ملخص
الدول التي تستضيف أكبر القواعد الأميركية لا تتعامل معها كجزء من منظومة الدفاع الوطني إلا بترتيبات منفصلة كما في الحالة اليابانية، فهناك فرق بين "اتفاقية استضافة قاعدة" و"اتفاقية دفاع مشترك".
كثيراً ما يُستخدم الوجود العسكري الأميركي في المنطقة حجة للتشكيك في استقلالية القرار الخليجي، وكأن هذه القواعد تعني بالضرورة تبعية أمنية أو عجزاً عن الاعتماد على الذات... لكن هذه القراءة تخلط بين أمرين مختلفين: بين استضافة قوة أجنبية لاعتبارات استراتيجية متبادلة، والاتكاء عليها كمظلة أمنية... وهو خلط لا تقع فيه دول الخليج، وإن وقع فيه كثير من المراقبين.
انتشار القواعد الأميركية من ألمانيا إلى اليابان شرقاً لم يكن يوماً، في حد ذاته، يعني ضمان الحماية العسكرية، فالقواعد العسكرية، في جوهرها، أدوات لخدمة الدولة التي أنشأتها قبل أي طرف آخر، ووجودها يرتبط بالمصالح الأميركية، وحماية قواتها، وتأمين عملياتها، وإدارة انتشارها العسكري… لا بالدفاع التلقائي عن الدولة المستضيفة. وهذا الانتشار الواسع، من الخليج إلى أوروبا وآسيا وأفريقيا، يكشف حقيقتها بوضوح أكبر… فهي لا تشكل شبكة حماية للدول المستضيفة بقدر ما تمثل شبكة تُدار من خلالها عمليات بسط النفوذ العالمي، وهو ما يعكس بوضوح أن مركز الثقل في هذه القواعد هو المصلحة الأميركية أولاً.
والدول التي تستضيف أكبر القواعد الأميركية لا تتعامل معها كجزء من منظومة الدفاع الوطني إلا بترتيبات منفصلة كما في الحالة اليابانية، فهناك فرق بين "اتفاقية استضافة قاعدة" و"اتفاقية دفاع مشترك". الأولى تنظم وجود القوات الأجنبية واستخدامها للمنشآت، بينما الثانية تحدد التزامات الدفاع وحدوده وسيناريوهاته… وقد تتقاطع مصالحها مع حماية الدولة المستضيفة، لكن هذا التقاطع ليس التزاماً دائماً، ولا يُبنى عليه أمن دولة.
منذ مطلع الثمانينيات، بُنيت الاستراتيجية الأميركية في الخليج على مفهوم القدرة على التدخل السريع، أي تمكين القوات من التحرك عند الحاجة، لا تقديم مظلة دفاع جاهزة للدول المستضيفة… وهو فارق جوهري بين مَن يتموضع لخدمة عملياته، ومَن يتموضع للدفاع عن غيره... ولهذا، لا يبدو غريباً أن دول الخليج اليوم لا تتعامل مع هذه القواعد باعتبارها ضمانة أمنية، بدليل مليارات الدولارات التي تُنفق سنوياً على شراء أنظمة الدفاع الجوي، وبناء القدرات العسكرية المحلية، وتطوير البنية الدفاعية الوطنية. فلو كانت القواعد الأميركية تقوم بهذا الدور، لما كان لكل ذلك الإنفاق مبرر. فالدول التي تستضيف هذه القواعد هي نفسها الأكثر إنفاقاً على التسلح وبناء منظومات الدفاع… وقد رأينا كيف تقف هذه القواعد في كثير من الحالات موقف المتفرج، فالهجمات الإيرانية الأخيرة على قطر تثبت أن قاعدة "العديد"، أكبر قاعدة جوية أميركية في المنطقة، لم تشكل رادعاً حقيقياً، وحين وقعت الهجمات كان الرد والاعتراض من المنظومات الدفاعية القطرية، لا من القوات المتمركزة على بُعد كيلومترات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بل إن المفارقة الأكبر أن هذه القواعد لم تكن دائماً درعاً للدول المستضيفة، بل كانت أحياناً سبباً لاستهدافها، فبعض دول الخليج التي أعلنت صراحة أنها حظرت استخدام أراضيها منصة للعمليات الهجومية ضد طهران، وجدت نفسها في قلب التصعيد لمجرد أنها تستضيف هذه القواعد… وهو ما يكشف أن الوجود العسكري الأميركي قد يُورط الدولة المستضيفة في صراعات ليست طرفاً فيها، قبل أن يحميها منها.
والأهم أن هذا الوجود لم يكن ثابتاً في شكله أو وظيفته، بل تغير مع تغير الظروف، فبعد مراحل اعتمدت فيها الولايات المتحدة على قوى إقليمية للقيام بأدوار أمنية كما كانت مع شاه إيران وتنصيبه شرطياً للمنطقة، عادت لاحقاً إلى الوجود المباشر حين فشل ذلك النموذج… مما يؤكد أن القواعد ليست التزاماً دائماً، بل أداة تتبدل بحسب الحاجة.
وحتى مستقبل هذا الوجود لا يبدو مستقراً على نمط واحد، إذ تتجه الاستراتيجية الأميركية نحو ترتيبات أكثر مرونة تعتمد على التقنية والتدخل السريع عن بُعد، بدلاً من الحضور البشري الثابت… لهذا لا يمكن قراءة معادلات الأمن في المنطقة من خلال هذه القواعد وحدها… فالأمن القومي الخليجي يُبنى على توازنات، وتحالفات، واتفاقات، وقدرات ذاتية، وقرارات سياسية معقدة… واختزاله في القواعد الأميركية قراءة منقوصة تُخطئ طبيعة المشهد.