ملخص
يعد القطاع الزراعي من أكبر القطاعات الاقتصادية في البلاد، ويسهم بشقيه في نحو 44 في المئة من إجمال الناتج القومي. ويعتمد ما يزيد على 60% من سكان السودان على الذرة الرفيعة والدخن، في وقت تقدر مساحة الزراعة التقليدية بما يقارب 20 مليون فدان (نحو 84 ألف كيلومتر مربع)، تتركز في الغرب والجنوب وأجزاء من الوسط.
ألحقت الحرب أضراراً بالغة بالقطاع الزراعي في السودان على مدى 35 شهراً، وجراء هذه الأوضاع تراجعت القدرة الإنتاجية للمشاريع والمحاصيل الزراعية بنسبة فاقت نصف الإنتاج الكلي، بحسب تقارير حكومية ودراسات متخصصة، وكذلك تعرضت البنية التحتية لخسائر جسيمة شملت أنظمة الري والمخازن والآليات، نتيجة القتال المباشر وحملات النهب التي طاولت مساحات زراعية حيوية في ولايات الجزيرة وسنار والنيل الأزرق والنيل الأبيض وجنوب كردفان.
في مشروع الجزيرة وسط البلاد، أكبر المشاريع المروية بأفريقيا المقدرة مساحته بنحو مليوني فدان (نحو 8400 كيلومتر مربع)، انخفضت مساحة زراعة القمح والذرة من 800 ألف فدان (نحو 3360 كيلومتراً مربعاً) قبل اندلاع الحرب إلى نحو 300 ألف فدان (نحو 1260 كيلومتراً مربعاً) بإنتاج 150 ألف طن فحسب، في وقت انخفض فيه إنتاج الذرة والزراعة التعاقدية بنسبة 16 في المئة بمشروع الرهد، وكذلك سجل مشروع السوكي الزراعي النسبة الكبرى من التدمير والتخريب، إذ تراجع إنتاجه من 150 ألف طن من الذرة إلى 20 ألف طن فقط.
تداعيات الحرب
في السياق اعتبر مستشار وزارة الزراعة السودانية السابق بدر الدين أحمد صالح أن "أزمة تراجع الإنتاج الزراعي الحالية ليست مجرد نقص في الأمطار أو بسبب آثار تغير المناخ، بل هي نتاج مباشر لشلل شبه كامل أصاب العمود الفقري للاقتصاد السوداني جراء اندلاع الحرب"، وأشار إلى "خروج أكثر من 60 في المئة من مساحة مشروعي الرهد والسوكي عن الخدمة، إضافة إلى الشلل الذي طاول قطاع الزراعة المطري في ولايات دارفور الخمس وأقاليم كردفان الثلاثة، فضلاً عن نزوح آلاف المزارعين بسبب تصاعد وتيرة المعارك وانعدام الأمن"، وتوقع صالح أن تزداد الأمور سوءاً مع اقتراب دخول الحرب عامها الرابع، "وخروج ولايات كردفان ودارفور من دائرة الإنتاج، مع تراجع الإنتاج في أقاليم الوسط والشمالية والشرقية"، ولفت إلى أن "الخطر الأكبر يتمثل في توقف مشروع الجزيرة المروي الأكبر في العالم بعد استهداف العمليات العسكرية البنية التحتية للري ومخازن التقاوي، مما جعل زراعة القمح في قلب السودان مغامرة محفوفة بالأخطار"، وحذر المتخصص الزراعي من خطر تحول المساحات الخضراء إلى ساحات مهجورة أو مناطق معزولة بفعل النزاع المسلح.
خسائر وتراجع
من ناحيته، قال عضو تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل سعد حسين إنه "على رغم استقرار الولاية الأمني، فإن النشاط الزراعي لم يستعد مستواه السابق وتراجعت القدرة الإنتاجية على نحو واسع، إذ انخفضت مساحة زراعة القمح والذرة من 800 ألف فدان (نحو 3360 كيلومتراً مربعاً) قبل اندلاع الحرب إلى نحو 300 ألف فدان (نحو 1260 كيلومتراً مربعاً) بإنتاج 150 ألف طن فقط"، وأضاف "البنية التحتية لمشروع الجزيرة تعرضت لخسائر فادحة، شملت أنظمة الري والمخازن والآليات، فضلاً عن عدم توافر التمويل اللازم والبذور المحسنة، إلى جانب الأسمدة والمبيدات والمدخلات، علاوة على شح الوقود وارتفاع أسعاره"، وأوضح حسين أن "الحرب شغلت الدولة من الالتفاف نحو القطاع الزراعي الذي كان يعول عليه في تحسين موقف الأمن الغذائي بالبلاد، ما أدى إلى تقلص المساحات المزروعة وتراجع الجدوى الاقتصادية للزراعة المطرية والمروية على حد سواء".
فجوة كبيرة
في مشاريع منطقة هبيلا بولاية جنوب كردفان، غرب السودان، تسببت هجمات قوات "الدعم السريع" وحليفتها "الحركة الشعبية – شمال" بقيادة عبدالعزيز الحلو في زعزعة الموسم الزراعي، وأسهم الوضع الأمني في تدهور القطاع بصورة "جعلت المزارعين يزهدون في ممارسة النشاط الزراعي، وسيطر القلق والخوف على المواطنين خشية التعرض للموت".
في هذا الصدد أشار عضو اتحاد مزارعي جنوب كردفان عادل عبدالقادر إلى أن "التقديرات تشير إلى حدوث فجوة غذائية كبيرة نتيجة تقليص الرقعة الزراعية، وخروج محليات عدة بالإقليم من دائرة الإنتاج بسبب الوضع الأمني، وأزمة انتظام الوقود، عقب إغلاق الطرق الرئيسة وفشل المئات في الوصول إلى المشاريع الزراعية خلال موسم الأمطار"، وحذر عبدالقادر من أن "خروج 60 في المئة من أراضي الولاية من دائرة الإنتاج أثار مخاوف السكان من حدوث مجاعة خلال الأشهر المقبلة"، لافتاً إلى أن "ارتفاع أسعار الوقود وانعدامه أبرز ما قصم ظهر المزارعين".
دور محوري
على الصعيد نفسه أوضح المتخصص الزراعي عباس الخليفة أن "النشاط الزراعي في مناطق النزاع النشط، مثل ولايات دارفور الخمس وأقاليم كردفان الثلاثة، تراجع بصورة ملحوظة نتيجة تصاعد المعارك والانتهاكات، إضافة إلى إغلاق الطرق وانعدام الأمن، مما أسهم في تفاقم أزمات الغذاء وتسريع دوامات الفقر والنزوح"، وبين الخليفة أن "محاولات التعافي في ولايات مثل الجزيرة وسنار والنيل الأبيض تتقاطع مع إرث ثقيل من الحرب التي أضعفت القاعدة الإنتاجية وبددت أصول آلاف المزارعين، خصوصاً صغار المنتجين في القطاعين المطري والمروي"، وتابع "الإنتاج الزراعي الوفير هذا العام في ولايات القضارف وكسلا والنيل الأزرق يمثل إشارات مهمة على أن النشاط الزراعي لم ينكسر بالكامل، وأن القطاع لا يزال يحتفظ بقدرته الكامنة على لعب دور محوري في إعادة تشغيل الاقتصاد إذا ما أحسن توجيه الدعم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مؤشرات إيجابية
في المنحى ذاته قال المتخصص في الشأن الاقتصادي الزبير النور إن "أي دولة تعيش الحرب تعاني حتماً تداعياتها سواء في تراجع الإنتاج الزراعي أو تقليص المساحات، لا سيما أنها عواقب اقتصادية حتمية في ظل استمرار الصراع المسلح، لكن هناك مؤشرات إيجابية، بخاصة الإنتاج الوفير في مدن ومناطق عدة، منها القضارف وحلفا وكسلا والشمالية"، وأضاف النور "تمت زراعة 85 في المئة من مساحة مشروع الجزيرة، وأكثر من 95 في المئة من مساحة مشروع المناقل، وهذا الموسم يشهد إنتاجية كبيرة في المشاريع المروية أو المطرية تكفي حاجة السودان وتوفر أمنه الغذائي".
خطة طوارئ
على صعيد متصل كشفت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، عن حاجتها إلى 230 مليون دولار لتنفيذ خطة طوارئ لمدة عامين تدعم خلالها 12.4 مليون سوداني. وأشارت إلى أن "خطة الطوارئ والصمود لعام 2026 وحتى عام 2028، تسعى إلى دعم 12.4 مليون شخص بتمويل يبلغ 230 مليون دولار، منها 75 مليون تحتاج إليها بصورة عاجلة لتنفيذ تدخلات زراعية منقذة للحياة لمصلحة 7.5 مليون فرد"، وأفادت المنظمة بأن "الزراعة، وهي حجر الزاوية في اقتصاد السودان، تعد المصدر الرئيس للغذاء والدخل لغالبية الأسر الريفية، إذ يعمل في الأنشطة الزراعية 65 في المئة من السكان وتسهم بـ25 في المئة من إجمال الناتج المحلي". وأوضحت "الفاو" أن السودان ليس مكتفياً ذاتياً وغذائياً نظراً إلى الصعوبات التي تواجه إنتاج الحبوب، إذ بلغ إنتاجها في موسم عام 2025 نحو 5.2 مليون طن، ما يمثل انخفاضاً بنسبة 22 في المئة مقارنة بعام 2024 و19 في المئة أقل من متوسط السنوات الخمس.
الزارعة في السودان
يعد القطاع الزراعي من أكبر القطاعات الاقتصادية في البلاد، ويسهم بشقيه في نحو 44 في المئة من إجمال الناتج القومي. ويعتمد ما يزيد على 60 في المئة من سكان السودان على الذرة الرفيعة والدخن، في وقت تقدر فيه مساحة الزراعة التقليدية بما يقارب 20 مليون فدان (نحو 84 ألف كيلومتر مربع)، تتركز في الغرب والجنوب وأجزاء من الوسط. وتسهم هذه المناطق في نحو 90 في المئة من الدخن و48 في المئة من الفول السوداني و28 في المئة من السمسم، وكذلك 11 في المئة من الذرة الرفيعة، و100 في المئة من الصمغ العربي، إلى جانب بعض المحاصيل الأخرى.