المنشآت الغازية ومصافي التكرير خلال الحرب، ما قد يؤدي إلى انخفاض القدرة على إنتاج الوقود وتوزيعه.
وفي مثل هذه الظروف، تزداد احتمالات تطبيق سياسات أكثر تشدداً في قطاع الطاقة، بما في ذلك فرض حصص صارمة على الوقود. وإذا طبقت هذه الإجراءات فستؤدي إلى ارتفاع كلفة النقل والإنتاج، بالتالي زيادة أسعار السلع.
ومن ناحية أخرى، تزيد أزمة المياه والجفاف، مع اقتراب فصل الصيف، من تعقيد الوضع، إذ شهدت إيران خلال الأعوام الأخيرة موجات جفاف واسعة، وتشير التوقعات إلى أن صيف 2026 قد يكون من أصعب الفترات من حيث تأمين المياه والطاقة، بجانب أن انخفاض الموارد المائية، إلى جانب ارتفاع الاستهلاك في فصل الحر، سيزيد الضغط على القطاع الزراعي وسلسلة إمداد الغذاء.
في المجمل، تشير الأدلة والبيانات المتاحة إلى أنه، خلافاً لتأكيدات مسؤولي النظام بعدم وجود نقص في السوق، يواجه الاقتصاد الإيراني في 2026 مجموعة من الأزمات المتزامنة، من اضطرابات الاستيراد وضعف السياسات الاقتصادية إلى الضغوط الخارجية والمشكلات البنيوية في البنية التحتية.
وتشير هذه العوامل، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وضعف الشركات الصغيرة، إلى احتمال حدوث نقص في بعض السلع الأساسية خلال الأشهر المقبلة، وهو وضع قد يحمل تداعيات اقتصادية واجتماعية واسعة على المجتمع الإيراني.
نقلاً عن اندبندنت فارسية