ملخص
على مدى عقود، حافظ الجزائريون على عادة رمضانية أصيلة، تتمثل في تجمع العائلات أمام التلفزيون لمشاهدة مسلسلاتهم المفضلة بين أعمال كوميدية وأخرى درامية، في توقيت يتزامن بين صلاة المغرب والتراويح.
مع انتشار القنوات الخاصة في السنوات الأخيرة، وعرض العديد من الأعمال في الوقت نفسه، أصبح من الصعب متابعتها كلها كما جرت العادة. ويعد أهم ما ميز المسلسلات الجزائرية هذا الموسم، هو رهاناتها على موضوعات لم يعتد عليها المشاهد كما في مسلسلي "دار السد" و"كية". إلى جانب جزءين ثانيين لكل من مسلسل "لفراق" و"البراني". أما المخرج جعفر قاسم، الذي قدم مسلسلات ناجحة في مواسم رمضانية سابقة، فيعود بعد غياب بمسلسل درامي بعنوان "فاطمة".
وعلى رغم بعض الهفوات في الحبكة وأداء الممثلين، حقق مسلسل "المهاجر" أعلى نسب مشاهدة، في ظل تحول قياس شعبية الأعمال إلى متابعة عدد المشاهدات في "اليوتيوب". ولعل ما يمكن ملاحظته بعد عرض الحلقات الأولى من أكثر المسلسلات الجزائرية متابعةً، هو تفوق الإخراج على حساب السيناريو، الذي يشهد في معظم الأعمال ضعفاً وأحداثاً غير منطقية وتكراراً في بعض الحوارات، مما يؤثر على التلقي. ويتجلى ذلك في تعليقات المشاهدين وسخريتهم في مواقع التواصل، احتجاجاً منهم على ما يرونه استخفافاً بالمشاهد، لا سيما مع متابعتهم للدراما العالمية، وتطلعهم إلى أعمال تنافس ما يشاهدونه على مدار العام. من جهة أخرى، حرص معظم المخرجين على تقديم مشاهد تصويرية جذابة، معظمهما في العاصمة الجزائرية، فتألقت المدينة بساحلها وأحيائها العتيقة، في اختيار يذكر باستغلال الدراما التركية لفنيات التصوير للترويج للسياحة.
"كية": الدراما الأكثر عنفاً وغرابة
يقدم مسلسل "كية" من إخراج أسامة قبي وكتابة سندس عبد الرحمن، القصة الأكثر عنفاً وغرابةً مقارنةً ببقية ما يعرض هذا الموسم، إذ يفاجئ المشاهدين ببيئة غير مألوفة في المجتمع الجزائري، تعرض الحياة اليومية لقبيلة من الغجر، تعيش في الأحياء القصديرية. تخضع هذه القبيلة لنظام اجتماعي خاص وعقوبات تصل إلى القتل، يقررها زعيم يدعى مختار. يؤدي محمد فريمهدي دور قائد متورط في تجارة الأعضاء، وتجنيد الأطفال والمراهقين للسرقة والاعتداء في أحياء العاصمة. يؤمن أفراد هذه القبيلة بتميزهم ونقاء دمهم، ولهذا يظهرون في المسلسل بأثر كية على الوجه أو العنق، فإما أن تكون مستديرة ومغلقة في إشارة إلى انتماء حاملها إلى عائلة مختار، أو مستديرة مفتوحة، تشير إلى أن الشخص من عامة القبيلة. ويظهر هؤلاء بأزياء وأكسسوارات تعكس المظهر البوهيمي بملامحه العالمية المعروفة، وهو مظهرٌ لا يتقاطع مع واقع المجتمع الجزائري حتى في فئاته الأشد فقراً، ومع ذلك قدم العمل بسيناريو قوي ومشوق، ينسج قصصاً اجتماعية ورومانسية تنشأ بين أفراد من القبيلة وآخرين من خارجها، في مناخ قاس يطغى عليه صراع الجريمة والانتقام.
"دار السد": مفاجأة الاقتباس عن رواية "الخادمة"
راهنت قناة "البلاد" على مسلسل "دار السد" من بطولة رجاء مزيان وسمير عبدون ومن إخراج محمد بن عبدالله. يعرض العمل دراما جديدة في طرحها، عن المألوف. تسرد الحلقة الأولى حكاية طفلة مولعة بالملاكمة، تماماً كشقيقها الذي تحرجه سخرية أصدقائه منها. غير أن والدها يشجعها على هذه الرياضة ويدربها بنفسه، بل ويقنع ابنه بضرورة تعلم أخته الدفاع عن نفسها. يظهر هذا الانتصار للمرأة في مجتمع ذكوري عبر عدة مشاهد، أبرزها مشهد دفاع البطلة عن صديقتها في حادثة تحرش، دخلت على إثره إلى السجن بعد إصابتها للمتحرش.
أما القصة المحورية التي تبنى عليها الأحداث، فتنطلق حين تضطر مريم للعمل خادمة في بيت للأثرياء، لتجد نفسها في مواجهة سيدته المضطربة، فتدفعها حاجتها المادية إلى تحمل تقلباتها المزاجية وإهاناتها. يكشف المسلسل عن مفاجأة غير متوقعة باقتباس العمل عن رواية The Housemaid للكاتبة الأميركية فريدا ماكفادن، وهي الرواية التي يعرض الفيلم المقتبس عنها في صالات السينما هذه الأيام. ومع وضوح الاجتهاد الجاد لصناع العمل في تقديم حكاية بلمسة محلية منسجمة مع خصوصية المجتمع الجزائري، إلا أن العمل لم يرد فيه أي إشارة إلى الرواية أو كاتبتها.
"المهاجر" الأكثر مشاهدة
تخطى مسلسل "المهاجر" عتبة الـ 9 ملايين مشاهدة لحلقته الأولى على منصة "اليوتيوب"، متصدراً بذلك الأعمال المنافسة، على رغم أنه يحمل الكم الأكبر من الهفوات والأحداث غير المنطقية. تؤدي بطولة العمل الممثلة الشابة آنيا حميمد التي تعد حديثة العهد بالتمثيل، ويشاركها البطولة "ريفكا" الذي عرف كصانع محتوى ومؤثر في مواقع التواصل الاجتماعي. ولعل ما جذب الاهتمام لهذا العمل هو قصته التي تروي حكاية طبيب شاب من عائلة ثرية، يقرر التخلي عن المال والعائلة ووظيفة مستقرة، ويترك خطيبته يوم عقد القران ليهاجر إلى فرنسا. تبدو مسألة الهجرة بالنسبة إليه، قضية تتعدى الحاجة المادية أو الرغبة في توفير حياة كريمة، بل رغبةً ملحة في التغيير وتحقيق طموحه الشخصي ضمن مسارات أبعد عن بيئته. تأتي هذه القصة في قالب اجتماعي رومانسي، يحاكي يوميات العائلة الجزائرية واهتمامات الشباب وأحلامهم، وهو ما شكل العنصر الأقوى في نجاح العمل جماهيرياً.
عودة "البراني" و"لفراق" في رهان الموسم الثاني
لتفسير عنوان مسلسل "البراني"، ينبغي أولاً شرح الكلمة قبل تفسير دلالاتها، فالبراني مفردة جزائرية مشتقة من كلمة "برا" وتؤدي المعنى ذاته في اللهجات العربية أي "الخارج"، أما البراني في السياق الجزائري فهي تعني الدخيل. يقدم البراني في موسمه الثاني، تتمة لحكاية الموسم الأول، ببطولة ثلاثية مشتركة بين خالد بن عيسى ومصطفى لعريبي وعبد الكريم دراجي. العمل من إخراج يحيى مزاحم، ويروي قصة ثلاثة إخوة، أحدهم أخٌ غير شقيق نشأ معهما بالتبني. يتورط ثلاثتهم في عالم المافيا وتجارة المخدرات، ومع تباين شخصياتهم، يناقش المسلسل قضايا اجتماعية تمس الروابط العائلية وصراعات المال والسلطة، إلى جانب الأزمات النفسية المرتبطة بالعاطفة واليتم والحاجة إلى الحب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي سياق المواسم الثانية أيضاً، يعود مسلسل "لفراق" من إخراج يوسف محساس، برهان آخر على نجاح يماثل أصداء الموسم الأول، ولكن هذه المرة بغياب بطلته "هيفاء رحيم" التي جسدت دور مريم، الزوجة المضطربة نفسياً، التي تحاول التعافي من جروح طفولة، إذ شهدت مقتل والدتها على يد والدها. وقد صرحت هيفاء رحيم في مداخلة إعلامية لها، بأن غيابها عن الموسم الثاني يعود ببساطة إلى أن دورها قد انتهى درامياً بنهاية الموسم الأول.
جعفر قاسم يقدم "فاطمة" بوصفها دراما روائية
يختار المخرج جعفر قاسم زمن منتصف القرن التاسع عشر لتقديم دراما روائية، تتناول واقع المجتمع الجزائري في حقبة الاستعمار الفرنسي، ولكن عبر حكاية غير مسبوقة في الدراما المحلية، إذ يسلط الضوء على الفن والحياة الثقافية آنذاك من خلال قصة فاطمة، شابة شغوفة بالموسيقى والعزف على آلة الكمان. يصور المخرج أحلامها في بيئة محافظة، معتنياً بتفاصيل الأزياء العاصمية ولهجة الحوار وأزقة حي "القصبة" العريق. لينقل المشاهد عبر الزمن ويجعله شاهداً على تفاصيل حياة عاشها أسلافه في المكان نفسه، ولكن في ظروف زمنية وتاريخية مختلفة.
في المحصلة، يكشف موسم رمضان 2026 عن مرحلة فارقة في الدراما الجزائرية، إذ بدا جلياً سعي العديد من الأعمال إلى توسيع موضوعاتها وتجريب تقنيات تصويرية وإخراجية أكثر جرأة، وبين التجديد والاستمرار في استنساخ القوالب المألوفة، تتشكل ملامح المشهد الدرامي الحالي في رهان فني همه الأول إرضاء تطلعات الجمهور.