ملخص
يستأنف الشاعر اللبناني جودت فخر الدين (1953) في مجموعته الشعرية الـعشرين "ظلان لي" (دار النهضة العربية - بيروت) مسراه الشعري الغني والمتجدد دوماً، والثابت في أصالة الانتماء إلى شعر التفعيلة على حد السواء.
يبدو أن الشاعر جودت فخر الدين لم يشغله الإيقاع بقدر انشغاله بالقضايا الإنسانية والجوهرية عنده، مثل معضلة الموت الكبرى ومسائل تستحضرها الذات الماثلة دوما في الشعر، من مثل الضجر والانعزال القهري والحظ والخوف والرغبة الملحاح في السفر والهواجس وغيرها، مما تحفل بها مجموعاته الشعرية السابقة.
يمكن اعتبار شعر جودت فخر الدين في شكل عام مندرجاً في صلب تيار الحداثة الشعرية العربية بل المعاصرة، ما دام ينكر قصدية بعض من الشعر الذي قدم الشعار السياسي، في الشعر، على أي مضمون آخر، سواء أكان وجدانياً أم إنسانياً أم فكرياً أم جمالياً، ولدى النظر في شعر فخر الدين السابق يتبين أنه شعر حميم وشفاف ويطمح فيه إلى التأمل الفكري والنظر في ما يشغل محيطه القريب والبعيد، وإعادة الاعتبار إلى الخير والحق والجمال، وإلى ذلك ترى الشاعر لا يأنف من تثمير العقل والمحاجة في الشعر، وإنما يرافع دفاعاً عن فكرة أو طرح أو نظرة في مشهد إنساني مما يقلق ذاته الحساسة، ويخرج بخلاصة مفيدة منها.
تنقسم المجموعة الشعرية "ظلاّن لي" إلى خمسة أقسام، غير مرقمة وإنما معنونة على التوالي "ظلّان لي، ظلي وظل الشجرة" و"حديقة الكلام" و"طقوس الأمل" و"أقاوم وحدي" و"طريق طويل إلى القبر"، واللافت في هذه الأقسام أن الشاعر يعتمد في بنيانها بصورة أساس على ما بات متعارفاً عليه في الشعر الحديث بالنشيد، وهو المفهوم الذي نعتبره قالباً شعرياً شكلياً يتكون من مجموعة من القصائد التامة والمقطعات الشعرية، تصب جميعها في ثيمة النشيد نفسها، وإضافة إلى ذلك فثمة كثير من القصائد المفردة عالج فيها الشاعر أحوالاً وأموراً نأتي على ذكرها لاحقاً.
بين الذات والطبيعة
في قصائد المجموعة يستعيد الشاعر فخر الدين مقولة الرومنطيقيين الأوائل من دون حلوليتهم ولا استسلامهم لضبابيتها، إذ يجري مشابهة بين ذاته وبين الشجرة على مدى القصائد والمقطعات الشعرية الـ 12 في قصيدة "ظلّان لي"، بأن يبدأها بجملة "لو كنتُ يوماً شجره"، فيستخلص من كل منها شبهاً أو مثالاً يُرتجى من تلك المشابهة، مثل الشموخ والاخضرار والتجذر والصعود والترحيب بالغريب ومواجهة الظلام والطموح والتخيل وإيثار اللعب والوحدة، ولكأنها مثُلٌ لعالمه الشعري الذي يمضي في حراكه الشعري تصعيداً، على سمت مقاطعه وألفاظه ذات الأمداء المفتوحة.
ولكن اللافت في شعر فخر الدين أنه لا يسلم قياده للإيحاءات الرومنسية وإنما يدل على تمكن الوعي الشعري لديه من إدراك الحدود بين الذات والموضوع الشعري:
"ما زلتُ أصغي لتعاليم الشجرْ/ ما كنتُ يوماً شجرهْ/ لكنني أحيا وأهوى ظلها/ ما زلتُ أحياهُ إلى أن باتَ لي/ والآنَ لي: ظلي وظل الشجرهْ".
تأمل في ظواهر
وفي نشيده الثاني بعنوان "وما الحرب إلا... ما علمتم وذقتمُ" للشاعر زهير بن أبي سلمى الجاهلي، والذي صاغه في فيلادلفيا الأميركية في نوفمبر( تشرين الثاني) عام 2024، زمن اندلاع شرارات الحرب الخامسة أو السادسة بين إسرائيل و"حزب الله"، يناقش الشاعر فخر الدين في قصدية الحرب، وفي أنها إن أهملته فإنها نالت منه كثيراً من الأذى، وأنها مقدر لها أن تتوالى وتسلم إحداها زمام الأمور إلى أخرى، ناسباً إلى الحظ نجاته منها، ثم إن الحرب، لا غيرها، تحدد معنى الإقامة في البيوت التي لكثرة التصاقها بأحلام ساكنيها "تضيقُ بأنفاسها"، ولا تلبثُ أن تعانق أنقاضَ الراحلين عنها، وتلك التفاتة وجدانية غنائية من الشاعر تعكسُ مدى الأسى الذي يعتصر ذاته كلما اضطر إلى مغادرة بيته تحت تهديد الحروب المتواترة حيناً بعد آخر: "بيوتٌ لنا/ لم تعد تستسيغُ انتظارَ تفقدها/ بين عامٍ وعام/ بيوتٌ لنا/ ربما تنهد من يأسها/ لتعانقَ أنقاضنا".
وفي تساؤله المرير عن عبث الحروب التي طالته وآخرين رغماً عنهم ومن دون أن يطلبوها، اتسعت نظرته المتأسية لتشمل البشرية الغارقة في الحروب والمنازعات منذ أن تملك الطمع والمصالح نفوس بعضهم، فمضوا يغزون ويتفانون من دون أن يتعظ اللاحقون بما أصيب به السابقون: "نجربُ درباً فيفضي إلى الحربِ/ ثم نجربُ حرباً فتفضي إلى غيرها/ من حروبٍ تشوشُ كل الدروبِ/...كيف غدونا كذلك منذ قرونٍ؟/ قرونٌ/ ونحنُ نقولُ الذي قيلَ/".
وفي ختام المناقشة التي لا تخلو من البرهنة وإعطاء الأمثلة والصور البيانية المبينة يقول الشاعر: "وما الحربُ إلا التباس الدروبِ/ ونحنُ علِمنا وذُقنا..." في إشارة إلى المعلقة التي نظمها الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى لمناسبة إجراء المصالحة بين قبائل عربية خاضت حروبا طال أمدها وعظُم ضررها، ويمدح فيها رجلين هما الحارث بن عوف وهرم بن سنان لدفعهما ديات القتلى من أموالهما: "فما الحربُ إلا ما علمتم وذقتمُ * وما هو عنها بالحديث المرجمِ".
تراث ومماثلة
لا يأنف الشاعر الحديث، شأن جودت فخر الدين، من إعادة استثمار التراث العربي القديم، سواء الشعري منه والأسطوري، من أجل أن يحمله بعضاً من فكره وآرائه في الحياة وفي الجماعة النابذة الفكر والرؤى العميقة، كما في قصيدة بعنوان "موت زرقاء اليمامة" الشهيرة ببعد الرؤية والرؤيا، يقول فيها: "مرحباً بالموتِ في قومٍ/ إذا الرائي رأى ما صدقوهُ/ وإذا الفكرُ تجلى أوثقوهُ".
ومن ثم يمضي في استغلال أسلوب المماثلة نفسه لينظم قصائد "حديقة الكلام"، يقيم فيها علاقات مشابهة، مستعيضاً فيها عن التشبيهات بين عناصر الحديقة وكائناتها وبين أركان الكلام، بل هي أفعال مشابهة بغير صيغة التشبيه، وهي تشبيهات في الآن نفسه، إذ يقول: "للحديقة بابٌ كبابِ القصيدةِ/ والبيتُ مركزهُ في الوسطْ/ والزهورُ التي نُسقت حوله/ يتنازعها شغبٌ وشططْ".
ومثل ذلك واقع في قصيدتين "قُفلٌ لبابِ الحديقة" و"مفاتيح"، إذ يُسلم الشاعر قياد النظم لأسلوب المماثلة المشار إليه سالفاً، مضيفاً إليه قدراً من الآراء في الشعر تندرج لدينا في باب الـ "ميتا" شعر، وتوحي بأن لدى الشاعر نظرة إلى الشعر باعتباره عالماً نظريا بديلاً عن العالم المرجعي، غير أن له أفقاً متخيلاً أوسع من الثاني، فيقول: "لبابِ الحديقةِ قَفلٌ/ شبيهٌ بقفلِ القصيدة/ ليس ليحجزها أو يضيقها/ بل ليجعلها عالماً خالصاً".
إيقاعات وهايكو ورباعيات
يقول مايكل ريفاتير إن قد يكون ثمة "علامات مضاعفة في الشعر تكون ولادة للنصوص"، وأحسب أن المماثلة التي وجدناها في مجموعة فخر الدين الأخيرة كفيلة بأن تولد نصوصاً وقد ولدتها، وأنبتت معها إواليات في الكتابة جديدة نوعاً ما، قياساً إلى نوع شعر التفعيلة الذي تندرج فيه أعمال الشاعر، ولا نراه يكتفي بذلك بل يعمد إلى تجريب نوع شعري فرعي آخر، عنيتُ به قصائد الـ "هايكو" في جزء من كتابه عنوانه "طقوس الأمل"، ولم يشأ الشاعر إلا أن يسجل افتراقاً شكلياً بين قصيدة الـ "هايكو" ذات الثلاثة أسطر، وبين الـ "هايكو" لدى فخر الدين ذات الأربعة أشطر، يضاف إليها إيقاع وزني عنده (مجزوء المتدارك وتفعيلة المجزوء أيضاً) لم يكن وارداً على الإطلاق في قواعد صياغة قصيدة الـ "هايكو" الأصلية، ومن المحتمل أن تكون هذه رباعيات على غرار ما خطه الخيام أو حافظ الشيرازي أو غيرهما من الشعراء الصوفيين. "لا نرى الماءَ في قفرِنا/ والسرابْ/ حامَ مثل غرابٍ وحيدٍ/ على كل هذا الخرابْ".
وعلى هذا النحو يزاوج الشاعر بين حداثته المتأصلة في التراث العربي وبين المضامين الإنسانية المطعمة بالصوفية الرقيقة والرومنطيقية المتعالية، إذ يتسنى للقارئ أن يتبين من هذه الرباعيات نزعة متشائمة بالعموم، ناجمة عن إدراك صادم بحصول خراب عميم في "قفرنا"، شأن كثير من شعراء الحداثة الذين كانوا سباقين في اكتشاف هذا "القفر" وإبداء الرأي السلبي في الحضارة الحديثة، على ما نجد في شعر خليل حاوي، على سبيل المثال، ففي الرباعيات الـ 18 يعلن الشاعر فخر الدين بنبرته التصوفية هذه انقطاع أمله في بلاد الشرق، من دون أن يكف عن الدعاء، كما يبدي يأسه من تجديد عهد البشر ما داموا يحيون في الأوهام: "نسمي الأمورَ بأسمائها/ فالمعاركُ ما بيننا هيَ أيامنا/ والزمانُ الذي لم نعشْهُ/ تُزخرفُهُ بالمواعيدِ أوهامُنا".
وبالطبع يضيف الشاعر في مجموعته الأخيرة جديداً ويوسع أفق تجاربه الكثيرة وذات المكانة بين شعراء جيله، ونذكر أن للشاعر 20 عملاً شعرياً سابقاً منها "أقصر عن حبكِ" و"أوهام ريفية" و"للرؤية وقت" و"قصائد خائفة" و"منارة للغريق" و"سماوات" وغيرها.