Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جيل الخليج الجديد يواجه أصوات الصواريخ وصفارات الإنذار

لا يعيش الأطفال الحروب بالطريقة نفسها التي يعيشها الكبار، فبينما يحاول الراشدون فهمها في سياقها السياسي أو العسكري، يراها الصغار تهديداً مباشراً لأمانهم الشخصي

دخان يتصاعد من مبنى مرتفع في مدينة الكويت عقب هجوم بطائرة مسيرة في 8 مارس  2026 (أ ف ب)

ملخص

مع تصاعد التوترات في المنطقة، يحذر مختصون من أن التعرض المتكرر لأخبار الصراعات وأصوات الحرب قد يترك آثاراً نفسية لدى الأطفال، تتراوح بين القلق واضطرابات النوم ومخاوف قد تستمر لسنوات.

في مقطع عفوي انتشر على منصات التواصل الاجتماعي، عبّر عدد من الأطفال القطريين بكلمات بسيطة عن مشاعرهم تجاه الحرب والتوترات في المنطقة. تحدثوا عن شعورهم بالملل والخوف من الأخبار المتكررة عن الصواريخ والضربات، وقال أحدهم "طفشنا من الحرب، إحنا وش دخلنا"، فيما دعا آخرون الله أن يحفظ دول الخليج، في مشهد لافت يعكس كيف بدأت أصداء الصراع تتسلل حتى إلى عالم الأطفال.

حين يتحول الصوت إلى خوف

تروي أم محمد تجربة عاشها ابنها الذي يبلغ من العمر نحو عشر سنوات، إذ بدأ يشعر بقلق متزايد بعد متابعته المتكررة لنشرات الأخبار التي تتحدث عن الحرب في المنطقة. تقول الأم إن ابنها كان يجلس مع العائلة على مائدة الإفطار في رمضان ويتابع الأخبار باهتمام، قبل أن يتحول الفضول تدريجياً إلى خوف واضح.

وفي إحدى الليالي، وأثناء هطول أمطار غزيرة، استيقظ الطفل مذعوراً على صوت رعد قوي معتقداً أنه صوت صاروخ سقط بالقرب من المنزل. وتضيف والدته أنه بدأ باكياً وهو يردد أن "صاروخاً سقط علينا". ومنذ تلك الحادثة لم يعد قادراً على النوم بمفرده، إذ أصبح يستيقظ ليلاً ويتجه إلى غرفة والديه لينام بجانبهما بحثاً عن شعور أكبر بالأمان.

الأخبار كمصدر للقلق

تعكس تجربة نورة محمد، المتخصصة في الطفولة المبكرة وأم لطفل في السابعة من عمره، جانباً آخر من التأثير النفسي للحرب. وتقول إن ابنها في البداية كان يتابع الأخبار بفضول بسيط، لكن مع تكرار مشاهد القصف بدأ خوفه يتزايد.

وتضيف أنه أصبح يسأل ماذا سيحدث إذا صدر إنذار وهو في المدرسة، وماذا سيحدث إذا كان بعيداً من أسرته، بل بدأ يبحث بنفسه في "يوتيوب" عن مقاطع القصف ويرسلها إلى والديه.

ويرى مختصون أن مثل هذه الأسئلة تعكس محاولة الطفل فهم ما يجري حوله، لكنها قد تكون أيضاً مؤشراً إلى القلق الذي بدأ يتشكل داخله. فمجرد سماع أصوات الصواريخ أو مشاهدة صور القصف عبر التلفزيون أو الإنترنت قد يربك إحساس الطفل بالأمان ويولد لديه شعوراً بالخطر.

ويشير مختصون إلى أن الطفل يعتمد أساساً على البيئة المحيطة به، مثل المنزل والمدرسة والأسرة، ليشعر بالاستقرار. وعندما تهتز هذه البيئة بسبب أخبار الحرب أو أحاديث الكبار حولها، قد يبدأ الشعور بعدم الأمان في التسلل إلى عالمه اليومي.

الخوف يتغير مع العمر

توضح الأخصائية النفسية مها صالح الراجحي أن تأثير أخبار الحروب في الأطفال يختلف باختلاف المرحلة العمرية، إذ يرتبط ذلك بدرجة نضجهم الإدراكي والاجتماعي.

فالطفل في مرحلة ما قبل المدرسة قد لا يكون قادراً على فهم مفهوم الحرب أو تفسير ما يحدث حوله، لذلك يظهر خوفه غالبا عبر سلوكيات غير مباشرة مثل التعلق الشديد بالوالدين أو الخوف من النوم أو حتى التبول اللاإرادي.

أما الأطفال الأكبر سناً والمراهقون فيصبحون أكثر قدرة على فهم الأحداث، لكن هذا الفهم قد يرافقه قلق من نوع آخر، إذ يبدأ الطفل في طرح أسئلة تتعلق بسلامته وسلامة أسرته، وقد تظهر لديهم أعراض جسدية مثل الصداع أو آلام المعدة أو صعوبة التركيز.

لماذا يزداد الخوف ليلاً؟

يوضح الأخصائي النفسي عبدالله المضيان أن الخوف لدى الأطفال في أوقات الحروب يرتبط أساساً بشعورهم بغياب الأمان.

ويشير إلى أن دماغ الطفل يتعامل مع أصوات الانفجارات أو الصواريخ بوصفها إشارات خطر، ما يؤدي إلى ارتفاع مستوى التوتر واليقظة في الجهاز العصبي. ومع تكرار هذه المؤثرات قد تظهر انعكاسات نفسية مثل اضطرابات النوم أو الكوابيس أو زيادة التعلق بالوالدين.

ويضيف أن الخوف غالباً ما يتضاعف في الليل، إذ يقل انشغال الطفل بالمحيط الخارجي ويصبح أكثر اتصالاً بأفكاره، ما يسمح للصور أو الأصوات التي سمعها خلال اليوم بالعودة إلى ذهنه.

الخيال… ساحة أخرى للحرب

أحد الجوانب الأقل وضوحاً في تأثير الحروب في الأطفال هو ما يحدث داخل خيالهم، فالطفل خصوصاً في سنواته الأولى لا يمتلك دائماً القدرة على تفسير الأحداث المعقدة التي يسمع عنها.

وبدلاً من ذلك يحاول عقله ملء الفراغات بمشاهد قد تكون أكثر رعباً من الواقع. فمجرد سماع كلمة "صاروخ" أو مشاهدة صورة انفجار قد يدفع الطفل إلى تخيل سيناريوهات تتعلق بمنزله أو أسرته.

وتشير دراسات نفسية أجريت في "جامعة ليستر" بالتعاون مع "جامعة القدس" إلى أن التعرض المتكرر لأحداث الحرب قد يترك آثاراً نفسية طويلة الأمد لدى الأطفال والمراهقين، من بينها أعراض مرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة.

كيف يمكن حماية الأطفال

يرى خبراء الصحة النفسية أن دور الأسرة أساسي في تخفيف آثار القلق لدى الأطفال في أوقات الأزمات، إذ تنعكس طريقة تعامل الكبار مع الأحداث مباشرة على شعور الطفل بالأمان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولهذا ينصح المختصون بتقليل تعرض الأطفال للمشاهد الإخبارية المرتبطة بالحرب، والتحدث معهم بلغة بسيطة تتناسب مع أعمارهم، مع منحهم مساحة للتعبير عن مشاعرهم من دون التقليل من مخاوفهم.

كذلك يساعد الحفاظ على الروتين اليومي، مثل مواعيد النوم والأنشطة المدرسية والهوايات، الأطفال على استعادة الشعور بالاستقرار ويحد من القلق المستمر.

15 مليون طفل

وفي هذا السياق، دعت منظمة "إنقاذ الطفل" جميع الدول إلى استخدام كل الوسائل الدبلوماسية لإنهاء الأعمال العدائية والاحتكام إلى القانون الإنساني الدولي لحماية الأطفال جسدياً ونفسياً في المنطقة. وأشارت إلى أن ملايين الأطفال باتوا معرضين للخطر مع تصاعد الصراع خلال نهاية الأسبوع الماضي، بينهم نحو 15.5 مليون طفل في دول مجلس التعاون الخليجي، في ظل أجواء يسودها الخوف وعدم اليقين.

وقالت المنظمة إن دول الخليج شهدت خسائر مدنية واستهدافاً للبنى التحتية، مع تسجيل وفاة طفل في الكويت، إضافة إلى قصف منازل ومطارات وفنادق وموانئ، ما ولّد حالة من القلق وغياب الشعور بالأمان. كذلك حذرت من أن استخدام الأسلحة التفجيرية في مناطق مكتظة يهدد الأطفال بشكل خاص، إذ لا يسبب القتل والإصابات فحسب بل يخلّف إعاقات وصدمات نفسية طويلة الأمد.

وأضافت أن الاضطرابات أدت إلى إغلاق مدارس عدة في دول الخليج، مما عطل الروتين اليومي للأطفال وقوّض شعورهم بالاستقرار. وقالت وكيلة "إنقاذ الطفل" في الخليج ومديرة الارتباط الخارجي لطيفة مطر إن الأطفال "غير معنيين بالصراع لكنهم يدفعون ثمنه"، مشيرة إلى أن بعض الأطفال لم يعودوا قادرين على النوم من شدة الخوف، فيما تلجأ عائلات إلى أماكن مغلقة طلباً للأمان، مؤكدة ضرورة وقف العنف لأن كل ساعة إضافية من الصراع تعني مزيداً من الخوف للأطفال.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير