Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تحالفات الخليج العسكرية... مرهونة بالدفاع ومقيدة بـ"الاحتمال"

شراكات استراتيجية تمتد من الرياض إلى واشنطن وباريس ولندن وأنقرة

يعد إبرام الاتفاقات الدفاعية حقاً سيادياً تمارسه دول الخليج مثل غيرها (واس)

ملخص

تعمل دول الخليج على تنويع تحالفاتها الدفاعية كخيار استراتيجي لمواجهة التحديات المتسارعة، بما يعزز الجاهزية العسكرية ويوسع هامش الاستقلال في القرار السياسي والأمني. ويؤكد خبراء أن هذه التحالفات تمثل جزءاً طبيعياً من منظومة الأمن الدولي، وتسهم في تحقيق التوازن والردع بعيداً من الاعتماد على حليف واحد.

في مشهد إقليمي يتسم بالتعقيد وتسارع التحولات، تتجه دول الخليج إلى إعادة صياغة مقارباتها الأمنية عبر توسيع شبكة تحالفاتها الدفاعية، بوصفها استجابة مباشرة لبيئة استراتيجية لم تعد تحتمل الرهان على شريك واحد أو مسار ثابت.

ويؤكد خبراء سياسيون أن التحالفات لم تعد خياراً سياسياً تقليدياً، بل أداة أساسية لإدارة الأخطار وتعزيز التوازن في منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية. فالنظام الدولي، بحسب تقديراتهم، يقوم على شبكة متداخلة من التفاهمات التي تعزز الردع وتمنح الدول قدرة أكبر على المناورة في مواجهة التحديات المتصاعدة.

ويشير هؤلاء إلى أن تنويع الشراكات الدفاعية لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد ليشمل تبادل المعلومات الاستخبارية، وتطوير القدرات التقنية، ورفع كفاءة الاستجابة للأزمات، بما يعزز الجاهزية الشاملة للدول. كما يمنح هذا التوجه دول الخليج مساحة أوسع لصياغة قراراتها السياسية والأمنية باستقلالية أكبر، بعيداً من الضغوط أو الارتباطات الأحادية.

وفي هذا السياق، اجتمع أمس الأربعاء وزراء خارجية عدد من الدول العربية والإسلامية في العاصمة الرياض، ضمن اجتماع وزاري تشاوري، لبحث سبل تعزيز التنسيق المشترك ودعم أمن المنطقة واستقرارها في ظل التحديات المتزايدة.

 

ضرورة استراتيجية لا تقبل القراءات العاطفية

يرى المحلل السياسي الكويتي والباحث في شؤون الخليج الدكتور محمد الرميحي أن التحالفات الدفاعية التي تعقدها دول الخليج مع شركاء إقليميين ودوليين تمثل امتداداً طبيعياً لمنظومة الأمن الدولي، وليست خياراً استثنائياً يمكن التخلي عنه، خصوصاً في ظل تصاعد التوترات في المنطقة.

ويوضح أن الجدل حول جدوى هذه التحالفات يتكرر مع كل أزمة، لكنه في الحالة الخليجية عاد بقوة مع تنامي التحديات الأمنية، وظهور تساؤلات حول اتفاقات الدفاع المشترك، مثل التعاون بين السعودية وباكستان، والعلاقة العسكرية التاريخية بين سلطنة عمان وبريطانيا، إضافة إلى أدوار دولية أخرى كفرنسا وإيطاليا ضمن ترتيبات أمنية مختلفة.

ويشير الرميحي إلى أن بعض الأطروحات التي تدعو إلى الاستغناء عن هذه التحالفات تفتقر إلى الواقعية، إذ تفترض إمكان عيش الدول في عزلة استراتيجية، وهو أمر لا يتسق مع طبيعة النظام الدولي القائم على التشابك والتوازنات، ويؤكد أن العلاقات الدولية عبر التاريخ قامت على شبكة من التحالفات، تسعى من خلالها الدول، صغيرة كانت أم كبيرة، إلى تعزيز أمنها وتحقيق توازن مع مصادر التهديد.

ومن هذا المنطلق، يعد إبرام الاتفاقات الدفاعية حقاً سيادياً تمارسه دول الخليج مثل غيرها، ليس بدافع التبعية، بل لإدارة التوازنات في بيئة إقليمية معقدة. ويستشهد الرميحي بمؤشرات حديثة، من بينها زيارة رئيس وزراء باكستان إلى الرياض، وبرقيات الدعم من قادة دول عدة، إضافة إلى تحركات عسكرية بريطانية وفرنسية وإيطالية في المنطقة، مما يعكس أن الأمن يبنى عبر منظومة من العلاقات لا في الفراغ.

ويلفت إلى أن أثر هذه التحالفات قد لا يظهر فوراً في مسار الصراعات، وهو أمر طبيعي في النزاعات المعقدة، إذ تتراكم النتائج على المدى الزمني، لا سيما مع تداخل عوامل متعددة تشمل موازين القوى والقدرات العسكرية والتحالفات الدولية والسياسات الداخلية.

 

ويشدد الرميحي على ضرورة التروي في قراءة المشهد، محذراً من الأحكام الانفعالية أو التحليلات المجتزأة، ومؤكداً أن قضايا الأمن الإقليمي والتحالفات العسكرية تتطلب فهماً عميقاً وخبرة، نظراً إلى ما يترتب على سوء تقديرها من انعكاسات تتجاوز الطابع النظري إلى التأثير في قراءة الواقع وصناعة القرار.

ضرورة لابد منها

يرى السياسي العراقي والنائب السابق الدكتور ظافر العاني أن العدوان الإيراني على دول الخليج أكد أن الاعتماد على حليف واحد لم يعد خياراً عملياً أو آمناً، إذ قد يقيد القرار السياسي ويجعل الدول رهينة لتقاطع المصالح، خصوصاً في اللحظات التي تتطلب سرعة في الحسم العسكري أو الدبلوماسي.

ويشير إلى أن التجربة أثبتت أن ضمان الأمن القومي لم يعد ممكناً عبر قناة واحدة، وأن التعويل على طرف واحد قد يعرض الدول لأخطار في حال تغيرت أولوياته أو حساباته الاستراتيجية، مما يفرض التوجه نحو بناء شبكة أوسع من الشراكات.

ويوضح العاني أن تنويع التحالفات يحمل بعدين رئيسين، الأول يتمثل في تعزيز القدرات الدفاعية والردع، عبر تبادل المعلومات الاستخبارية، وتنفيذ مناورات مشتركة، ونقل التقنيات والخبرات، بما يرفع الجاهزية ويعزز القدرة على مواجهة التهديدات، سواء التقليدية أم غير التقليدية. وبهذا المعنى، تشكل هذه الشراكات شبكة أمان تسهم في تقليل الأخطار وتعزيز الاستقرار في منطقة شهدت توترات متكررة.

أما البعد الثاني فيكمن في تعزيز استقلالية القرار السياسي والأمني، إذ تتيح الشراكات المتعددة مساحة أوسع للمناورة، بعيداً من ضغوط الحليف الواحد، وتمكن الدول من صياغة سياسات أكثر مرونة وتكيفاً مع المتغيرات.

ويؤكد أن هذا التوجه يعكس تحولاً استراتيجياً في الخليج نحو إعادة تشكيل توازنات القوة، بما يضمن حماية المصالح الوطنية ويحد من تأثير التقلبات الإقليمية والدولية، لافتاً إلى أن هذه الاتفاقات لا تقتصر على بعدها العسكري، بل تحمل رسائل سياسية واضحة تعكس قدرة دول الخليج على الدفاع عن مصالحها وبناء توازنات متعددة الأطراف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما يسهم هذا النهج، وفق العاني، في تعزيز الردع الوقائي القائم على الجاهزية والاستعداد، بدلاً من انتظار تدخل طرف خارجي في أوقات الأزمات، مشدداً على أن هذه التحالفات تمثل جزءاً من إعادة صياغة البنية الأمنية في الخليج، وتعكس وعياً متقدماً بطبيعة التحديات، مع السعي إلى تحقيق توازن بين الشراكات التقليدية والجديدة بما يخدم استقرار المنطقة على المدى الطويل.

شبكة تحالفات نوعية

في هذا الإطار، تتضح ملامح شبكة التحالفات الدفاعية التي نسجتها دول الخليج خلال السنوات الماضية، عبر اتفاقات رسمية تقودها مؤسسات الدولة، وتشمل شراكات إقليمية ودولية متعددة، تعكس توجهاً استراتيجياً نحو تنويع مصادر القوة وتعزيز منظومة الأمن الجماعي في المنطقة.

ويبرز في هذا السياق اتفاق الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي بوصفه الإطار الأهم داخلياً، إذ ينص على أن أي اعتداء على دولة عضو يعد اعتداء على جميع الدول، ويشكل أساس التنسيق العسكري والأمني بين دول الخليج. وعلى المستوى الثنائي، ترتبط دول المنطقة بسلسلة من الاتفاقات الدفاعية مع قوى دولية، في مقدمها الولايات المتحدة، التي تحتفظ بوجود عسكري في عدد من الدول الخليجية بموجب تفاهمات رسمية تشمل التدريب والتسليح والتنسيق العملياتي.

كما ترتبط السعودية وباكستان بعلاقات دفاعية وثيقة تشمل التعاون في التدريب وتبادل الخبرات والتنسيق الأمني، في وقت تحافظ فيه سلطنة عمان على شراكة عسكرية تاريخية مع بريطانيا تقوم على تدريبات مشتركة وتسهيلات عسكرية. وفي السياق ذاته، تعزز الإمارات تعاونها الدفاعي مع فرنسا عبر اتفاقات رسمية تشمل وجوداً عسكرياً فرنسياً وتنسيقاً في مجالات الدفاع الجوي والبحري.

وتستند قطر إلى شراكة دفاعية استراتيجية مع الولايات المتحدة، تشمل استضافة قاعدة العديد الجوية وتعاوناً واسعاً في العمليات العسكرية، فيما ترتبط الكويت والبحرين باتفاقات دفاعية مماثلة مع واشنطن، تتضمن ترتيبات أمنية طويلة الأمد، من بينها استضافة البحرين لمقر الأسطول الخامس الأميركي، بما يعزز الأمن البحري في المنطقة.

ولا تقتصر هذه المنظومة على الشراكات الثنائية، بل تمتد إلى تعاون متعدد الأطراف، كما في مبادرة إسطنبول للتعاون مع حلف شمال الأطلسي، التي تركز على بناء القدرات والتدريب ومكافحة الإرهاب، بمشاركة عدد من الدول الخليجية.

وتعكس هذه الشبكة المتعددة من الاتفاقات توجهاً خليجياً واضحاً نحو تنويع التحالفات وتوزيع مراكز القوة، بما يقلل من أخطار الاعتماد على طرف واحد، ويعزز القدرة على التعامل مع التحديات الأمنية المتغيرة، في بيئة إقليمية تتسم بعدم الاستقرار وتسارع التحولات.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير