Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تضخم الرتب... فوضى عسكرية تهدد مستقبل الدولة الصومالية

حذرت البعثة الأفريقية من أن "الترقيات السياسية تقتل الروح المعنوية لدى الجنود مما يسبب حالات انشقاق أو تراخياً في الجبهات الأمامية ضد حركة الشباب"

تقدر التقارير الدولية والمحلية لعام 2025-2026 أن قطاع الدفاع والأمن يستحوذ على أكثر من 35 إلى 40 في المئة من الميزانية الفيدرالية الصومالية (أ ف ب)

ملخص

رصدت سلسلة تقارير فريق الخبراء المعني بالصومال، شكاوى مباشرة تتعلق بـ"الفساد الهيكلي"، وأن تضخم الرتب أدى إلى إنتاج ما يسمى "كشوف الرواتب المتضخمة". ويشكو الخبراء من أن "منح رتبة عقيد لشاب من دون مسوغ يعني قانوناً استحقاقه راتباً وامتيازات تقوق قدرة الدولة مما يؤدي إلى تبديد المعونات الدولية". واشتكت الأمم المتحدة أيضاً من أن غياب سلسلة قيادة واضحة يعرقل عمليات انتقال المسؤولية الأمنية من قوات "أتميس" إلى الجيش الصومالي.

في قلب مقديشو وبين أروقة وزارة الدفاع الصومالية يدور لغط صامت حول ظاهرة باتت تؤرق المانحين الدوليين والضباط المحترفين على حد سواء إنها ظاهرة "التضخم الرتبي" فبينما تحاول الصومال بناء جيش وطني قادر على سد الفراغ الذي سيتركه قوات "أتميس" (بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال) تجد نفسها غارقة في هيكل قيادي مشوه، يمنح الشباب رتباً عليا بجرة قلم سياسي أو قبلي، مما جعل الرتبة العسكرية تفقد قيمتها المهنية وتتحول الى مجرد أداة للوجاهة الاجتماعية.
وبناء على قاعدة البيانات المحدثة للدولة الصومالية يظهر الهيكل العسكري الصومالي أن القوة البشرية الاجمالية في الجيش الصومالي الوطني تصل إلى 23.200 فرد، ويبلغ عدد الضباط 9800 ضابط وإجمالي الجنود 13.400 جندي.

وفي الجيوش النظامية يقود الضابط الواحد فصيلة أو سرية من 30 إلى 100 جندي، بينما في الصومال هناك ضابط لكل 1.3 جندي، وهذا الخلل يعني وجود آلاف الضباط الذين لا يقودون أحداً ويتقاضون رواتب ضباط من دون ممارسة مهمات قيادية فعلية .
وبلغ عدد الحاصلين على رتبة عقيد فما فوق، دون سن الـ25 سنة، 468 حالة موثقة، والحائزين على رتبة عميد دون سن الـ30 سنة، 112 حالة موثقة، بينما يحتاج الفرد للوصول إلى رتبة عميد في نظام السلك العسكري إلى 28 إلى 30 عاماً من الخدمة، مما يعني أن الحد الأدنى لعمر العميد يجب أن يكون 50 سنة.

بديل الراتب

وأوضح العقيد المتقاعد في الجيش الصومالي أحمد فارح أن "المعضلة الصومالية تكمن في أن الرتبة أصبحت بديلاً عن الراتب أو المكافأة عندما تعجز الحكومة عن توفير امتيازات مالية لزعماء الميليشيات أو الشخصيات القبلية المؤثرة تمنحهم رتبة عقيد أو عميد كنوع من الترضية المعنوية، وهذا يدمر العقيدة العسكرية لأن الضابط الذي قضى 20 سنة في الخدمة يجد نفسه تحت إمرة شاب لم يسبق له دخول أكاديمية عسكرية. ونرى النظام القبلي في الرتب العسكرية، حيث تحصل قبيلة على رتبة لواء لذا يجب أن تحصل القبيلة الأخرى على رتبة لواء أيضاً. هذا التوازن القبلي خلق جيشاً رأسه أضخم من جسده، والانتقادات الدولية ليست مجرد ملاحظات بل هي تهديد مباشر بقطع التمويل فالمانح لا يريد تمويل جيش يتكون نصفه من الجنرالات".

ويخصَص لكل ضابط برتبة عالية ما بين 5 و15 جندياً كحراسة شخصية، وهناك حوالى 6 آلاف جندي مسجلين في كشوف الرواتب لكن مهماتهم الفعلية هي "حراسة الضباط" بدلاً من الوجود في جبهات القتال، وهذا يكلف الدولة نحو 1.5 إلى مليوني دولار شهرياً رواتب لهؤلاء الحراس فقط .
وفي حالات كثيرة يصدر القصر الرئاسي مراسيم بترقية أفراد من رتبة ملازم إلى عقيد مباشرة لتولي مهام أمنية خاصة، ويتجاوز هذا المسار لجنة الترقيات في وزارة الدفاع، وينتج طبقة مميزة من الضباط الموالين للسياسة وليس للدولة. وفي عامي 2024 و2025 تم دمج قوات "معاويسلي" المحلية بالقوات المسلحة الصومالية، وكشرط للدمج، طالب قادة القبائل برتب رفيعة لمقاتليهم، وكانت النتيجة تعيين عقداء لم يدرسوا أبداً فن القيادة أو الأركان بل يمتلكون فقط نفوذاً قبلياً في مناطقهم .

ويُقدَّر عدد الضباط الفائضين عن الحاجة بنحو 4 آلاف ضابط، وتبلغ التكلفة السنوية المباشرة لهذا الفائض 28 مليون دولار مما يضعف الثقة الدولية، وتعد ظاهرة الترقيات بقفز رتب عدة بقرار واحد، أحد أخطر ملفات استنزاف المؤسسة العسكرية الصومالية، حيث تشير التقديرات إلى أن القصر الرئاسي أصدر أكثر من 35 مرسوماً استثنائياً خلال العامَين الماضيَين، نتج عنها ترقية 120 ضابطاً بشكل غير تسلسلي، من رتبة ملازم أو تقيب مباشرة إلى رتبة عقيد أو عميد .

 

قادة الميليشيات

وسُجلت حوالى 45 حالة في عام 2025 وحده، حيث مُنح قادة ميليشيات "المعويسلي" رتبة عقيد فور انضمامهم إلى الجيش الوطني متجاوزين خمس رتب عسكرية في قرار واحد. وتم رصد 14 حالة لضباط في وحدات أمنية مرتبطة مباشرة بالقصر الرئاسي، مثل الحرس الجمهوري أو وحدات استخباراتية خاصة، قفزوا من رتبة ملازم إلى عقيد في غضون أشهر قليلة لتشريع قيادتهم لعمليات حساسة، إضافة إلى رصد ثماني حالات لملحقين عسكريين تم ترفيعهم إلى رتبة عميد بمرسوم رئاسي لتسهيل قبولهم في البعثات الدبلوماسية في الخارج رغم أن خدمتهم الفعلية لا تتجاوز الـ10 أعوام .

وفق البيانات الرسمية التي حصلت عليها "اندبندنت عربية"، فحوالى 60 في المئة من الضباط في الصومال لا يحملون دبلوماً عسكرياً أو ما يعادله، بينما على المستوى العالمي، تتطلب رتبة "رائد" دورة قادة سرايا، وتتطلب رتبة "عقيد" دورة أركان حرب، مما تسبب بموجة انتقادات دولية مباشرة وصدام مع المانحين، إذ اشترط المانحون "الغربلة العسكرية" قبل تحويل المبالغ، إضافة إلى الخوف من أن هؤلاء الجنرالات الشباب قد يبيعون أسلحة الدولة أو ينشقون بها لمصلحة ولاءات قبلية في أي لحظة اضطراب سياسي.

ورصدت سلسلة تقارير فريق الخبراء المعني بالصومال، شكاوى مباشرة تتعلق بـ"الفساد الهيكلي"، وأن تضخم الرتب أدى إلى إنتاج ما يسمى "كشوف الرواتب المتضخمة". ويشكو الخبراء من أن "منح رتبة عقيد لشاب من دون مسوغ يعني قانوناً استحقاقه راتباً وامتيازات تقوق قدرة الدولة مما يؤدي إلى تبديد المعونات الدولية". واشتكت الأمم المتحدة من أن غياب سلسلة قيادة واضحة يعرقل عمليات انتقال المسؤولية الأمنية من قوات "أتميس" إلى الجيش الصومالي.

توصيات فنية

وتعاملت البعثة الأفريقية ميدانياً مع الجيش الصومالي ورفعت توصيات فنية للدولة الصومالية تشمل ضرورة "الغربلة المهنية" وإخضاع جميع الضباط لاختبارات ميدانية وفحص للسجلات الأكاديمية، وحذرت من أن "الترقيات السياسية تقتل الروح المعنوية لدى الجنود المقاتلين مما يسبب حالات انشقاق أو تراخٍ في الجبهات الأمامية ضد حركة الشباب"، إضافة إلى رفع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تقارير تقارب الشأن العسكري من زاوية الإصلاح المالي، حيث طالبت بوضع سقف لعدد الرتب العليا وفقاً لتوصياتهم، ويجب ألا تتجاوز نسبة الضباط برتبة "عميد" و"لواء" عدداً محدداً يتناسب مع حجم الجيش الفعلي وليس الورقي. وأن التضخم في الرتب يؤدي إلى عجز في الموازنة العامة للدولة الصومالية بسبب الفوارق الكبيرة في الرواتب بين الجندي والضابط.

وأكدت التقارير الدولية حدوث التداعيات إذا لم يستجب الصومال لهذه الضغوط، إذ يتوقع الخبراء تجميد المساعدات العسكرية النوعية مثل الطائرات المسيرة والمدرعات الحديثة خوفاً من وقوعها تحت قيادة غير محترفة، وفشل عملية الانتقال الأمني عبر بقاء القوات الأجنبية لفترة أطول بسبب عدم ثقة المجتمع الدولي في هيكل القيادة الصومالي الحالي، والعزلة العسكرية عن طريق ضعف التعاون في مجال الاستخبارات العسكرية الدولية مع ضباط غير معروفين مهنياً".

وتقدر التقارير الدولية والمحلية لعام 2025-2026 أن قطاع الدفاع والأمن يستحوذ على أكثر من 35 إلى 40 في المئة من الميزانية الفيدرالية الصومالية، لكن الجزء الأكبر من هذا الإنفاق يذهب إلى التكاليف التشغيلية والرواتب بدلاً من التجهيز والتدريب، وفي الهيكل العسكري الصومالي الحالي ترتبط الامتيازات بالرتبة بشكل طردي، مما يرتب عبئاً مالياً ضخماً حيث يُقدَّر الإنفاق السنوي على وقود المركبات العسكرية المخصصة للضباط "خارج إطار العمليات الميدانية" بنحو 12 إلى 15 مليون دولار بسبب حصول الضباط برتبة عقيد فما فوق على مخصصات وقود شهرية ثابتة، وبسبب تضخم عددهم الذي يتجاوز الحاجة الفعلية مما يؤدي إلى استنزاف مخزون الوقود المخصص للآليات القتالية لمصلحة التنقلات الشخصية والوجاهية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووفقاً لتقارير تتبع المساعدات وملاحظات الاتحاد الأوروبي، تشير تقديرات غير رسمية من بعثات التدقيق الدولية إلى أن حوالى 18 إلى 22 في المئة من أموال الدعم المخصصة لدفع رواتب الجيش، تذهب إلى رتب وهمية أو رتب غير مستحقة نظامياً. ويقدَّر حجم التبديد أو سوء التخصيص الناتج عن تضخم الرتب بنحو 25 إلى 30 مليون دولار سنوياً. هذه الأموال تُصرف كفوارق رواتب وامتيازات لرتب عليا مُنحت من دون استحقاق قانوني.
وأنفقت دول مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وتركيا ملايين الدولارات لتدريب ضباط صوماليين، والتبديد هنا لا يقتصر على المال، بل في أن 40 في المئة من الضباط المدربين احترافياً يجدون أنفسهم تحت قيادة ضباط سياسيين أو قبليين أصغر سناً وأقل خبرة، مما يؤدي إلى استقالة الكفاءات أو تهميشها وهو ما يمثل خسارة استثمارية دولية كبرى. ويتم تخصيص مركبات دفع رباعي ومعدات اتصال ممنوحة كمعونات لكبار الضباط الجدد غير النظاميين كجزء من بروتوكول الرتبة مما يؤدي إلى استهلاك هذه المعدات في غير أغراضها العسكرية وتلفها سريعاً من دون فائدة ميدانية .
وشدد البنك الدولي في مراجعته الأخيرة لعام 2026 على أن "الصومال لن يصل إلى نقطة الإنجاز الكاملة في تخفيف الديون والإصلاح المالي ما لم يقم بتطهير كشوف الرواتب العسكرية". وهدد الاتحاد الأوروبي في عام 2025 بتقليص المساهمة في صندوق السلام الذي يدفع الرواتب بنسبة 15 في المئة ما لم يتم تقديم جدول زمني لإحالة الرتب المتضخمة إلى التقاعد .

صعوبة التنسيق

يعد الاتحاد الأوروبي الممول الرئيس لرواتب القوات الأمنية، وقد وضع شروطاً قاسية، أخيراً، شملت نظام البصمة الحيوية المشروط ورفض الاتحاد صرف رواتب لأي ضابط برتبة عالية من رائد فما فوق لا يحمل رقماً عسكرياً متسلسلاً يثبت مساره المهني. وأن هناك متابعات دولية لظاهرة ضباط يحملون رتباً رفيعة ويتقاضون رواتبهم من الدعم الدولي وهم في الحقيقة يعيشون خارج الصومال أو يمارسون أعمالاً مدنية من قبيل التجارة والعقارات.
وتشتكي قيادة بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية (أتميس) من صعوبة التنسيق الميداني. وكشف ضابط رفيع في البعثة عن مواجهة حالات يرفض فيها نقيب أو عقيد صومالي شاب الانصياع لأوامر رائد من البعثة أكثر خبرة منه بـ20 عاماً، لمجرد فارق الرتبة الورقية، مما تسبب بفشل عمليات مشتركة عدة في إقليم جوبا السفلى خلال عام 2025.
وأجرت فرق دولية استطلاعات شملت ضباط صف وجنوداً حيث يرى 65 في المئة منهم أن الانتماء القبلي هو المعيار الأول للترقية في الرتب الحساسة (عقيد، عميد، لواء).

ووفقاً لبيانات التدقيق البيومتري لوزارة الدفاع والشرطة الوطنية، التي حصلت عليها "اندبندنت عربية"، أظهرت أن عدد الضباط برتبة لواء أو فريق يصل إلى 85 شخصاً يشكلون 0.4 في المئة من الجيش، بينما المعيار العالمي هو 0.05 في المئة. كم أن عدد من يحملون رتبة عميد وعقيد يبلغ 2150 ضابطاً بنسبة 9.3 في المئة، بينما المعيار العالمي محدد عند 1.5 في المئة، وعدد من يحملون رتبة رائد ومقدم يصل إلى 3200 شخص يشكلون 13.8 في المئة، بينما يحدد المعيار العالمي نسبتهم في الجيوش عند أربعة في المئة.
وتعد منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي والأمم المتحدة أن منح رتب من دون استحقاق هو فساد إداري يقوض شفافية الدولة، وهذه الانتهاكات تعطي الحق للمانحين في قطع المساعدات المالية أو المطالبة باستعادة الأموال المخصصة للرواتب التي تم تبديدها على رتب غير قانونية. وأن الصومال موقع على اتفاقات مع الشركاء الدوليين وتلتزم الدولة اتباع المعايير الاحترافية في الترقية. ويُعد القفز فوق الرتب إخلالاً بالعقود الدفاعية المشتركة، وقد يؤدي إلى تجميد توريد الأسلحة النوعية بسبب عدم امتلاك بعض القادة الكفاءة القانونية والمهنية لإدارة هذه الاسلحة وفق القانون الدولي الإنساني، وتُستخدم حالياً كذريعة قانونية من قبل المانحين لتقليص الدعم المالي للصومال في عام 2026.

ويقف الجيش الصومالي في عام 2026 أمام خيارين، إما أن يتحول إلى مؤسسة احترافية تحترم قوانين الأقدمية والعلم أو يظل "سوقاً للنجوم" تُمنح فيه الرتب لمَن يملك النفوذ، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى انهيار الهيكل بالكامل عند أول اختبار حقيقي لسيادة الدولة. ولم تعد القضية شأناً داخلياً صومالياً فحسب بل تحولت إلى ملف شائك على طاولة المفاوضات الدولية في مقديشو ونيويورك وبروكسل وهذا التضخم أثار موجة من الشكاوى الرسمية والتقارير التحذيرية التي ربطت استمرار الدعم العسكري بضرورة "تطهير الرتب" .

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير