ملخص
يبدو أن ترمب، الذي تولى منصبه متعهداً بإبقاء الولايات المتحدة بعيدة من التدخلات العسكرية "الغبية"، لا يتحكم الآن لا في نتائج الصراع الذي ساعد في إشعاله ولا في الرسائل الناتجة منه. ويحمل الافتقار إلى استراتيجية خروج واضحة أخطاراً على إرثه الرئاسي وعلى الآفاق السياسية لحزبه، في وقت يسعى الجمهوريون جاهدين للدفاع عن الغالبية الضئيلة التي يتمتع بها الحزب في الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي، نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
يختتم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأسبوع الثالث من الحرب على إيران وهو يواجه أزمة يبدو أنها تخرج عن سيطرته، فأسعار الطاقة العالمية آخذة في الارتفاع، والولايات المتحدة تقف بمعزل عن حلفائها، في حين تستعد مزيد من القوات للانتشار على رغم وعد ترمب بأن الحرب لن تكون سوى "حملة قصيرة".
ووصف ترمب، متخذاً موقفاً دفاعياً، دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) الأخرى بـأنها "جبانة" لرفضها المساعدة في تأمين مضيق هرمز، وأصر على أن الحملة تسير وفقاً للخطة. لكن إعلانه أمس الجمعة أن المعركة "تم الانتصار فيها عسكرياً" تعارض مع التحدي الذي تبديه إيران، إذ تقطع إمدادات النفط والغاز من منطقة الخليج بينما تشن هجمات صاروخية في أنحاء المنطقة.
ويبدو أن ترمب، الذي تولى منصبه متعهداً بإبقاء الولايات المتحدة بعيدة من التدخلات العسكرية "الغبية"، لا يتحكم الآن لا في نتائج الصراع الذي ساعد في إشعاله ولا في الرسائل الناتجة منه. ويحمل الافتقار إلى استراتيجية خروج واضحة أخطاراً على إرثه الرئاسي وعلى الآفاق السياسية لحزبه، في وقت يسعى الجمهوريون جاهدين للدفاع عن الغالبية الضئيلة التي يتمتع بها الحزب في الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي، نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
وقال آرون ديفيد ميلر، وهو مفاوض أميركي سابق في شؤون الشرق الأوسط في إدارات جمهورية وديمقراطية "بنى ترمب لنفسه صندوقاً يسمى حرب إيران، ولا يستطيع أن يجد طريقة للخروج منه. هذا هو أكبر مصدر لخيبة أمله".
واعترض مسؤول في البيت الأبيض على هذا الوصف، إذ تم القضاء على كثير من كبار القادة الإيرانيين في عمليات قتل محددة الأهداف، وإغراق معظم الأسطول البحري لإيران، وتدمير معظم ترسانتها من الصواريخ الباليستية.
وقال المسؤول "كان هذا نجاحاً عسكرياً لا جدال فيه".
حدود سلطة ترمب
ظهرت حدود سلطة ترمب، دبلوماسياً وعسكرياً وسياسياً، بوضوح شديد خلال الأسبوع الماضي. وقد فوجئ بمقاومة أعضاء حلف شمال الأطلسي والشركاء الآخرين لنشر أساطيلهم البحرية للمساعدة في تأمين مضيق هرمز.
وذكر مصدر مقرب من المحادثات أنه نظراً إلى عدم رغبة الرئيس في أن يبدو منعزلاً، نصح بعض مساعدي "البيت الأبيض" ترمب بإيجاد "مخرج" سريع ووضع حدود لنطاق العملية العسكرية، لكن لم يتضح ما إذا كانت هذه الحجة كافية لإقناع ترمب.
ويرى بعض المحللين أن عدم رغبة الحلفاء لا تعكس فقط ترددهم في التورط في حرب لم يتم التشاور معهم في شأنها، بل تعكس رد فعل عنيفاً على استخفافه بالتحالفات الأميركية التقليدية منذ عودته إلى منصبه قبل 14 شهراً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبدأت الخلافات مع إسرائيل في الظهور، إذ أصر ترمب على أنه لم يكن على علم سابق بالهجوم الإسرائيلي على حقل الغاز الإيراني "بارس" الجنوبي، في حين قال مسؤولون إسرائيليون إن الضربة تم تنسيقها بالفعل مع الولايات المتحدة.
ويقول المحللون إن ترمب يجد نفسه الآن عند مفترق طرق في عملية "ملحمة الغضب" من دون أي مؤشر واضح على المسار الذي قد يسلكه.
ويمكن لترمب المضي قدماً بكامل قوته وتكثيف الهجوم الأميركي وربما حتى السيطرة على جزيرة "خرج" مركز النفط الإيراني الرئيس، أو نشر قوات بمحاذاة الساحل الإيراني للبحث عن منصات إطلاق الصواريخ. لكن ذلك سينذر بالتزام عسكري طويل الأمد قد يعارضه الرأي العام الأميركي في الغالب.
ومن ناحية أخرى، فإنه مع رفض الطرفين للتفاوض في الوقت الحالي، يمكن لترمب أن يعلن النصر ويحاول الانسحاب، وهو ما قد يؤدي إلى إبعاد الحلفاء في منطقة الخليج ويتركهم إلى جانب إيران المثخنة بالجراح ذات النهج العدائي، التي ستكون لا تزال قادرة على السعي وراء سلاح نووي بدائي وممارسة السيطرة على الملاحة البحرية في الخليج. وتنفي إيران سعيها إلى الحصول على سلاح نووي.
وذكرت "رويترز" أمس أن الجيش الأميركي ينشر آلافاً إضافية من مشاة البحرية والبحارة في الشرق الأوسط، على رغم عدم اتخاذ أي قرار بإرسال قوات إلى إيران نفسها.
وأظهرت الحرب أن قبضة ترمب الحديدية التي كانت تسيطر على حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" آخذة في الضعف، إذ عبر مؤثرون بارزون عن معارضتهم للصراع. وفي حين أن قاعدته الشعبية وقفت إلى جانبه في الغالب حتى الآن، يقول محللون إن سيطرة ترمب قد تضعف في الأسابيع المقبلة إذا استمرت أسعار البنزين في الارتفاع وتم نشر قوات أميركية.
وقال المتخصص المعني بالحزب الجمهوري ديف ويلسون "مع تطور الأوضاع الاقتصادية، سيبدأ الناس في القول: لماذا أدفع أسعاراً مرتفعة للوقود مرة أخرى؟ لماذا يحدد مضيق هرمز الآن ما إذا كان بإمكاني الذهاب في إجازة الشهر المقبل أم لا؟".
سوء التقدير
وذكر مصدران مطلعان في شأن نهج ما يدور في كواليس "البيت الأبيض"، أنه منذ بداية الحرب في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، تزايد الإدراك داخل الإدارة الأميركية بأنه كان ينبغي التخطيط للصراع وتداعياته بصورة أفضل سابقاً، لكن المسؤول الأول في "البيت الأبيض" رد بأن الحملة جرى التخطيط لها بصورة مكثفة، وأنها معدة جيداً لأي إجراء محتمل.
ويقول المحللون إن أكبر خطأ في تقدير ترمب يتعلق بكيفية رد إيران في صراع تعتبره وجودياً.
وردت طهران بما تبقى لديها من صواريخ وأسطول من الطائرات المسيرة المسلحة لتعويض التفوق العسكري لأعدائها، إذ شنت هجمات في دول مجاورة بمنطقة الخليج، وأغلقت فعلياً مضيق هرمز الذي يمر عبره خمس إنتاج النفط العالمي.
وسواء توقع ترمب ومساعدوه هذه الأخطار أم لا، فإنهم لم يتمكنوا من مواجهتها بفاعلية.
وقال السفير الأميركي السابق جون باس، الذي خدم في أفغانستان وتركيا "فشلوا في التفكير بعمق في الاحتمالات المحيطة بالطرق التي يمكن أن ينحرف إليها الصراع مع إيران، إذ قد لا يسير وفقاً للخطة التي وضعوها".
ومع استمرار الصراع، ظهرت مؤشرات متزايدة على إحباط ترمب من عدم قدرته على التحكم في مسار الأمور. ففي الأيام الأخيرة، هاجم وسائل الإعلام مطلقاً اتهامات بلا دليل "بالخيانة" بسبب تغطية يرى أنها تقوض جهود الحرب.
وقال بريت برون، مستشار السياسة الخارجية في إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، الذي يترأس الآن شركة الاستشارات الاستراتيجية "سيتويشن روم" في واشنطن "يجد ترمب صعوبة في توجيه الأخبار، مثلما اعتاد، لأنه لا يزال غير قادر على تفسير سبب إقحامه لهذا البلد في الحرب، وما الذي سيحدث بعد ذلك. يبدو أنه فقد سحره في إيصال الرسائل".