Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا يحتفل التلاميذ بتمزيق كراريسهم نهاية العام؟

كلما توسعت الهوة الحضارية بين المعلم والمتعلم تبددت مسافة التفاهم والاستماع وحوار الأجيال

نحن نشاهد مظاهر تمزيق الكراريس في كرنفالات واحتفالات شارعية، نتساءل ما الذي يحرك مثل هذا الفعل الذي أصبح شائعاً؟ (بيكسلز)

ملخص

أتصور أيضاً بأن ظاهرة تمزيق الكراريس المدرسية هي عبارة عن نوع من الإجابة العفوية واللامفكر فيها، والتي تصدر عن المتعلم كشكل من أشكال مواجهة بعض تصرفات العنف المسلط على التلاميذ، وقد شاهدنا كثيراً من الفيديوهات التي يظهر فيها المربي وهو يضرب التلاميذ بطريقة "بهيمية"، مستعملاً عصا وألفاظاً سوقية، وكأن الترهيب والضرب هما الحل البيداغوجي الناجع.

ظاهرة تمزيق وحرق الكراريس المدرسية مع نهاية العام الدراسية، وبصورة جماعية، أمام باب المدرسة أو الثانوية أو في الشارع العام، وفي احتفال راقص ومسرحي، ليس أمراً معزولاً، ولا حدثاً صبيانياً نزقاً فارغاً من المعنى، إنه مؤشر سوسيولوجي لتحول ثقافي وسيكولوجي وحضاري جماعي بارز يحتاج إلى قراءة عميقة في دلالاته التربوية والسياسية والمعرفية واللغوية والجمالية والمجايلة.

لقد نشأ جيلنا، جيل الثمانينيات والسبعينيات وما قبلها، على تعامل خاص مع الكرّاس المدرسي، تعامل يتراوح ما بين الاحترام والتقديس، وحين كبرنا وجدنا آباءنا قد حافظوا على كراريسنا، منذ العام الأولى وحتى البكالوريا، واليوم حين نفتح كراساً من هذه الكراريس نستعيد مصفوفة من القيم الأخلاقية والسلوك الحضاري الذي لا يرتبط فقط بالحفاظ على الكراسة، بل يذكرنا بعلاقتنا بالمعلم، وكيف كانت صورة هذا الإنسان الاستثنائي في الحي أو في القرية، صورة تفرض الهيبة والتقدير، لأن وجوده في مخيال التلميذ كما في مخيال الأسرة والمخيال المجتمعي، مرتبط بالمعرفة والعلم والحلم، وربما الاحتفاظ بهذه الكراريس من قبل جيلنا والأجيال التي سبقتنا كان قصده هو القول إن العلم والمعرفة هما الطريق للخروج من الفقر والجهل والتخلف، واليوم ونحن نشاهد مظاهر تمزيق الكراريس في كرنفالات واحتفالات شارعية، نتساءل ما الذي يحرك مثل هذا الفعل الذي أصبح شائعاً؟ والأغرب من ذلك أنه يقابل بصمت أو بتواطؤ أو بلامبالاة من قبل الجميع.

صراع الأجيال أم صراع قيم أخلاقية؟

وبعيداً من كل الأحكام القيمية، يبدو لي أن ظاهرة تمزيق الكراريس المدرسية تعبير مباشر وعلني من قبل الجيل الجديد على تعارضه مع مجموعة من سلوكيات الجيل القديم ورفضه لها، جيل جديد يريد أن يمسح من ذاكرته ما قد يعلق بها خلال عام كامل، من فعل "التلقين" أو "الشحن" المفروض، والذي يمارسه جيل قديم يبدو في عيون الجيل الجديد وكأنه خارج التغطية الحداثية، خارج المعاصرة، وعلى بعد زمني كبير منها، فالجيل الجديد بمثل هذا "التمزيق" يريد أن يتشبه بهاتفه الذكي الذي يطلب محو بعض الأشياء الزائدة التي قد تعوق سرعة استجابة الجهاز أو تجعلها بطيئة، وكذلك يفعل التلميذ إذ يمسح الكراس وما فيه من الوجود من خلال عميلة التمزيق أو الحرق، حتى لا يكون هناك معوق في التواصل المباشر والسريع مع المحيط الجديد.

هذا التصرف المتمثل في سحق الكراريس المدرسية صورة لصراع معلن ما بين الجيل الجديد الذي ولد بعد العشرية السوداء الدموية، والذي لا تربطه بهذه الفترة الزمنية العويصة أية روابط سيكولوجية أو اجتماعية، وبين جيل المعلمين والمفتشين والإداريين المشرفين على المدرسة الذين لم يتخلصوا بعد من أثر المعاناة السيكولوجية والأيديولوجية التي خلفتها العشرية الدموية السوداء، فإذا كان جيل المشرفين على المنظومة التربوية من مؤسسات وبرامج وتنظيم ومناهج، مكبلاً بكثير من الخوف والتردد والغموض، فإن الجيل الجديد من المتعلمين يتميز بالانفتاح والمغامرة نحو آفاق العالم الرحب، من خلال نوافذ واسعة تتمثل في وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت ذات سلطة فعلية أكبر من سلطة المدرسة والأسرة، وهذا الانتماء لنظامين بقيم أخلاقية وفكرية وتكنولوجية مختلفة بل ومتعارضة، تجعل من فعل تمزيق الكراريس تعبيراً عن محاولة التخلص من عقلية هذا الجيل الذي لا يزال يعاني مخلفات الإرهاب.

إن فعل تمزيق الكراريس المدرسية هو تعبير أيضاً عن صراع عقليتين، عقلية المشرفين والمربين الذين ينتمون في غالبيتهم إلى الفكر المحافظ التقليدي الماضوي، وعقلية الجيل الجديد جيل التلاميذ الذين ينتمون إلى زمن الفضاء المفتوح والقيم الأخلاقية العالمية المشتركة، جيل يعيش حياة افتراضية من دون حدود ولا قيود، وهو ليس مجرد رفض التلاميذ للبرامج والمواد الكثيرة والمحفظة الثقيلة والمناهج المهترئة كما قد يتصور بعضهم، بل هو فعل أبعد من ذلك بكثير.

هذه الظاهرة هي تعبير أيضاً عن بداية نهاية المدرسة التقليدية واختفائها شيئاً فشيئاً، فالجيل الجديد الذي يملك ذكاء كونياً دخل فيه من خلال وسائل خارج المدرسة، ذكاء يحمل قيماً تتعارض مع كثير من القيم التي تسعى المدرسة التقليدية ببرامجها وبمنهاجها وبسلطتها أن تفرضها وتلقنها، وتبين ظاهرة تمزيق الكراريس في شكلها الاحتفالي، أو الجنائزي، الهوة الحضارية التي تتوسع يوماً بعد آخر ما بين المتعلم الجديد والمربي التقليدي، فحركة التمزيق هي صورة تعبر عن حال من البحث عن التحرر من قيود تكبل المتعلم (التلميذ) خلال العام الدراسي.

نقرأ كثيراً من الأخبار المتفرقة ونشاهد كثيراً من الفيديوهات المرتبطة بسلوكيات تحدث في المدارس المختلفة وفي مناطق عدة، والتي تبين الشرخ القائم ما بين المتعلم والمربي، فهذه مدرسة تمنع على التلاميذ نوعاً من الحلاقة العصرية، وهذه أخرى تمنع نوعاً من اللباس العصري للفتيات والفتيان، وهذه أخرى وصل الأمر فيها إلى منع نوع علب أقلام الرصاص الملونة، وهذه الأفعال التي قد تبدو معزولة في حينها تشكل تراكماً مع مرور الزمن، فيتولد عنها نوع من الرفض يتجسد في فعل التمزيق وكأنه نوع من الثأر ورد الفعل.

مثل هذه الأخبار والفيديوهات التي تحدث في المؤسسات التربوية تمر للأسف بصمت ومن دون مناقشة جادة ومسؤولة من قبل المتخصصين في علم التربية وعلماء النفس وعلماء الاجتماع، وهو ما يراكم سوء الفهم ويعقد صعوبة الاتصال والتواصل ما بين الأجيال والعقليات، وأتصور بأن ظاهرة تمزيق الكراريس المدرسية هي عبارة عن نوع من الإجابة العفوية واللامفكر فيها، والتي تصدر عن المتعلم كشكل من أشكال مواجهة بعض تصرفات العنف المسلط على التلاميذ، وقد شاهدنا كثيراً من الفيديوهات التي يظهر فيها المربي وهو يضرب التلاميذ بطريقة بهيمية، مستعملاً عصا وألفاظاً سوقية، وكأن الترهيب والضرب هما الحل البيداغوجي الناجع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يبدو لي أيضاً أن تمزيق الكراريس هو نتيجة حال انفصال الجهاز التربوي عن الواقع الذي يعيشه التلميذ يومياً  فهذه المنظومة التربوية تسعى إلى استدعاء الماضي بديلاً عن الحاضر الذي يعيشه التلميذ، وبفرض هذا الماضي يجري إغلاق كل نوافذ الحلم، فتبدو المدرسة في عين التلميذ طريقاً إلى الانتحار المعلن والممنهج، وأمام هذا يتوجه إلى تمزيق الكراريس التي هي رمز المدرسة كانتقام وسعي إلى استرجاع حلمه المغتصب، وكلما توسعت الهوة الحضارية ما بين المعلم والمتعلم، تبددت مسافة التفاهم والاستماع وحوار الأجيال، والملاحظ أن هذه الهوة تكبر يوماً بعد آخر، نظراً إلى أن غالبية الجهاز التربوي والإداري، الذي يدبر شأن المنظومة المدرسية، لا يخضع لتكوين جاد ولا لرسكلة (إعادة تدوير) متواصلة، لمواجهة متغيرات عقلية الجيل الجديد ومتطلباته وأحلامه.

حتى اللغة التي يستعملها الجيل الجديد من المتمدرسين تبدو وكأنها تبتعد أكثر فأكثر من لغة المدرسة، فلقد أضحت هناك هوة لغوية سحيقة بين ما في الكراس وما هو في حياة الناس، وفي هذا التباعد اللغوي يشعر المتعلم وكأن هذه اللغة التي يتعلمها في القسم غير متفاعلة مع أحلامه، ويتصورها وكأنها تمثل نوعاً من الحاجز الذي يفصله عن واقع يتشكل في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي واقعه الافتراضي المفتوح، فالجيل الجديد يتكلم لغة لها أكوادها ودلالاتها، وعلينا أن نقرأها بهدوء، وأن نستمع جيداً إلى مستعمليها، كي نخلق ذلك الحوار البناء ما بين لغة الكراس ولغة التلميذ خارج المدرسة.

تمزيق الكراريس المدرسية هو أيضاً، وبصورة ما، تضامن مع وضع المعلم الاجتماعي الرديء ورفض هذا الواقع البئيس الذي يعيشه، فالمتعلمون وهم يمزقون الكراريس يريدون بعث رسالة إلى ذوي القرار، ولو بصورة عفوية، ولكن لها دلالتها الكبرى، وهو أن العلم لم يعد هو الحل للخروج من الفقر والبطالة.

تمزيق الكراريس هو في نهاية الأمر تعبير عفوي أيضاً عن محاولة كسر باب السجن - المدرسة، لأن المدرسة للأسف تحولت إلى ما يشبه السجن لخلوها من النشاطات الثقافية والفنية الحرة، من مسرح وسينما وآداب وموسيقى، فهذا الجفاف الروحي والثقافي الذي تعيشه المدرسة خلال العام يراكم طبقات من الكبت، ليتجلى في نهاية العام من خلال مشاهد تمزيق الكراريس التي تشبه أداءات جماعية مسرحية وغنائية راقصة.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء