Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مفارقة صادمة: قد تكون باريس أكثر مقاومة لليمين المتطرف من لندن

بسبب اختلاف النظامين الانتخابيين قد تضم بريطانيا في مايو مجالس محلية يهيمن عليها اليمين المتطرف أكثر من فرنسا

تدرك لوبان زعيمة "التجمع الوطني" أن سجل اليمين المتطرف في تولي السلطة المحلية في فرنسا لم يكن ناجحاً على الدوام (غيتي)

 

 

ملخص

صعود اليمين المتطرف في فرنسا، رغم حضوره المحلي المتكرر، لا يزال يصطدم بيسار راسخ، ونظام انتخابي من جولتين يفتح المجال للتصويت التكتيكي، وتردد فرنسي مستمر في تسليمه السلطة على المستوى الوطني. هذه العوامل تجعل فرنسا، حتى الآن، أكثر قدرة من بريطانيا على كبح اليمين المتطرف، فيما قد يتيح النظام البريطاني القائم على جولة واحدة فرصة أكبر لترجمة التصويت الاحتجاجي إلى مكاسب محلية أوسع.

أحد أسباب قدرة فرنسا على تسيير شؤونها على نحو مقبول، على رغم الجمود المنهك في سياستها الوطنية، هو حجم السلطة التي جرى تفويضها إلى المدن والبلدات. ومن هنا، تكتسب نتائج الانتخابات البلدية المقرر إجراؤها نهاية هذا الأسبوع أهمية مزدوجة: فهي ستحدد من سيدير مراكز مؤثرة مثل باريس ومرسيليا خلال السنوات الست المقبلة، وستشكل أيضاً مقياساً للمناخ السياسي العام قبل عام من الانتخابات الرئاسية.

في الأسبوع الفاصل بين الجولة الأولى والجولة الثانية من هذه الانتخابات، جاءت الإشارات متباينة، وبدرجة أكبر بكثير مما أوحت به التوقعات القاتمة التي تكاثرت قبل الجولة الأولى، حين بدا أن فرنسا تقف على شفا اجتياح من اليمين المتطرف. لكن نتائج الجولة الأولى أسفرت في الواقع عن جولات إعادة متقاربة جداً، وفي مقدمها مرسيليا. وكان فوز مرشح "التجمع الوطني" فرانك أليسيو على رئيس البلدية الحالي بينوا بايان، مرشح التحالف اليساري التقليدي، سيُعد نصراً سياسياً كبيراً لمارين لوبان.

وأي فوز، مهما كان هامشه ضئيلاً، سيُعد إنجازاً بحد ذاته، لأن أهمية مرسيليا تتجاوز كثيراً مجرد عدد الأصوات، بحكم حجمها وتركيبتها السكانية وتاريخها الانتخابي اليساري. ومع ذلك، فإن مجرد الذهاب إلى جولة إعادة، في ظل تقارب كبير بين اليسار واليمين، يوحي بأن الصورة قد لا تكون محسومة بالقدر الذي تبدو عليه أحياناً. ففي النهاية، إذا كان "التجمع الوطني" عاجزاً عن الفوز بمرسيليا، بكل ما تعانيه من مشكلات اقتصادية وعرقية واجتماعية، وفي وقت تبدو الرياح الأوروبية مواتية لليمين المتطرف، فربما كانت جاذبيته مبالغاً فيها.

دعوني أستند هنا إلى أكثر من 20 عاماً من متابعة الانتخابات الفرنسية. فمهما بدا "التجمع الوطني" ظاهرة جديدة ومهدِدة، فليس بالأمر الجديد أن ينجح اليمين المتطرف في السيطرة على مدينة فرنسية كبرى. فقد فازت "الجبهة الوطنية"، كما كانت تُعرف آنذاك بقيادة جان-ماري لوبان، والد مارين لوبان، بمدينة تولون الساحلية البحرية عام 1995، وبقيت في السلطة هناك ست سنوات. وكانت تلك المرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية التي تُدار فيها مدينة فرنسية كبيرة، فضلاً عن كونها مقراً للبحرية الفرنسية، من قبل اليمين المتطرف، الأمر الذي أثار قدراً من القلق.

لكن اليمين المتطرف يتمتع، وإن بدا ذلك أقل ظهوراً، بتاريخ من التأييد في هذا الجزء من فرنسا، وهو ما أفرز انتصارات انتخابية متقطعة منذ تسعينيات القرن الماضي. فإلى جانب تولون، سيطر على مدينة أورانج، وكذلك على مارينيان وفيترول، وهما بلديتان صغيرتان قرب مرسيليا. ومنذ عام 2014، أصبح القوة الأبرز في مدينة بيزييه الكبيرة، على رغم أن رئيس البلدية يُعد مستقلاً من الناحية الشكلية. واحتفظ رئيس بلدية من "التجمع الوطني" أخيراً بالسلطة في مدينة بربينيان جنوب غربي البلاد بعد فوز حاسم في الجولة الأولى. ولدى "التجمع الوطني" أيضاً جيوب نفوذ في الشمال الشرقي، لا سيما في المناطق الحضرية المتدهورة بين ليل والحدود مع بلجيكا، وإن كانت هذه الجيوب لا تتحول عادة إلى سلطة فعلية.

وقد يكون الرد المنطقي على ذلك: ولمَ لا؟ لماذا بقيت نجاحات اليمين المتطرف المؤكدة في فرنسا محلية ومتفرقة، ولم تنجح، على الأقل حتى الآن، في التحول إلى سلطة وطنية؟

ربما، أولاً، لأن اليسار في فرنسا راسخ الجذور، ويمتد من يسار الوسط التقليدي إلى الحزب الشيوعي، وصولاً اليوم إلى حزب اليسار المتطرف "فرنسا الأبية". وعلى مر السنين، استفادت الأحزاب الأكثر يسارية أيضاً من عدد من القادة الأقوياء الذين يتمتعون بجاذبية شعبية حقيقية، ومن بينهم اليوم جان-لوك ميلينشون زعيم "فرنسا الأبية". كما أنها تستقطب كثيراً من الشرائح نفسها التي يجذبها اليمين المتطرف: الفقراء، والمحرومون، وسكان المناطق التي تعاني ركوداً اقتصادياً، ممن يبحثون عن بديل للأحزاب التقليدية أو يريدون التعبير عن تصويت احتجاجي. وفي النجاح الأخير لليسار في إسبانيا، يجد الناخبون الفرنسيون نموذجاً آخر للتفكير فيه، مختلفاً عن النموذج الألماني أو نماذج شمال أوروبا.

وثانياً، لأن سجل اليمين المتطرف في تولي السلطة المحلية في فرنسا لم يكن ناجحاً على نحو مطلق، إذ إن معظم من تولوا الحكم لم يبقوا فيه لأكثر من ولاية واحدة.

وثالثاً، لأن النظام الانتخابي الفرنسي القائم على جولتين يشجع بقوة على السلوك التكتيكي، سواء لدى المرشحين أو الناخبين، بحيث تعكس الجولة الأولى "خيار القلب"، بينما تعكس الجولة الثانية "خيار العقل". وهذا قد يرفع أصوات اليمين المتطرف في الجولة الأولى، قبل أن تتقلص بصورة غير متناسبة في الجولة الثانية، كما حدث في الانتخابات التشريعية الفرنسية الأخيرة. كما يدفع هذا النظام المرشحَ الثالث، وأحياناً الرابع، إلى الانسحاب لمصلحة المرشح الأقوى من اليسار أو اليمين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ورابعاً، وهو أمر غير منفصل عن ذلك، ما يبدو لي تردداً متأصلاً ومستمراً لدى الناخبين الفرنسيين في تسليم السلطة إلى اليمين المتطرف. فعندما حقق جان-ماري لوبان فوزاً مفاجئاً على الاشتراكي ليونيل جوسبان، وتأهل إلى جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية عام 1995، لم يحصل في الجولة الثانية إلا على 15 في المئة من الأصوات، مانحاً جاك شيراك، الديغولي، واحداً من أكثر الانتصارات حسماً في السجل الفرنسي. وقد تكون درجة مقاومة اليمين المتطرف تراجعت بمرور الزمن، لكن يبدو أن هناك خطاً لا تزال فرنسا ترفض تجاوزه.

وستكون الانتخابات الرئاسية عام 2027 الاختبار التالي، وربما الحاسم، لهذه الفرضية. فهل سيساعد ما يُنظر إليه على أنه فشل إيمانويل ماكرون في شق طريق وسط جديد في السياسة الفرنسية اليمين المتطرف؟ أم سيؤدي إلى تشتيت الأصوات؟ أم ربما يساعد اليسار حتى؟

وهنا ربما يمكن رسم تمييز مع المملكة المتحدة، أو على الأقل مع إنجلترا وويلز. فمن المشروع، بالطبع، التساؤل عما إذا كان ينبغي تصنيف حزب "ريفورم" حزباً يمينياً متطرفاً. فهو يصر على أنه ليس كذلك، وكذلك يفعل "التجمع الوطني" بقيادة مارين لوبان، على خلاف "الجبهة الوطنية" التي كان يقودها والدها، ومع ذلك يشغل الحزبان البريطاني والفرنسي اليوم مساحة متشابهة إلى حد كبير.

وستكشف الانتخابات المحلية في مايو (أيار) ما إذا كان حزب "ريفورم" قد بلغ ذروة جاذبيته وبدأ يتراجع، لكنه قد يظل، في أجزاء واسعة من البلاد، الفرصة الأكثر ترجيحاً للتصويت الاحتجاجي ضد حكومة يسار الوسط المتدنية الشعبية، على رغم ما يعانيه من مشكلات تنظيمية. وما لم يتمكن حزب "الخضر" بصورته الجديدة بقيادة زاك بولانسكي من ملء الفراغ الذي عجز جيريمي كوربن عن ملئه حتى الآن، فلن يكون لدى المملكة المتحدة بديل يساري للتصويت الاحتجاجي، على عكس فرنسا. كما أن النظام الانتخابي البريطاني القائم على جولة واحدة وعلى مبدأ الفائز الأول، الذي يحجب قوة الأحزاب الصغيرة إلى أن تتحول إلى أحزاب أكبر، لا يمنح الناخبين سوى فرصة واحدة وصوتاً لا يمكن تعديله في جولة ثانية.

ولهذه الأسباب مجتمعة، ليس مستبعداً أن يصبح في المملكة المتحدة، بعد مايو (أيار)، عدد المجالس المحلية ذات الأغلبية اليمينية المتطرفة أكبر منه في فرنسا. فضعوا ذلك في الحسبان قبل التنديد بما قد يكون رقماً قياسياً من انتصارات "التجمع الوطني" في البلدات والمدن الفرنسية يوم الأحد، باعتباره أمراً لا يمكن أن يحدث هنا.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من آراء